[align=justify]
بسم الله الرحمن الرحيم . الوليمة سنة في حق كل من تزوَّج ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلمِ . قال الإمام ابن قدامة في (المغني 7/212) : (ويستحب لمن تزوَّج أن يولم ولو بشاةٍ ، لا خلاف بين أهل العلم في أن الوليمة سنة في العرس مشروعة لما روي أن النبي أمر بها وفعلها فقال لعبد الرحمن بن عوف حين قال تزوجْتُ : "أولِمْ ولو بشاةٍ"(1) . ولم يُقَدِّر الشرع مقدار الوليمة ، فيجوز إكثار طعام الوليمة وتقليله حسب حال الزوج ، قال القاضي عياضٌ : وأجمعوا على أنه لا حدَّ لأكثر ما يولمُ به وأما أقلُّه فكذلك ، ومهما تيسَّر أجزأَ ، والمستحب أنها على قدر حالِ الزَّوج)(2) .
فأردتُّ أن أبحث عن الولائم التي صنعها النبيُّ حينما تزوَّج أمهات المؤمنين َّ . وفيما يلي تفصيل لكل وليمة أعدَّها النبي لكل زوج من أزواجه َّ :
1- خديجة بنت خويلد : تزوَّجها النبي قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/57) : (خديجة بنت خويلدٍ وهي أولُ من تزوج ، زوَّجه إياها أبوها خويلدُ بن أسدٍ ، ويقال أخوها عمرو بن خويلد . وأصدقها رسولُ الله عشرين بكرةً(3)) .
2- عائشة بنت أبي بكر الصديق : تزوجها النبي وهي بنت سبع سنين بمكة ، وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع سنين . قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/57) : ولم يتزوج رسول الله بكراً غيرَها . زوَّجه إياها أبوها أبو بكر . وأصدقها رسول الله أربعَمائةِ درهمٍ) . وقال الزبير بن بكار في (المنتخب من كتاب أزواج النبي 1/35) : (تزوج رسولُ الله بعد سودةَ عائشةَ بنتَ أبي بكر في شوال سنةِ عشرٍ من النبوة قبل الهجرةِ بثلاث سنين . وأولم عليها بهدايا الأنصار ، وطلبوا في ذلك إذنه فأذنَ لهم فاتعدوا(4) المسجد وغدَوا عليه متلاحمة فيها التمر والجفنة فيها الودك لحم أو غيره ، وكان يومَها كثيرُ الأطباق والجِفان) .
3- سودة بنت زمعة : أول امرأة تزوَّجها رسول الله بعد خديجة ، ودخل بها بمكة في رمضان سنة عشر من البعثة، وهاجر بها إلى المدينة . قال ابن هشامٍ في (السيرة النبوية 6/58) : (وأصدقَهَا رسولُ الله أربعمائة درهمٍ) .
4- زينب بنت جحش : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/58) (وأصدقها رسول الله أربعمائة درهمٍ) . قال ابن جرير في (تفسيره 22/37) : حدثني أبو معاوية بشر بن دِحْية قال ثَنَا سفيانُ عن الزُّهريِّ عن أنس بن مالك قال : سألنِي أبيُّ بنُ كعبٍ عن الحجابِ فقلتُ : أنا أعلمُ الناسِ بهِ . نزلتْ في شأن زينبَ : أوْلَمَ النَّبِيُّ عليها بتَمْرٍ وسويقٍ(5) فَنزلتْ (يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يؤذنَ لكم ..) إلى قوله (ذَلِكُم أطهر لقلوبكم وقلوبهنَّ) وفي صحيح البخاري من حديث أنسٍ أنس : قال "ما أولم النبيُّ على شيء من نسائه ما أولَمَ على زينبَ ، أولَمَ بشاةٍ"(6) . وروى ابن أبي شيبة عن أنس بن مالك قال : "أولم النبيُّ بزينبَ فأشبعَ المسلمين خبزاً"(7) .
5- أم سلمة هند بنت أبي أميَّة : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/58) : (وأصدقها رسولُ الله فراشاً حشوُه ليفٌ ، وقدَحاً وصحيفة ومجشة) وعنْ صفية بنت شيبة - كما في البخاري – قالت : "أولم النبيُّ على بعض نسائه بِمُدَّينِ(8) من شعيرٍ"(9) ، قال الحافظ ابن حجر في (فتح الباري9/239) : وأقربُ ما يفسَّر به أمُّ سلمةَ .
6- حفصة بنت عمر بن الخطاب : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/59) : (وأصدقها رسول الله أربعمائة درهمٍ) . ولكن روى الزبير بن بكار عن عثمان بن عبدالرحمن في (المنتخب من كتاب أزواج النبي 1/39) تزوَّج حفصةَ بنت عمر وكانت قبله عند خنيسِ بن حذافة وقد شهد بدراً ، وأمهرها رسول الله بِساطاً ووسادتين وكساءً رحباً ؛ يفترشانه في القيظ والشتاء نِصفَه ويلتحفان نصفَه ، وإناءين أخضرين . وأولمَ عليها المهاجرون دون الأنصار وَطْبَةً(10) مأقوطة بسمْنٍ وتمْرِ عجوة ، وسويقاً ملْتُوتاً . وكانت تفْخَر على عائشةَ تقول : قومي وحزبي خيرٌ من قومِكِ وحزبِكِ) . وروى أيضاً من طريق عبد الرحمن بن أبي سعيدٍ عن أبيهِ عن جده قال : تزوَّج رسولُ الله حفصةَ بنت عمر في شعبانَ على رأسِ ثلاثين شهراً من الهجرةِ قبلَ أُحدٍ بشهرين) .
7- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/59) : (وأصدقها النجاشيُّ عن رسول الله أربعمائة دينارٍ) . وعمل لهم النجاشي طعاماً فأكلوا ، ولما بلغ أبا سفيان زواجُها من النبي قال : ذاك الفحلُ لا يُقرع أنفُه (11).
8- جويرية بنت الحارث : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/60) : (وخطبها رسولُ الله إلى أبيها ، فزوَّجه إياها وأصدقها أربعمائة درهمٍ) . ولم أرَ أحداً من العلماء رووا قدرَ الوليمة التي كانت في زواج النبي بها لكن جاء في كتب السِّير :أنها كانت من سبايا غزوة بني المصطلق ، وأتت الرسول فقالت : يا رسول الله ، أنا جويرية بنتُ الحارث بن أبي ضرار سيدُ قومه وقد أصابني من البلاء ما لم يخفَ عليك ، فوقعتُ في السهم لثابت بن قيسٍ بن الشمَّاس ، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي . قال الرسول : " فهل لكِ في خيرٍ من ذلك ؟" قالت : وما هو يا رسول الله ؟ قال :" أقضي عنكِ كِتابتَك وأتزوجكِ" . قالت : نعم يا رسول الله . قال : "لقد فعلت" . قالت عائشة : فأعتق مائة أهل بيت بتزويج رسول الله إياها ، فلا أعلم امرأةً أعظمَ بركةً على قومها منها(12) .
9- صفية بنت حيي : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/60) : (وتزوج رسول الله صفيةَ بنت حيي بن أخطب سباها من خيبر فاصطفاها لنفسه ، وأولم رسولُ الله وليمةً ما فيها شحمٌ ولا لحم كان سويقاً وتمراً) وفي صحيح البخاري أن النبي صنعَ حَيساً(13) في نِطَعٍ صغير(14) ، وروى البخاري أيضاً من حديث أنسٍ أن رسول الله أعتق صفيةَ وتزوَّجَها وجعلَ عِتْقهَا صدَاقَها وأولَمَ عليها بحَيْسٍ (15) .
10- ميمونة بنت الحارث : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/60) : (وأصدقها العباسُ عن رسولِ الله أربعَمائةِ درهمٍ) . تزوَّجها في عمرة القضاء عام 7هـ، وأراد أن يبني بها في مكة بعد انتهاء الأيام الثلاثة التي نصّ َ عليها عهدُ الحديبيةِ وقال لكفار مكة : (ما عليكم لو تركتموني فأعْرَسْتُ بين أظهركم وصنعنا لكم طعاماً فحضرتموهُ ؟ فقالوا: لا حاجةَ لنا في طعامك فاخرج عنَّا) فأمر المسلمينَ بالرحيلِ وفاءً بعهده(16) .

11- زينب بنت خزيمة : قال ابن هشام في (السيرة النبوية 6/61) : (وأصدقها العباس عن رسول الله أربعمائة درهم) . وقال الزبير بن بكار في (المنتخب 1/41) : (وأصدقها رسول الله عشرة أواقٍ وأولمَ عليها جُزُوراً)(17) .
* قال ابنُ هشام في (السيرة النبوية 6/61) : (هؤلاء اللاَّتي بنَى بِهنَّ رسولُ الله : إحدى عشرة ، فمات قبلَه منهُنَّ ثِنْتان : خديجةُ بنت خويلدٍ وزينبُ بنت خزيمةَ ، وتوفي عن تسعٍ) .
وعُلم مما سبق أن النبي كانت وليمته وسطاً ، لا فيها إسراف ولا تبذير ولا فيها بُخلٌ ولا تقصير . وفُهمَ من حديث أنسٍ أن أكبر وليمة أعدَّها رسول الله هي ما أولم على زينب بنت جحش وهي : شاة . وهذا آخر ما توصلت إليه وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
--------------------------------------------------
1- رواه البخاري برقم (5167) .
2- (نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار للإمام الشوكاني 6/323) .
3- قال في (مختار الصحاح 25) : البَكْرُ بالفتح الفتى من الإبل والأنثى : بكرة .
4- اتعد : على افتعل من العِدة ، أي جعلوا المسجد ميعاداً للاجتماع .
5- السويق هو : القمح أو الشعير المقلو ثم يطحن (هدي الساري 206) .
6- رقم الحديث (5168) .
7- (مصنف ابن أبي شيبة 3/561) .
8- المُدُّ هو : مكيال وهو رطل وثُلث عند أهل الحجاز ورطلان عند أهل العِراق (مختار الصحاح 104) قيل سُمِّي بذلك : لأنه يسع ملء كفَّي الإنسان .
9- رقم الحديث (5172) .
10- قال في (النهاية في غريب الحديث 5/202) : الوَطْبَة : الحَيْس يَجمع بَين التَّمْر والأقِط والسَّمْن .
11- انظر (الطبقات الكبرى لابن سعدٍ 8/98-99) وقال في (النهاية في غريب الحديث 1/133) : يريد هذا الكُفء الذي لا يُرَدّ نكاحُه .
12- انظر (الاستيعاب لابن عبدالبر 4/1804-1805) .
13- الحيس هو : تمرٌ يُخلط بسمنٍ وأقِطٍ (مختار الصحاح 69) والأقط هو : لبنٌ مجفَّف يطبخ به (المختار 8) .
14- رقم الحديث (2235) ، والنِّطع هو : ما يفترش من الجلود (هدي الساري 311) .
15- رقم الحديث (5169) .
16- انظر تاريخ الطبري (2/143) .
17- الجزور هي الإبل يقعُ على الذكر والأنثى (مختار الصحاح 43) .

تحريراً في 1/7/1426هـ
أبو عمار المليباري[/align]