تعليق على بعض كلام الإمام الرازي في وجود المتشابه في القرآن:

أشار الإمام فخر الدين الرازي تعالى في تفسيره إلى بعض حكم وجود المتشابه في القرآن الكريم بقوله:" لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد ، وكان تصريحه مبطلاً لكل ما سوى ذلك المذهب ، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه ، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملاً على المحكم وعلى المتشابه ، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه ، ويؤثر مقالته ، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب ، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب ، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات ، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق."اهـ.- مفاتيح الغيب:7/149-
لكن يظهر أن هذا الكلام من الإمام الرازي لا يسلم به بل ربما لا يصح، و ذلك لأنه إن كان المقصود بالمذاهب المذاهب الفقهية فهي لم تظهر نتيجة وجود المتشابه في القرآن، و إن كان مقصوده المذاهب العقدية – ولعله المراد و الله أعلم- فكيف يقال أنه لو اقتصر القرآن على المحكم لما ناسب إلا مذهبا واحدا و نفر المذاهب الأخرى عنه؟
و ظاهر هذا الكلام أن وجود المتشابه في القرآن هو الذي يغذي هذه المذاهب العقدية، بحيث يجد أصحاب كل مذهب ما يقوون به رأيهم و يحملون المتشابه على ما يوافق مذهبهم، و لا شك أن هذا لا يصح لأن معناه أن القرآن بما فيه من المتشابه يدعو إلى التفرقة في باب العقيدة التي لا يجوز فيها إلا الاجتماع، فالعقيدة تتميز بوحدانيتها و عدم تعددها، و الحق فيها واحد، فمن ذلك رؤية الله تعالى مثلا في الجنة فكيف يقال أن لكل صاحب مذهب في الرؤية دليل من التشابه، و نفس الشيء بالنسبة لمسائل القدر و غيرها، إذن فلا يصح أن نقول أن للجبرية أو القدرية أو الخوارج و المرجئة و غيرها ما يقوي مذاهبها الفاسدة من خلال الآيات المتشابهات، بل الذي يسلكه هؤلاء الفرق هو ما ذمه الله تعالى بقوله:" فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله" و هو الذي حذر منه النبي صلى الله عليه و سلم بقوله:" فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم".- و الله أعلم-.
و أرجو ممن كان عنده تعقيب أو توضيح أن يفيد.