http://vb.tafsir.net/images/smilies/basmalh.png
ما هي التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم؟
التعريف الاشتراطي من مصطلحات علم المنطق وهو المفهوم الخاص الذي يريد المعبر أن يوصلَه إلى المخاطَب من خلال تعبير خاص يختارُه هو بمعرفته.
وهذا العمل الذي بين يديك جديد فيما يتعلق بتعبيرات القرآن الكريم، إذ لا يوجد مثل هذا العمل من قبل، وإن كنا في أمَسِّ الحاجة إليه منذ زمن طويل، فغياب تحديد معاني الكلمات تحديدا متفقا عليه حالَ دون اتفاق التفاسير والترجمات، ونأى بهما عن المفهوم الحقيقي في بعض المواضيع.
وقد بدأتُ البحثَ والتفتيش عن المفاهيم الخاصة المرتبطة بتعبيرات القرآن الكريم بعد سبع سنوات من نشأة فكرة بدء دراستي الفعلية للقرآن عام 1967م، وكنت خلال السنوات السبع تلك قد لاحظت اضطراب المعاني المستخلصة بشكل منطقي من الآيات القرآنية عندما استعملت معاني التعبيرات المأخوذة من القواميس بشكل مباشر، حيث دفعتني هذه الملاحظة إلى افتراض أن الله تعالى لابد أن يكون عالما باختلاف معاني الكلمات القاموسية -التي هي من وضع البشر- عن مراده من معاني الكلمات التي يستخدمها في صياغة تعبيراته، وعلى هذا فلابد من أن الله قد جنب المؤمنين به شر الاختلاف التناقضي ، ووضع معاني تعبيراته في القرآن؛ مُضَمَّنَةً ومُدْمَجَةً في الآيات التي حملت هذه التعبيرات على سبيل الحصر، وافترضت أيضا أن الله تعالى مادام هو الخالق فلابد من أن تكون رسالته لخلقه شديدة الوضوح ودقيقة التعبير ومحددة المعالم, هذا فيما يتعلق بالتشريع، وإلا ضاعت الحجة على المُكَلَّفين لعدم وضوحها، وأما فيما يتعلق بالإشارات العلمية، في النفس والجسم والكون والذرة والوراثة والعلاقات الاجتماعية والبيئية، فإنها تتكشف لمن لديه قدر معين من المعارف حول هذه المجالات، أو تبقى غير معلومة إلى زمن يصل فيه الإنسان إلى الحد الأدنى من المعرفة الذي يُدنِيه من الكشف عن هذه المكنونات.
وبناء على الافتراضات السابقة قمت بتجربة استخراج معاني بعض التعبيرات المدمجة في النص القرآني؛ من خلال استقراء الآيات التي ذكرت هذه التعبيرات على سبيل الحصر، وحصلت على تعريفات أزالت التضارب والاختلاف في معاني الآيات، وأخرجت علما جديدا مشوقا لعلك تلمس جوانبَ منه في مبادئ الخلق وفي النظريات المستنبطة من هذه المبادئ، حيث أنها ليست وليدة خيال خصب عندي ولكنها معانٍ نتجت بإلحاح وفرضت نفسها بقوة وثبات، وهذا نجاح باهر للفروض التي افترضتُها.
ومن علم المنطق وجدت كما ذكرت من قبل أن التعريف الخاص الذي يستخدمه المعبر لتعبيرٍ خاص يسمَّى التعريف الاشتراطي، ولما كان المُعَبِّر هنا هو الله وتعبيره هو القرآن الكريم، فقد وجدت أن التسمية المناسبة لهذه التعريفات هي "التعريفات الاشتراطية لتعبيرات القرآن الكريم".
وقد أصبحت هذه التعريفات بالنسبة لي ثروة عظيمة، وأدوات غوصٍ لا مثيل لها لاستخراج لآلئ القرآن المكنونة، وتوالت المعاني المستخرجة باطراد منقطع النظير في مجالات متعددة مثل النفس البشرية المسئولة وعلاقاتها والكون المحسوس وغير المحسوس وقضايا الفلسفة والحرية والتطور والسببية، ومن أمثلة التعريفات تعريف الكلمات والتعبيرات مثل [النفس] و[الروح] وما يتعلق بهما و[القلب] و[الفؤاد] و[الذاكرة]، و[السماء] و[السماوات] و[الأرض] و[الشمس] و[النجوم]، ومعنى [المشيئة] و[الإرادة] و[القدرة]، ومعاني لتعبيرات أعطت صورة بلاغية رائعة البيان مثل تعبيرات [شرى] و[اشترى] و[باع] و[ابتاع] و[إلى أجل] و[لأجل]، فمعانيها تعطي خلفية تصويرية تضيف بعدا جديدا للمعنى فتزيده عمقا ووضوحا.
وبهذا اكتملتْ لديَّ القناعةُ بحقٍّ بأن هذا القرآن لو اجتمعت الإنس والجن فعلا بكل ما لديهم من حاسبات وأدوات حديثة على أن يقلدوه ما استطاعوا.
مع العلم بأن هذا العمل ليس إلزاما لك أن تستخدم تعريفاته في تعبيرك أو تطبيقه على غير القرآن، أما نصوص القرآن فإنه بدون هذه التعريفات تضطرب معانيه, ويخفى عنك المراد الحقيقي من بعض الآيات القرآنية، وتبدو كأنها لم تتنزل من عند الله تعالى، لأن النص له حروف تشكل كلمات وجملا لها معنى، فإذا أخذنا معناها من غير القرآن فلا جدوى لتنزيل النص من عند الله.