القول الفصل في دعوى المستشرقين بأن تعدد القراءات يرجع إلى خلو المصاحف من الإعجام و الشكل-5-

المصدر: http://vb.tafsir.net/tafsir36684/#ixzz2ZbFzf5Wx
الفصل الثاني: الرد على الادعاء بأن سبب نشأة القراءات و تعددها تجرد الكتابة من الإعجام و الحركات:
كانت تلك أقوال بعض المستشرقين في سبب نشأة القراءات و اختلافها، و بالنظر إلى كل تلك الأقوال جميعها نلاحظ أن الأمر لا يتعلق في الحقيقة بسبب واحد بل بعدة أسباب:
- تجرد الكتابة من النقط و الإعجام.
- تجرد الخط من الحركات و من الشكل.
و هنكاك أسبابا أخرى: اختلاف اللهجات، و طريق الرواية المنتهية إلى النبي صلى الله عليه و سلم.
و قد لخص الدكتور محمد حسين علي الصغير في كتابه تاريخ القرآن- فصل قراءات القرآن- المذاهب في ذلك بقوله:
" هناك اتجاهان رئيسيان في نشوء القراءات القرآنية و مصادرها:
الأول: أن المصحف العثماني قد كتب مجردا عن الشكل و النقط و الإعجام، فبدا محتمل النطق بأحد الحروف المتشابهة في وجوه مختلفة، فنشأت نتيجة ذلك القراءات المتعددة للوصول إلى حقيقة التلفظ بتلك الألفاظ المكتوبة، ضبطا لقراءة القرآن على وجه الصحة و كما نزل..
الثاني: أن منشأ ذلك هو التوصل بالرواية المسندة القطعية المرفوعة إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم في كيفية القراءة القرآنية إلى النطق بآيات القرآن الكريم كما نطقها، و كما نزلت وحيا من الله تعالى، بغض النظر عن كتابة المصحف الشريف ...
و قد يقال بأن مصدر القراءات هو اللهجات، و لا علاقة لها إذن بصحة السند و موافقة كتابة المصحف...و لقد جهد المحققون منذ القرن الأول للهجرة حتى عهد ابن مجاهد في دراسة ظواهر القراءات القرآنية...فأرجعوا جزءا من الاختلاف في القراءة إلى مظهر من مظاهر اللهجات العربية المختلفة..ذلك مما يؤيد وجهة النظر في عامل اللهجات و الاستئناس به عاملا مساعدا في تعدد القراءات..".
ثم يخلص إلى القول بأن:" كلا من شكل المصحف و طريق الرواية إلى النبي صلى الله عليه و سلم و تعدد اللهجات العربية قضايا ذات أهمية متكافئة باعتبارها مصادر من مصادر القراءات، كلا لا يتجزأ، و إلا فهي –على الأقل- أسباب عريضة في نشوء القراءات و مناهج اختلافها"-1-.
و بالنسبة لطريق الرواية إلى النبي صلى الله عليه و سلم فلا اعتراض عليه لأن القرآن و القراءات إنما تتلقى بالنقل و الرواية المنتهية إلى رسول الله صلى الله عليه و سلم.
لكن الذي عليه اعتراض هو زعمهم أن خلو الكتابة و تجردها من النقط و الإعجام و الشكل هو السبب في ظهور القراءات القرآنية و تعددها.
و هذا زعم باطل و ادعاء لن يستطيعوا البرهنة عليه و إن ابتغوا نفقا في الأرض أو سلما في السماء، فنشأة القراءات لا علاقة لها البتة بخلو المصاحف من الإعجام، بل كلها قراءات ثبتت بالنقل المتواتر، فالعمدة في كل قراءة من القراءات الصحيحة إنما هو التلقي و الرواية.
المبحث الأول: مصدر القراءات و نشأتها و العمدة في نقلها:
المطلب الأول: نشأة القراءات و مصدرها:
الذي نقطع به كمسلمين أن القرآن كله من عند الله تعالى لفظا و معنى، كما قال تعالى:" و إنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من النذرين"، و لما كانت القراءات جزءا من القرآن باعتبارها اختلاف ألفاظه، فإنها كذلك كلها من عند الله تعالى، ليس لرسول الله صلى الله عليه و سلم فيها شيء إلا التبليغ، كما ليس له شيء و لا دخل في تغيير و لو حرف من القرآن الكريم. و الأدلة على أن مصدر القراءات من الله تعالى، القرآن و السنة:
- فمن القرآن: قوله تعالى:"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15) قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17)" يونس.
و قوله جل في علاه:" وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (44) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (45) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (46) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (47)" –الحاقة-.
فهذه الآيات و أمثالها تدل دلالة قاطعة على أن النبي صلى الله عليه و سلم ليس له أي دخل في القرآن و لا يمكن أن يغير منه بزيادة حرف أو نقصه، و إذا كان ذلك كذلك فهو صلى الله عليه و سلم ليس له أي دخل في القراءات التي تلقها من الله تعالى بواسطة جبريل .
- و من السنة: الأحاديث المتواترة في نزول القرآن على سبعة أحرف، و معلوم أن القراءات كما سبق هي بعض الأحرف، و من هذه الأحاديث حديث ابن عباس مرفوعا:" أقرأني جبريل على حرف فراجعته فلم أزل أستزيده و يزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف" -2-.
و عن أبي بن كعب أن النبي كان عند أضاة بني غفار قال فأتاه جبريل فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرف فقال أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم أتاه الثانية فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على حرفين فقال أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الثالثة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على ثلاثة أحرف فقال أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتي لا تطيق ذلك ثم جاءه الرابعة فقال إن الله يأمرك أن تقرأ أمتك القرآن على سبعة أحرف فأيما حرف قرأوا عليه فقد أصابوا"- صحيح مسلم-.
و هذه الأحاديث و غيرها تدل كذلك دلالة قاطعة على أن القراءات مصدرها الوحي و أنها ليست من اختراع النبي صلى الله عليه و سلم، و إذا كان الأمر كذلك فمن باب أولى ألا تكون من اختراع أو ابتداع غيره، خلافا لما يزعمه الحاقدون الضالون من المستشرقين و أذنابهم.
المطلب الثاني: ظهور القراء المشهورين:
سبيل القراءات إنما هو الوحي لا غير، و قد تلقى النبي صلى الله عليه و سلم كل أوجه القراءات من الله تعالى بواسطة جبريل ، و قد قرأ بكل هذه الأوجه أو هذه القراءات و علمها أصحابه الكرام الذين اختلف أخذهم للقرآن عنه صلى الله عليه و سلم، فمنهم من أخذه عنه بحرف واحد و منهم من أخذه بحرفين و منهم من أخذه بأكثر من ذلك، و لعل من الأمثلة على ذلك إقراره صلى الله عليه و سلم لكل من عمر بن الخطاب و الحكم بن هشام في القصة المشهورة.
ثم إن الصحابة تفرقوا في الأمصار، و أخذ التابعون عنهم القرآن كل بما تيسر له، و اختلف بذلك كذلك أخذ أتباع التابعين عن التابعين للقرآن، و هلم جر حتى وصل الأمر إلى الأئمة القراء المشهورين الذين تخصصوا في ضبط القراءات و نشرها. و كانت عمدة كل واحد من هؤلاء القراء على النقل المحض، حيث لم يكن أي دخل لآرائهم أو اجتهاداتهم في تلك القراءات كما لم يكن تجرد المصاحف في بداية الأمر من النقط و الإعجام هو الدافع لهم لينشئوا تلك القراءات.
يقول النويري في شرحه لطيبة النشر:" والاعتماد في نقل القرآن على الحفاظ. ولذلك أرسل أي عثمان كل مصحف مع من يوافق قراءته في الأكثر وليس بلازم. وقرأ كل مصر بما في مصحفهم وتلقوا ما فيه من الصحابة الذين تلقوه عن النبي . ثم تجرد للأخذ عن هؤلاء قوم أسهروا ليلهم في ضبطها وأتعبوا نهارهم في نقلها حتى صاروا في ذلك أئمة للاقتداء وأنجما للاهتداء وأجمع أهل بلدهم على قبول قراءتهم ولم يختلف عليهم اثنان في صحة روايتهم ودرايتهم. ولتصديهم للقراءة نسبت إليهم وكان المعول فيها عليهم.
ثم إن القراء بعد هؤلاء كثروا وفي البلاد انتشروا وخلفهم أمم بعد أمم وعرفت طبقاتهم واختلفت صفاتهم فكان منهم المتقن للتلاوة المشهورة بالرواية والدراية ومنهم المحصل لوصف واحد. ومنهم المحصل لأكثر من واحد فكثر بينهم لذلك الاختلاف وقل منهم الائتلاف.
فقام عند ذلك جهابذة الأمة وصناديد الأئمة فبالغوا في الاجتهاد بقدر الحاصل وميزوا بين الصحيح والباطل وجمعوا الحروف والقراءات وعزوا الأوجه والروايات وبينوا الصحيح والشاذ والكثير و الفاذ بأصول أصلوها وأركان فضلوها الخ" .
المطلب الثالث: القراءة مبناها على النقل و الرواية لا الرأي و الدراية:
المعتمد في القراءات هو النقل و الرواية، و كما رأينا فإن من شروط القراءة الصحيحة صحة الإسناد و لعل هذا هو أول شرط، فلا عبرة بقراءة لم تنقل بالسند و لم تحصل عن طريق الرواية المتصلة إلى المصطفى صلى الله عليه و سلم، يقول
شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى:" سبب تنوع القراءات فيما احتمله خط المصحف هو تجويز الشارع و تسويغه ذلك لهم، إذ مرجع ذلك إلى السنة و الإتباع لا إلى الرأي و الابتداع." .
و يقول الشيخ عبد العظيم الزرقاني تعالى:" المعول عليه في القرآن الكريم إنما هو التلقي و الأخذ ثقة عن ثقة و إماما عن إمام إلى النبي صلى الله عليه و سلم، و إن المصاحف لم تكن و لن تكون هي العمدة في هذا الباب...و قد عرفت أن المصاحف لم تكن منقوطة و لا مشكولة، و أن صورة الكلمة فيها كانت محتملة لكل ما يمكن من وجوه القراءات المختلفة، و إذا لم تحتملها كتبت الكلمة بأحد الوجوه في مصحف، ثم كتبت في مصحف آخر بوجه آخر و هلم جرا، فلا غرو أن كان التعويل على الرواية و التلقي هو العمدة في باب القراءة و القرآن." .
و يقول الإمام ابن الجزري تعالى في النشر:"ثم إن الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوب و الصدور لا على حفظ المصاحف و الكتب، و هذه أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة...و لما خص الله تعالى بحفظه من شاء من أهله أقام له أئمة ثقات تجردوا لتصحيحه و بدلوا أنفسهم في إتقانه و تلقوه من النبي صلى الله عليه و سلم حرفا حرفا، لم يهملوا منه حركة و لا سكونا و لا إثباتا و لا حذفا، و لا دخل عليهم في شيء منه شك و لا وهم، و كان منهم من حفظه كله و منهم من حفظ أكثره و منهم من حفظ بعضه، كل ذلك في زمن النبي صلى الله عليه و سلم" .
فالقراءات كما يقول الإمام الزركشي تعالى:"توقيفية وليست اختيارية خلافا لجماعة.. حيث ظنوا أنها اختيارية تدور مع اختيار الفصحاء واجتهاد البلغاء وردوا على حمزة قراءة وَالأَرْحَامِ بالخفض ومثل ما حكي عن أبي زيد والأصمعي ويعقوب الحضرمي أن خطئوا حمزة في قراءته: وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ بكسر الياء المشددة وكذا أنكروا على أبي عمرو إدغامه الراء عند اللام في: يَغْفِلَكُمْ........" .
و الأمثلة على إنكار بعض النحاة على القراء بعض قراءاتهم كثيرة، رد عليها العلماء و بينوا بطلانها، لأن هؤلاء القراء اعتمدوا أمرا لا سبيل معه للإنكار، ألا و هو الرواية و النقل المنتهي إلى من نزل القرآن على قلبه عليه أفضل الصلاة و التسليم.
فالقراءات كما أسلفت مبناها على التلقي و الرواية لا على الرأي أو الدراية، لذلك نجد أصحاب هذه القراءات لا ينسبونها إلى أنفسهم بل يرجعونها إلى الصحابة الذين يروون بدورهم عن رسول الله صلى الله عليه و سلم.
يقول الإمام الخطابي تعالى:" إن أصحاب القراءات من أهل الحجاز و الشام و العراق، كل منهم عزى قراءته التي اختارها إلى رجل من صحابة رسول الله صلى الله عليه و سلم، و ذلك الصحابي قرأ تلك القراءة على النبي صلى الله عليه و سلم لم يستثن من جملة القرآن شيئا، فأسند عاصم قراءته إلى علي و ابن مسعود ، و أسند ابن كثير إلى أبي ، و أما عبد الله بن عامر فإنه أسند قراءته إلى عثمان ، و هؤلاء كلهم يقولون: قرأنا على رسول الله صلى الله عليه و سلم، و أسانيد هذه القراءات متصلة و رجالها ثقات، فالقراءات سنة متبعة يأخذها الآخر عن الأول عن رسول الله صلى الله عليه و سلم." اهـ.
----------------------------------
-1- تاريخ القرآن للدكتور محمد حسين علي الصغير :101.
-2- صحيح البخاري: كتاب فضائل القرآن.