حول معنى حديث : " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا "

عَنْ أَبِي الْعَبِاسِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ t قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيَّ e فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ إِذَا أَنَا عَمِلْتُهُ أَحَبَّنِي اللَّهُ وَأَحَبَّنِي النَّاسُ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ ، وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ " .


التخريج

رواه ابن ماجة ( 4102 ) ، والطبراني في الكبير : 6 / 193 ( 5972 ) ، والحاكم ( 7873 ) وصححه ؛ وحسنه النووي في أربعينه ، والألباني في السلسلة الصحيحة ( 944 ) ؛ وفي صحيح الترغيب ( 3213 ) .

هذا الحديث أصل في بيان كيف يكون المرء محبوبًا عند الله U ، وعند الناس ؛ وهذا السؤال من هذا الصحابي يدل على علو همته ؛ لأن محبة الله Y غاية المطالب .
وقدِ اشتمل هذا الحديثُ على وصيتين عظيمتين : إحداهما: الزُّهدُ في الدُّنيا ، وأنَّه مقتضٍ لمحبة الله U لعبده ؛ والثانية : الزُّهد فيما في أيدي الناس ، وأنَّه مقتضٍ لِمحبَّة النَّاس .
فأما قوله e : " ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ " فمعنى الزهد في الشيء : الإعراضُ عنه لاستقلاله ، واحتقاره ، وارتفاع الهمَّةِ عنه ، وعدم الرغبة فيه ؛ وقد كثُر في القُرآن الإشارة إلى مدحه ، وإلى ذمِّ الرغبة في الدُّنيا ، قال تعالى : ] بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيا وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى [ [ الأعلى : 16 ، 17 ] ، وقال تعالى : ] تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنيا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ [ [ الأنفال : 67 ] ، وقال تعالى : ] قُلْ مَتَاعُ الدُّنيا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً [ [ النساء : 77 ] ؛ والآيات في ذلك كثيرة جدًا .
وقد ورد في تعريف الزهد الكثير ، ولعل أجمعها ماقاله أبوسليمان الداراني - رحمه الله : الزهد ترك ما يشغل عن الله ؛ فقد روى عنه أبو نعيم أنه قال : اختلفوا علينا في الزهد بالعراق ، فمنهم مَن قال : الزهد في ترك لقاء الناس ، ومنهم مَن قال : في ترك الشهوات ، ومنهم مَن قال : في ترك الشِّبع ، وكلامهم قريب بعضُه من بعض ؛ قال : وأنا أذهب إلى أنَّ الزهدَ في ترك ما يشغلك عن الله U ( [1] ) .
وقال ابن تيمية - : وَالزُّهْدُ النَّافِعُ الْمَشْرُوعُ الَّذِي يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ هُوَ الزُّهْدُ فِيمَا لَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ ، فَأَمَّا مَا يَنْفَعُ فِي الْآخِرَةِ وَمَا يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى ذَلِكَ ، فَالزُّهْدُ فِيهِ زُهْدٌ فِي نَوْعٍ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَطَاعَتِهِ ؛ وَالزُّهْدُ إنَّمَا يُرَادُ لِأَنَّهُ زُهْدٌ فِيمَا يَضُرُّ ، أَوْ زُهْدٌ فِيمَا لَا يَنْفَعُ ، فَأَمَّا الزُّهْدُ فِي النَّافِعِ فَجَهْلٌ وَضَلَالٌ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ e " احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ وَلَا تَعْجَزْ " ( [2] ).ا.هـ .
وقال سفيان الثوري : الزهد في الدُّنيا قِصَرُ الأمل ، ليس بأكل الغليظ ، ولا بلبس العباء ( [3] ) . قال ابن رجب - : ووجه هذا أنَّ قِصَرَ الأملِ يُوجِبُ محبَّةَ لقاء الله بالخروج من الدُّنيا ، وطول الأمل يقتضي محبَّةَ البقاءِ فيها ، فمن قصُرَ أملُه ، فقد كره البقاء في الدُّنيا ، وهذا نهاية الزُّهد فيها ، والإعراض عنها .
فالزُّهد في الدُّنيا يُرادُ به تفريغُ القلب منَ التعلق بها والاشتغال لها ؛ ليتفرَّغ لِطلب الله ، ومعرفته ، والقرب منه ، والأُنس به ، والشَّوقِ إلى لقائه ، وهذه الأمورُ ليست مِنَ الدُّنيا .

واعلم أنَّ الذمَّ الوارد في الكتاب والسُّنَّة للدُّنيا ليس هو راجعًا إلى زمانها الذي هو اللَّيل والنَّهار ، المتعاقبان إلى يوم القيامة ، فإنَّ الله جعلهما خِلفَةً لمن أراد أنْ يذَّكَّرَ أو أراد شكورًا ؛ وليس الذمُّ راجعًا إلى مكان الدُّنيا الذي هو الأرض التي جعلها الله لبني آدم مِهادًا وسكنًا ، ولا إلى ما أودعه الله فيها من الجبال والبحار والأنهار والمعادن ، ولا إلى ما أنبته فيها من الشَّجر والزرع ، ولا إلى ما بثَّ فيها من الحيوانات وغير ذلك ، فإنَّ ذلك كُلَّه مِنْ نعمة الله على عباده بما لهم فيه من المنافع ، ولهم به من الاعتبار والاستدلال على وحدانيَّة صانعه وقُدرته وعَظَمَتهِ ، وإنَّما الذَّمُّ راجعٌ إلى أفعال بني آدم الواقعة في الدُّنيا ؛ لأنَّ غالبها واقعٌ على غير الوجه الذي تُحمَدُ عاقبتُه ، بل يقعُ على ما تضرُّ عاقبتُه ، أو لا تنفع ، كما قال U : ] اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الأَمْوَالِ وَالأَوْلادِ [ [ الحديد : 20 ] .
فالدُّنيا لا تُذَمُّ مطلقًا ، بل قد تُحمدُ بالنِّسبة إلى من تزوَّد منها الأعمال الصالحة ، وأنَّ فيها مساجدَ الأنبياءِ ، ومهبطَ الوحي ، وهي دار التِّجارة للمؤمنين ،اكتسبوا فيها الرَّحمة ، وربحوا بها الجَنَّة ، فهي نِعمَ الدَّارُ لمن كانت هذه صفَته ؛ وأمَّا ما ذكر من أنَّها تَغُرُّ وتخدَعُ ، فإنَّها تُناديب مواعظها، وتنصحُ بعبرها ، وتُبدي عيوبَها بما تُري أهلها من مصارع الهلكى، وتقلُّبِ الأحوال مِنَ الصِّحَّة إلى السَّقم ، ومِنَ الشَّبيبة إلى الهرم ، ومن الغنى إلى الفقر ، ومن العِزِّ إلى الذُّلِّ ، لكنَّ مُحِبَّها قد أصمَّه وأعماه حبُّها ، فهو لا يسمع نداءها ، كما قيل :

قدْ نادَتِ الدُّنيا على نَفسِها ... لَوْ كانَ في العَالَمِ مَنْ يَسمَعُ


كَـمْ وَاثِـقٍ بالعُمْرِ أَفْنَيتُهُ ... وجَامِعٍ بَدَّدَتُ مـا يَجْمَعُ ( [4] )

وقوله e : " وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبُّكَ النَّاسُ " ذلك لأن الدُّنْيَا مَحْبُوبَة عِنْدهمْ ، فَمَنْ يُزَاحِمهُمْ فِيهَا يَصِير مَبْغُوضًا عِنْدهمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ ، وَمَنْ تَرَكَهُمْ وَمَحْبُوبهمْ يَكُون مَحْبُوبًا فِي قُلُوبهمْ بِقَدْرِ ذَلِكَ ؛ فمن زهد فيما في أيديهم ، وبذل لهم ما عنده ، وتحمل أثقالهم ، ولم يكلفهم حملها من نفسه ، وكف أذاه عنهم وتحمل أذاهم ، وأعانهم ولم يستعن بهم ، فهذه وأمثالها أوصاف العقلاء ، فمن أتى بهذه الأوصاف وتخلق بهذه الأخلاق فقد تودد إليهم ولم ينظر إلى ما عندهم ، فعند ذلك يحبه الناس ؛ وإنما يفعل ما يفعله لله تعالى ، ولوجوب حق العباد عليه ، لا لمجرد طلب الودِّ منهم ، فإذا فعل العبد ذلك لله تعالى أودع الله حبه قلوب خلقه ؛ وقال الحسن - : لا تزالُ كريمًا على الناس ، أو لا يزالُ الناسُ يكرمُونَك ما لم تَعاطَ ما في أيديهم ، فإذا فعلتَ ذلك ، استخفُّوا بكَ ، وكرهوا حديثك ، وأبغضوك ( [5] ) ؛ وقد تكاثرت الأحاديثُ عن النَّبيِّ e بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم ، فمن سألَ النّاس ما بأيديهم ، كرهوه وأبغضوه ؛ لأنَّ المال محبوبٌ لنفوس بني آدم ، فمن طلب منهم ما يحبُّونه ، كرهوه لذلك ؛ وأما من زهد فيما في أيدي الناس ، وعفَّ عنهم ، فإنَّهم يحبُّونه ويُكرمونه لذلك ويسود به عليهم ، كما قال أعرابيٌّ لأهل البصرة : من سيِّدُ أهل هذه القرية ؟ قالوا : الحسن ، قال : بما سادهم ؟ قالوا : احتاجَ الناسُ إلى علمه ، واستغنى هو عن دنياهم ، وما أحسن قول بعض السَّلف في وصف الدُّنيا وأهلها :

وما هِيَ إلاَّ جِيفةٌ مستحيلةٌ ... عليها كلابٌ هَمُّهُنَّ اجتذابُها


فإنْ تَجْتَنبها كنتَ سِلْمًا لأهلها ... وإنْ تجتذبها نازعتك كِلابُها



[1] - أبو نعيم في ( الحلية ) : 9 / 258 .

[2] - جزء من حديث رواه مسلم ( 2664 ) عن أبي هريرة t .

[3] - أبو نعيم في ( الحلية ) : 6 / 386 .

[4] - انظر جامع العلوم حديث رقم ( 31 ) باختصار وتصرف وتقديم وتأخير .

[5] - أبو نعيم في ( الحلية ) : 3 /20 .