بشائر النصر (1/3)
12/10/1434هـ

[align=justify]
في ظل الأحداث التي تمر بها الأمة؛ تبرز لغة اليأس عند بعض أفرادها حيناً، ولغة الحزن حيناً آخر.
ولا ريب أن الحزن العارض لا تنفك عنه النفوس، كيف وقد مرّ بسيد المرسلين، المؤيَّد بالوحي من رب العالمين !
لكن المتأمل في الآيات التي تدور حول هذا المعنى، يجد سرعةً ظاهرةً في دفع هذه الخواطر والمشاعر بأساليب متنوعة، وليس ذكر الآيات في هذا المعنى مراداً لنا في هذه الأسطر، بل المراد هو الاستفادة من المنهج القرآني، والمنهج النبوي في بثّ روح الفأل، ودفع غوائل اليأس، ومشاعر الحزن، التي إذا سيطرت على الإنسان أقعدته، ولم تدفعه للعمل الإيجابي المثمر.
إن الأمة - مع ما تعيشه من آلام - إلا أن في واقعها بشائر كثيرة، مقارنة بما كانت عليه في القرن الماضي.
وهذه المبشرات كنتُ أرصدها منذ أكثر من عقد من الزمان، ولا يزيدها الوقت إلا كثرة، وسأسوق بعضها؛ علّها تنعش النفوس المحطّمة، وتدفع بالنفوس المتفائلة لمزيد من العمل على نصرة الإسلام. فمن هذه المبشرات:
أولاً: السنن الإلهية:
فهي لا تتبدل ولا تتحول، قال سبحانه: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾[فاطر: 43]، ولا ريب أن علم السنن الإلهية علم شريف، عظيم الأثر والنفع لمن أحسن الاستفادة منه، وكتاب الله تعالى وسنة رسوله مليئان بتقرير كثير من السنن، وقد أُلِّفت في هذا الموضوع كتبٌ ودراسات علمية منهجية.
ونحن نملك بحمد الله ـ لموضوعنا هذا ـ رصيداً من المبشرات التي تبعث على الأمل والتفاؤل، وإن كانت هذه السنن لا تحابي أحداً، إذْ إن من خصائصها أنها تجري على المسلم والكافر.
فمن هذه السنن التي تبشر بأن النصر للإسلام:
1ـ إهلاك المترفين البطرين: الذين كفروا نعمة الله، ولم يؤدوا شكرها، قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾[النحل: 112]، وقال تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾[القصص: 58]، وقال ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ﴾[إبراهيم: 28]...الآيات، وما قصة سبأ عنا ببعيد.
وأنت إذا نظرت إلى كثير من أمم الأرض - خاصة منها الغربية - وجدت هذا منطبقاً تماماً عليها، لكن قد تتأخر العقوبة لحكمة لا نعلمها، بل ربما تتأخر العقوبة لتمضي سنة أخرى أيضاً وهي سنة الاستدراج: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِين﴾[آل عمران: 178]، وهي التي يشير إليها حديث أبي موسى في البخاري أن النبي قال: ((إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته)) ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾[هود: 102]([1])".
2ـ ومن هذه السنن: إهلاك الظالمين : يقول تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا﴾[يونس: 13] ،ويقول : ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾[الأنبياء: 11] والآيات في هذا المعنى كثيرة، وهي تبشر المسلم أن أمد الظالمين لن يطول، وما أكثر صور الظلم في عصرنا هذا! فكيف إذا جُمع مع الظلم الكفر بالله!
إن ما تمارسه بعضُ الدول العظمى من ظلم عظيم، وتسلط مقيت على الشعوب المستضعفة - خاصة الإسلامية منها - باسم مكافحة الإرهاب، وباسم تطويق أسلحة الدمار الشامل، فيموت بسبب هذه الدعاوى ملايين الأبرياء جوعاً، وتُقصف عشرات المدن والقرى المدنية ظلماً؛ لا ينطلي على السذج من الناس، فكيف بعقلائهم! أما ربنا فيقول: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾[إبراهيم: 42].
والمؤمن يترقب أن تَحِق على هؤلاء الظلمة وأمثالهم سنةٌ من السنن الإلهية الثابتة وهي:
أن الله لا يصلح عمل المفسدين، وهذه السنة الإلهية جاءت في معرض رد موسى على السحرة بقوله: ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ﴾[يونس: 81].
ولعلنا نقرأ شيئاً من واقع الغرب من خلال ما سطره بعض عقلائهم، الذين صرخوا محذرين من قرب سقوط حضارتهم إذا استمر الأمر كما هو؛ من تفشٍ للفساد، وانتشار للرذيلة، وإليك بعض اعترافاتهم:
ـ يقول قائد السلاح الجوي الأمريكي المتقاعد (هاميلتون هوز): "ظواهر كثيرة لا نستطيع حصرها - فضلاً عن مناقشتها- كلها تدل على أن المجتمع الأمريكي يسير نحو الهاوية".
ويقول أيضاً: "لست الوحيد في الميدان الذي يقول: إن الولايات المتحدة تمر بوضع محرج وخطير في تاريخها، وأجد نفسي مضطراً لأن أردد ما قاله آرثر كروك: "يساورني خوف شديد من أن فترة سيادة الولايات المتحدة وبروزها كقوة عظمى ووحيدة في العالم ستكون من أقصر الفترات في التاريخ"([2]).
ويقول آخر: "أنا لا أعتقد أن الخطر الأكبر الذي يهدد مستقبلنا يتمثل في القنابل النووية، أو الصواريخ الموجهة آلياً، ولا أعتقد أن نهاية حضارتنا ستكون بهذه الطريقة، إن الحضارة الأمريكية ستزول عندما نكون عديمي الاهتمام وغير مبالين، وعندما تموت العزيمة على إبقاء الشرف والأخلاق في قلوب الرجال"([3])ا.هـ.
وللحديث عن البشائر صلة إن شاء الله في الأسبوع القادم.

[line]-[/line]
[1] البخاري ح(4686).
[2] في كتابه "السقوط التراجيدي ...أمريكا عام 2020م" الذي صدر في آخر عام 1992م.
[3] نقلاً عن "تثبيت قلوب المؤمنين" للعفاني (239-240).
وهنا أنبه إلى ثلاثة أمور:
1. أن سقوط الدول أمامه زمنٌ الله أعلم به، لكنه بمقياس أعمار الحضارات والدول غير طويل ـ إن شاء الله ـ فإن عشرين سنة أو حتى خمسين سنة، ليست شيئاً يذكر في حساب تاريخ الحضارات، ولهذا تعتبر الشيوعية من أقصر المذاهب التي عاشت على هذه الأرض، رغم أنها بقيت 70 سبعين سنة.
2. أن الفساد المشار إليه، إذا سرى في بلد أهلها مسلمون؛ فإن سنة الله تمضي عليهم أيضاً، ولذا فإن مجرد الانتساب إلى الإسلام لا يكفي في دفع هذه السنن، فإنها ستمضي على كل من تحققت فيها أسبابها، والله لا يصلح عمل المفسدين، مسلمين كانوا أم كافرين.
3. أن من الإنصاف أن يقال: لا يعني هذا أن كل غربي أو أمريكي فهو موغل في الفساد، ومتلبس بأنواعه المختلفة، كلا..، بل فيهم من يمقت ذلك بعقله، ومن المعلوم أن هذه الصناعات المتنوعة المتقدمة لا يمكن أن تقوم على أيدي أناس كلهُم غارقون في الفساد إلى آذانهم!


* رابط المقال على الموقع: بشائر النصر 1 - 3 - الموقع الرسمي للدكتور/ عمر بن عبد الله المقبل
[/align]