البيان لما في كتاب "أسماء حسنى غير الأسماء الحسنى" من الأوهام: -1/2-


اقتنيت من بعض المكتبات كتابا بعنوان " أسماء حسنى غير الأسماء الحسنى" للدكتور عقيل حسين عقيل-1- و لكوني أشارك في بعض الجرائد الوطنية بسلسة في شرح حديث :" إن لله تسعة و تسعين اسما من أحصاها دخل الجنة"، فقد فرحت بهذا الكتاب حيث ظننت أنه سيكون مصدرا جديدا في بحثي، و كم كانت الصدمة كبيرة حينما وصلت إلى المنزل و تصفحته، فقد وجدته مخالفا تماما لما عهدته في الكتب التي اختصت بموضوع الأسماء الحسنى ضاربا بعرض الحائط الأصول و القواعد المعتمدة في هذا الباب، و في الحقيقة بيان ما في هذا الكتاب من الأخطاء و المخالفات يحتاج إلى صفحات، لكن أكتفي بإشارات، و لعل الله يقيض من ينخله نخلا.

1- مخالفته لمذهب أهل السنة و الجماعة في باب الأسماء و هو أنها توقيفية لا مجال للآراء و العقول فيها:
فقد صرح الكاتب باجتهاده في استخراج ما ضمنه في كتابه من الأسماء، حيث قال في مقدمته:"و لذا فتح باب الاجتهاد في الأسماء الحسنى المرتبطة في الأفعال و الصفات..".-ص11-
و لا ريب أن هذا قول مردود فلا مجال للرأي أو الاجتهاد في أسماء الله تعالى فلا نثبت له سبحانه من الأسماء إلا ما أثبته لنفسه في كتابه أو على لسان رسوله صلى الله عليه و سلم في سنته.
يقول العلامة ابن عثيمين تعالى:" وعلى هذا فيجب الوقوف فيها على ما جاء به الكتاب والسنة فلا يزاد فيها ولا ينقص لأن العقل لا يمكنه إدراك ما يستحقه تعالى من الأسماء فوجب الوقوف في ذلك على النص، لقوله تعالى:" ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً"اهـ- القواعد المثلى- .
فلا سبيل للاجتهاد في أسماء الله تعالى لا نفيا و لا إثباتا فالمرجع هو النص من كتاب أو سنة، فإثبات اسم لله جل و علا لم يرد في الكتاب أو السنة أو نفي اسم ثابت له سبحانه من التقول على الله بغير علم، و هذا من أعظم المحرمات، يقول الله تعالى:" قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها و ما بطن و الإثم و البغي بغير حق و أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا و أن تقووا على الله ما لا تعلمون".
و التوقف في باب الأسماء هو مذهب أهل السنة خلافا لمن خالفهم كالمعتزلة.
يقول الخازن تعالى في اللباب:" قال العلماء : وكما يجب تنزيه الله عن جميع النقائص فكذلك يجب تنزيه أسمائه أيضاً وقوله : ( فادعوه بها ( يعني ادعوا الله بأسمائه التي سمى بها نفسه أو سماه بها رسوله ففيه دليل على أن أسماء الله تعالى توقيفية لا اصطلاحية ومما يدل على صحة هذا القول ويؤكده أنه يجوز أن يقال يا جواد ولا يجوز أن يقال يا سخي ويجوز أن يقال يا عالم ولا يجوز أن يقال يا عاقل.." اهـ – لباب التأويل:2/319-
و يقول الإمام البغوي في تفسيره:" وجملته: أن أسماء الله تعالى على التوقيف، فإنه يسمى جوادا ولا يسمى سخيا، وإن كان في معنى الجواد، ويسمى رحيما ولا يسمى رفيقا، ويسمى عالما ولا يسمى عاقلا وقال تعالى: "يخادعون الله وهو خادعهم"(النساء 142) وقال عز من قائل: "ومكروا ومكر الله"(آل عمران-54)، ولا يقال في الدعاء: يا مخادع، يا مكار، بل يدعى بأسمائه التي ورد بها التوقيف على وجه التعظيم، فيقال: يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا عزيز، يا كريم ونحو ذلك."-اهـ-3/307.
و لعل ما ذكره بعض أصحاب التراجم في ترجمة ل الإمام أبي الحسن الأشعري و أعني تلك المناظرة التي جرت بينه و بين الجبائي من أروع الأمثلة على أنه لا سبيل للعقل في باب الأسماء.
" فقد كان أبو الحسن الأشعري يرى أن أسماء الله توقيفية - بخلاف شيخه الجبائي فمرة دخل رجل على الجبائي ، فقال له : هل يجوز أن يسمى الله تعالي عاقلاً فقال الجبائي : لا لأن العقل مشتق من العقال ، وهو المانع ، والمنع في حق الله محال ، فامتنع الإطلاق ، فقال أبو الحسن الأشعري : فقلت له : فعلى قياسك لا يسمى الله سبحانه حكيماً لأن هذا الاسم مشتق من حكمة اللجام وهي الحديدة المانعة للدابة عن الخروج ، ويشهد لذلك قول حسان بن ثابت :
فنحكم بالقوافي من هجانا * ونضربُ حين تختلط الدماء
وقول الآخر :
أبني حنفية حكموا سفهاءكم * إني أخاف عليكمو أن أغضبا
أى نمنع بالقوافي من هجانا ، وامنعوا سفهاءكم .
فإذا كان اللفظ مشتقاً من المنع ، والمنع على الله محال ، لزمك
أن تمنع إطلاق ( حكيم ) على الله .
قال : فلم يجب الجبائي إلا أنه قال له : فلم منعت أنت أن يسمى الله سبحانه عاقلاً وأجزت أن يسمى حكيماً ؟
قال : فقلت له : لأن طريقي في مأخذ أسماء الله الإذن الشرعي دون القياس اللغوي فأطلقت حكيماً لأن الشرع أطلقه ومنعت عاقلاً لأن الشرع منعه ولو أطلقه الشرع لأطلقته." ا هــــ.

2- اشتقاقه لكثير من الأسماء التي ذكرها من الأفعال و الصفات:
و هذا لا يجوز على إطلاقه، فإن باب الأسماء أضيق من باب الصفات و الأخبار و الأفعال، و لنا أن نشتق من الاسم صفة أو صفات لكن ليس لنا أن نشتق من كل صفة اسما، فمثلا من صفات الله الغضب و من أفعاله أنه يغضب كما دلت عليه آيات من القرآن الحكيم، لكن ليس لنا أن نسميه غاضبا، و من صفاته المكر لكن ليس لنا أن نسميه سبحانه بالماكر، لأن هذه الصفة قد تفيد المدح كما تفيد الذم، و لا تثبت لله إلا على وجه الكمال و المدح التام.
و قد صرح الكاتب في مقدمته بهذا المنهج الذي سلكه و هو اشتقاق الأسماء من الأفعال و الصفات، فقد قال:" فكان العجز مرافقا لإحصاء الأسماء الحسنى الصادرة عنها تلك النعم و ذلك انطلاقا من بديهية تقول:
كل نعمة أحدثت كانت نتيجة فعل.
كل فعل أحدث نعمة لا بد له من فاعل.
الفاعل هو وجود اسم يسمى به الفاعل.
فإذا كانت أفعال النعمة من الله فقد اتصف الله باسم ذلك الفعل.
و عليه لا يستقيم وجود نعمة دون وجود فعل صدر عن فاعل و كل فعل من أفعاله تعالى يدل على اسم من أسمائه الحسنى تصريحا أو تضمينا، علمناه أو جهلناه..."-ص:11-.
و يلاحظ أنه استعمل لفظ "كل" الدال على العموم فكل فعل عنده يدل على اسم من أسماء الله، و هذا فهم خاطئ و قول مردود، و قد انتقد الأئمة هذا القول نقدا و نقضوه نقضا، منهم شيخ الإسلام ابن القيم تعالى، و من ذك قوله في المدارج:" ولهذا أطلق الله على نفسه أفعالا لم يتسم منها بأسماء الفاعل كأراد وشاء وأحدث ولم يسم بالمريد والشائي والمحدث كما لم يسم نفسه بالصانع والفاعل والمتقن وغير ذلك من الأسماء التي أطلق أفعالها على نفسه فباب الأفعال أوسع من باب الأسماء. وقد أخطأ أقبح خطأ من اشتق له من كل فعل اسما وبلغ باسمائه زيادة على الألف فسماه الماكر والمخادع والفاتن والكائد ونحو ذلك"- 3/415-.
و يقول تعالى في الصواعق:" ثم يلزم هذا الغالط أن يجعل من أسمائه الحسنى الداعي و الآتي ..و الذاهب و الرائد و الناسي و القاسم و الساخط و الغضبان و اللاعن إلى أضعاف ذلك من التي أطلق تعالى على نفسه أفعالها من القرآن و هذا لا يقوله مسلم و لا عاقل".
و قال في موضع آخر:" ومن هنا يعلم غلط بعض المتأخرين وزلقه الفاحش في اشتقاقه له سبحانه من كل فعل أخبر به عن نفسه اسما مطلقا وأدخله في أسمائه الحسنى".اهــ
و على مذهب الكاتب يجوز تسمية الله تعالى بالمغرق لأنه سبحانه أثبت لنفسه فعل الإغراق في أكثر من آية، قال تعالى:" فأغرقناهم في اليم.." – الأعراف:136-، و كذا المفتي لقوله تعالى:" قل الله يفتيكم فيهن..." – النساء:127-...و هذا لا شك من التقول على الله بغير علم.

3- عدم نقله في غالب الأحيان للأدلة من القرآن أو السنة على ما يذكره من الأسماء:
و ذلك موافقة لمذهبه حيث اعتمد العقل و ما سماه اجتهادا في هذا الباب العظيم الذي يحرم فيه إعمال الرأي أو القياس و الاجتهاد.
و إذا ذكر دليلا فإنا يذكر ما يدل على الفعل لا الاسم، فمثلا سمى الله " الناهي" و استدل بقوله سبحانه:" قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله.."-الأنعام:56- و بقوله سبحانه:" قل إني نهيت أن أعبد الذين تدعون من دون الله..."-غافر:66-، ثم قال معلقا مستنبطا:" و عليه من الآيتين السابقتين من الذي نهى الرسول محمدا صلى اله عليه و سلم؟
- الله تعالى.
و بأي صفة من صفاته الحسنى قد نهاه؟
بصفة الناهي ." اهـ – أسماء حسنى غير الأسماء الحسنى:46-.
و من الأمثلة كذلك استدلاله على اسم "الواعظ" الذي أثبته لله سبحانه بقوله تعالى:" و اذكروا نعمة الله عليكم و ما أنزل عليكم من الكتاب و الحكمة يعظكم به.." –البقرة:231-، و قوله عز شأنه:".إن الله نعما يعظكم به" –النساء:58-
----------------------------
-1- جامعة الفاتح-كلية الآداب- ليبيا- طرابلس الغرب.
يتبع إن شاء الله تعالى.