الصبر من أعظم العبادات ، وقد ذكر في القرآن في نحو تسعين موضعا ؛ قال ابن القيم : ( وهو مذكور في القرآن على ستة عشر نوعا :-
الأول : الأمر به ؛ نحو قوله تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة ) ، وقوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) ، وقوله : ( اصبروا وصابروا ) ، وقوله :( واصبر وما صبرك إلا بالله ) .
الثاني : النهي عن ضده كقوله : ( فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل ولا تستعجل لهم ) ، وقوله : ( ولا تولوهم الأدبار ) ؛ فإن تولية الأدبار ترك للصبر والمصابرة ، وقوله : ( ولا تبطلوا أعمالكم ) ؛ فإن إبطالها ترك الصبر على إتمامها ، وقوله : ( فلا تهنوا ولا تحزنوا ) ؛ فإن الوهن من عدم الصبر .
الثالث : الثناء على أهله ؛ كقوله تعالى : ( الصابرين والصادقين الآية ) ، وقوله : ( والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) ؛ وهو كثير في القرآن .
الرابع : إيجابه سبحانه محبته لهم ؛ كقوله : ( والله يحب الصابرين ) .
الخامس : إيجاب معيته لهم ؛ وهي معية خاصة ؛ تتضمن حفظهم ، ونصرهم ، وتأييدهم ، ليست معية عامة ؛ وهي معية العلم والإحاطة كقوله : ( واصبروا إن الله مع الصابرين ) ، وقوله : ( والله مع الصابرين ) .
السادس : إخباره بأن الصبر خير لأصحابه ؛ كقوله : ( ولئن صبرتم لهو خير للصابرين ) ، وقوله : ( وأن تصبروا خير لكم ) .
السابع : إيجاب الجزاء لهم بأحسن أعمالهم ؛ كقوله تعالى : ( ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون ) .
الثامن : إيجابه سبحانه الجزاء لهم بغير حساب ؛ كقوله تعالى : ( إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ) .
التاسع : إطلاق البشرى لأهل الصبر ؛ كقوله تعالى : ( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين ) .
العاشر : ضمان النصر والمدد لهم ؛ كقوله تعالى : ( بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين ) ، ومنه قول النبي : واعلم أن النصر مع الصبر .
الحادى عشر : الإخبار منه تعالى بأن أهل الصبر هم أهل العزائم ؛ كقوله تعالى : ( ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الأمور ) .
الثاني عشر : الإخبار أنه ما يلقى الأعمال الصالحة ، وجزاءها ، والحظوظ العظيمة إلا أهل الصبر ؛ كقوله تعالى : ( ويلكم ثواب الله خير لمن آمن وعمل صالحا ولا يلقاها إلا الصابرون ) ، وقوله : ( وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم ) .
الثالث عشر : الإخبار أنه إنما ينتفع بالآيات والعبر أهل الصبر ؛ كقوله تعالى لموسى : ( أن أخرج قومك من الظلمات إلى النور وذكرهم بأيام الله إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) ، وقوله في أهل سبأ : ( فجعلناهم أحاديث ومزقناهم كل ممزق إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) ، وقوله في سورة الشورى : ( ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام إن يشأ يسكن الريح فيظللن رواكد على ظهره إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) .
الرابع عشر : الإخبار بأن الفوز المطلوب المحبوب والنجاة من المكروه المرهوب ودخول الجنة إنما نالوه بالصبر ؛ كقوله تعالى : ( والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) .
الخامس عشر : أنه يورث صاحبه درجة الإمامة ؛ سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول : بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين ثم تلا قوله تعالى : ( وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانو بآياتنا يوقنون ) .
السادس عشر : اقترانه بمقامات الإسلام والإيمان كلها ؛ فقرنه بالصلاة كقوله : ( واستعينوا بالصبر والصلاة ) ، وقرنه بالأعمال الصالحة عموما كقوله : ( إلا الذين صبروا وعملوا الصالحات ) وجعله قرين التقوى ؛ كقوله : ( إنه من يتق ويصبر ) ، وجعله قرين الشكر كقوله: ( إن في ذلك لآيات لكل صبار شكور ) ، وجعله قرين الحق كقوله : ( وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) ، وجعله قرين الرحمة ؛ كقوله : ( وتواصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة ) ، وجعله قرين اليقين كقوله : ( لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون ) ، وجعله قرين الصدق ؛ كقوله : ( والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات ) ؛ ولهذا كان الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ، ولا إيمان لمن لا صبر له ، كما أنه لا جسد لمن لا رأس له . وقال عمر بن الخطاب : خير عيش أدركناه بالصبر . وأخبر النبي في الحديث الصحيح : أنه ضياء ، وقال : من يتصبر يصبره الله !
وفي الحديث الصحيح : عجبا لأمر المؤمن ! إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له !
وقال للمرأة السوداء التي كانت تصرع فسألته : أن يدعو لها : إن شئت صبرت ولك الجنة ، وإن شئت دعوت الله أن يعافيك ؛ فقالت : إني أتكشف ؛ فادع الله أن لا أتكشف فدعا لها . وأمر الأنصار رضي الله تعالى عنهم بأن يصبروا على الأثرة التي يلقونها بعده حتى يلقوه على الحوض . وأمر عند ملاقاة العدو بالصبر ، وأمر بالصبر عند المصيبة وأخبرأنه إنما يكون عند الصدمة الأولى . وأمر المصاب بأنفع الأمور له وهو الصبر والاحتساب ؛ فإن ذلك يخفف مصيبته ، ويوفر أجره والجزع والتسخط والتشكى يزيد في المصيبة ، ويذهب الأجر . وأخبر أن الصبر خير كله فقال : ما أعطي أحد عطاء خيرا له وأوسع من الصبر ) . مدارج السالكين 2/153 – 155 ( بتصرف يسير ) ، وانظر : عدة الصابرين ، ص ( 98 – 103 ) .