بدأ الشيخ الحلقة ببيان حقائق الإيمان وذكر أنها ثلاثة:
الحقيقة الأولى: اليقين ،وذكر أنه اليقين الذي يستقر في القلب وتطمئن به النفوس.
وضرب مثالاً: بالقلم اذا كتب به في ورقة بيضاء فإن الناظر إلى هذا الأمر سيقتنع بأنه قلم، بدون أن يخضع ذلك الناظر أو المشاهد لأي تهديد أو ترغيب،بعكس لو قيل له أن هذا القلم ثعبان فإنه لن يصدق حتى لو قيل له ستعطى مليون درهم حتى لو طمع في ذلك المبلغ فإنه في حقيقة نفسه غيرمصدق، وكذلك لو خضع ذلك المشاهد أو الناظر لتهديد بالسلاح لن يصدق كذلك، والسبب في ذلك هو اليقين فاليقين يرفض الترغيب والترهيب ولن يخترق القلب ويصل إلى موقع اليقين ولكن الحجة والبرهان والبينة تلك هي التي تحقق اليقين في القلب وتمكنه من النفس.
ولذلك لما أرسل الله تعالى الرسل ارسلهم بالبينات والمعجزات لتقوم بها الحجة على الناس قال تعالى(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ) أي الحجة قال تعالى (قل فلله الحجة البالغة) وهذه الحجة والبينة والبرهان تثمر اليقين في القلب وهو الإطمئنان النفسي.
وأن هذا اليقين الجازم(كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * ثُمَّ كَلاَّ سَوْفَ تَعْلَمُونَ * كَلاَّ لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ) فإن الدليل إذا قام على الحجة البالغة كان علماً يقيناً، ولكي يتحقق هذا اليقين في قضايا الإيمان بالله فإن الله تعالى قد تكفل بهذه المسألة، إنها القضية الأولى في الدين، وهي الحجة والبرهان فالنار حق والجنة حق فإذا تكفل الله تعالى بهذه الأدلة وأقام بهذه الحجج وأيد بها الرسل فليس هناك حجة لأن يضل أحد بعد ذلك في قضية تكفل الله بها.
وقد خلق الله الإنسان وكلفه بالعلم وزوده بأدوات العلم فخلق له السمع والبصر والعقل المسمى بالفؤاد، فعلى الإنسان أن يسمع وأول شئ عليه أن يسمعه هو كلام الله تعالى وهو القرآن، وأول شئ عليه أن يبصره هو آيات الله التي خلقها الله ، وعليه كذلك أن يتفكر ويستخدم عقله الذي منحه آياه خالقه ، فإذا كان الله تعالى قد أقام عليك الحجة فإنه سبحانه قد زودك بأدوات العلم قال تعالى(وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) فلو أتينا بأكبر شخصية في العالم وسلبنا منه السمع والبصر والعقل فماذا سيبقى له وماهي قيمته بعد سلب تلك الأشياء؟ شخص أصم أبكم ولايعقل شيئاً قال تعالى(قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَٰهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ ۗ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ) إن الذين لايستخدمون هذه الأدوات سيأتي عليهم وقت يندمون فيه ولاينفعهم الندم حينذاك.
وذكر الشيخ حوار جرى بينه وبين بروفيسور بريطاني وهو كروستوفر وهو أحد العلماء الذين يمتحنون الأطباء الذين يتقدمون للفوز والحصول على الزمالة البريطانية في الطب، وبدأ الحوار بينهما بسؤال طرحه الشيخ على هذا البرفيسور فقال له هل العين والبصر وباقي أعضاء الإنسان خلقت لحكمة فرد عليه البرفيسور: نعم وقال أن هذا يسمى علم وظائف الأعضاء ولايتخرج أي طبيب من أي كلية طب في العالم إلا إذا درس هذا العلم، فسأله الشيخ: هل هذه الأعضاء أحكمت من أجل نفسها أم من أجلكم؟ فضحك البرفيسور وقال لو أتينا بالجهاز الهضمي كاملاً من دون باقي الجسد هل له أي قيمة فرد الشيخ: لا، فقال البرفيسور فكيف تقول أنها أحكمت من أجلها بل من أجلكم. فسأله الشيخ: هذا الكون مالحكمة منه؟ فبهت البروفيسور وقال هذه فلسفة – يعني تحتمل الصدق والكذب- فقال الشيخ: هذا تهرب منك قبل قليل قلت علم وظائف الأعضاء والآن تفّر من الإجابة وأنا أعلم أنك ستفّر من الإجابة لأن الحكمة وتعليمها من الله تعالى، ثم سأله الشيخ كذلك عن الجزمة هل لها حكمة؟ فأجاب البرفيسور: نعم لها حكمة وذكر بعض من فوائدها المعروفة فسأله الشيخ عن الحكمة منك كإنسان؟ فبهت البرفيسور مرة أخرى.
فقال له الشيخ: والله إني لأعجب من حضارتكم التي تعلمكم الكمة من الجزمة وأهميتها، وتقول لإبنائها أنتم أحقرمن نعالكمولاحكمة من خلقكم وذكر قوله تعالى:﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ﴾ لقد أقام لله تعالى فينا هذه الأجهزة للعلم وخلقها لنا لكي نتعلم قال تعالى:(فاعلم أنَّه لا إله إلا الله) ثم جعل لنا مصادر نأخذ منها العلم .
المصدر الأول: الكون: فكل مايقع عليه النظرفي هذا الكون فهو لله تعالى قال تعالى:(إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ* تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ) فالكون كله أدلة وماعليك إلا أن تتوجه بهذه الأدوات إلى هذا المصدر لنأخذ تلك المعلومات لمتلئ قلوبنا باليقين، قال تعالى: (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين).
المصدر الثاني: بينات الرسل ومعجزاتهم: وهي تدل على أنها من عند الله، كما تدل على صدق الرسول ، ودليل على الإيمان بالله .
وعلى هذه البينات آمن الناس عندما عجزوا عن الإتيان بمثل تلك البينات والمعجزات قال تعالى: (لقد أرسلنا رسلنا بالبينات) وجعل الله لكل نبي معجزة وبينة تناسب قومه.
فسيدنا موسى بعثه الله في قوم يتقنون السحر فجعل الله معجزته متناسبة مع ما اشتهر به قومه فالعصا تتحول إلى حية واليد يضعها في جيبه فتخرج بيضاء من غير سوء حتى قالوا(فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ) فلما اجتمعوا وألقى السحرة حبالهم وعصيهم تحولت إلى حيات، أمره ربه أن يلقي عصاه فإذا هي تلقف مايأفكون،فالسحرة أعلم الناس بالسحر فلما رأوا الأمر كذلك علموا أنها ليست بسحر فخر هؤلاء السحرة ساجدين وقالوا آمنا بالله رب العالمين فهم علموا أن هذه البينة لاتكون إلا من عند الله تعالى.
وقوم عيسى اشتهروا بالطب فكانت معجزته من جنس ما اشتهروا به، والطب مهما تقدم لن يستطيع أن يرد البصر للأعمى ولا أن يعالج الأبرص، فلما جاء عيسى بهذه المعجزة البينة أيقنوا أنها من عند الله تعالى.
وسيدنا محمد صلى لله عيه وسلم هو رسول الله تعالى إلى الناس جميعاً أهل الشرق وأهل الغرب وأهل الصين واليابانيين وغيرهم وأهل الحضارات فأعطاه البينة الباقية التي بين أيدينا الآن وهي القرآن العظيم قال تعالى : (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أي من بلغ إليه، فحفظه الله تعالى كما هو من وقت النبي علية الصلاة والسلام إلى عصرنا الحاضر وسيحفظه إلى ماشاء الأهل الله، وأعظم حجة ومعجزة فيه هي العلم، فأهل الإختراعات وأهل الصناعات في أي دولة يستطيعوا أن يتعرفوا على العلم في القرآنوخاصة فيما نسميع الإعجاز العلمي في القرآن، كما يستطيع أهل العلم في مجال علم النفس والسياسة والأخلاق والديانات أن يعرفوا أن العلم الذي في القرآن لا يكون إلا من عندالله تعالى خاصة إذا وصلوا إلى درجة من العلم يعرفون بها تلك الحقائق.
قال تعالى في طبيعة المعجزة في هذا القرآن: (قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ ) ثم بين لنا معجزة هذا القرآن فقال تعالى : (‏‏لَّـكِنِ الله يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِالله شَهِيدًا) أنزله وفيه العلم الإلهي في كل آية من آياته، وقد ظهر كثيراً من الآيات التي ظهرت في زمننا الحاضر وكيف أذعن لها كثيراً من العلماء والباحثين، فالله خلقنا ويتولى أمرنا وشأننا.
يقول الفلاسفة أن الله خلق الخلق ثم تخلى عنهم وقد رد الشيخ هذه الشبهه بقوله أن الله تعالى حي قيوم على كل شئ، وذكر الشيخ دليلاً على ذلك وهو دليل الدعاء والإجابة فالإنسان الذي يقع في مصيبة أو مرض ولجأ إلى الله تعالى لجوءً صادقاً ووجد علاجه أو قضاء حاجته، ورأى الفرج قال تعالى : (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ).
وذلك الأمر يعرفونه المسلمون في صلاة الأستسقاء، فإذا أراد الناس أن يستجيب الله لهم فليستجيبوا له، فطريق استجابة الله هو الإيمان بالله تعالى.
المصدر الثالث: العقل: الذي جعله الله تعالى نوراً يهدي الناس ويدلهم على الخطأ والصواب، ويميز لإصحابه ماينفعهم ومايضرهم.
وذكر أدلة عقلية على الإيمان بالله ومن هذه الأدلة:
قوله تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (35) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُون) فهل خلق الناس من عدم ،وقوله تعالى : ( لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ) فهذا هو المنهج القرآني الذي يعتمد على الأدلة العقلية، ومن الناس من يظن أن الإيمان يصادم العقل وأنه إذا استخدم العقل فإنه يقول للإيمان غادر وهذا ما أثبت القرآن خلافه.
كما أن هناك أدلة من الفطرة على الإيمان بالله ومنها:
إذا وجد الإنسان نفسه في مصيبة شديدة فإنه يلجأ مباشرة إلى الله تعالى ويتضرع إلى الله بإخلاص قال تعالى : (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا).
فهذه الأدلة التي تكفل الله تعالى بإظهارها إلى البشرية هي أدلة عظيمة تحاصر الجاحد والكافرمن كل جانب من الجوانب، فالآيات الدالة على الإيمان بالله تعالى تملأ الأرض والسماء، والأدلة الدالة على صدق الرسل ورسالاتهم مشاهدة بالعيون، وقد يقول قائل: أنني لاأستطيع أن أرى معجزات الرسل السابقين.
والجواب عليه عليه بأننا لو أتينا بثلاثة أشخاص أحدهم يهودي وثانيهم نصراني وثالثهم مسلم، وقلنا لليهودي ماهي الآيات التي عليها آمنت؟
فسيقول هذا اليهودي العصا واليد البيضاء والتسع آيات التي أيد اله بها نبيه موسى ، فلو قال شخص من الملاحدة هل تستطيع أن ترينا هذه الآيات، سيرد عليه ويقول له : لا ليس لك من هذا إلا قصة التاريخ وخبر التاريخ.
ولو سألنا إسرائيلياً وقلنا له ماهي الأدلة التي عليها آمنت؟ فإنه سيقول لقد أيد الله سيدنا عيسى بإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص، فلو سأله سائل هل تستطيع أن ترينا هذه الآيات؟ فأنه سيقول : لا.
ولكن لو قلنا لمسلم هل تستطيع أن ترينا معجزة محمد ؟ سيقول : نعم، أن أعظم معجزة لسيدنا محمد عليه الصلاة والسلام هي هذا القرآن الذي بين أيدينا فيه المعجزة والبينة والبرهان.
وختم الشيخ بقوله : أن اليقين لا يتحقق إلا بانتفاء الشك، قال تعالى : (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) والشاهد ( ثم لم يرتابوا) أي يذهب عنهم الريب.