مآلات التيار الإسلامي في مصر
من الأخطاء المنهجية في الأزمات المعاصرة ، الحديث عن أحقية المغلوب وشتم الغالب .
فهذه السِّمة الغالبة عند الناس اليوم ، لن تُعيد الحق للمغلوب ولن تقهر الغالب في التنازل عن حِصته ! .
والمنهج الصحيح مراجعة فقه الأمة في كل عثرةٍ من عثراتها ، وفي كل مرحلة من مراحلها .
وهذا ما وضَّحه الله تعالى بقوله بعد غزوة أحد :" منكم من يريدُ الدنيا ومنكم من يريدُ الآخرة " ( آل عمران :152) .
ومفهوم الآية : أن التهافت على الماديات والغنائم كان سببًا في هزيمتكم وظفر عدوكم .

وقد نصت القواعد الأصولية أن مسالك العلل في الأدلة تُطلب من النص والإجماع والاستنباط ، لا بالتشهي والتمنِّي ، ومثلها الحكم في النوازل والأقضية .
والتعصب وضحالة الفكر اليوم هما سبب عدم التوفيق في قضايا أُمتنا ،فلا مناص من إزالة الغشاوة عن الأعين وتحكيم العقل وملاحظة ملامح الخطأ والصواب ، وقد قال الله تعالى: " أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوبٌ يعقلون بها أو آذانٌ يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور". (الحج :46) .

وهذه السِّمة الغالبة اليوم على بعض الناس ، حالها كحال من يريد زراعة قلب مسلمٍ ميِّت ، في جسد كافر حي، بهدف إيمانه وإيقاظ ضميره ! .
والعلماء من القرن الأول إلى اليوم ماضون في بذل النصيحة للفِرق والجماعات بأسمائها وأعيان مؤسِّسيها ، حتى بين العلماء أنفسهم ، يتناصحون ويتذاكرون لأن الغاية واحدة والثمرة واحدة ، ومن أبى فسبيل من هلك .

أضحى حديث المجالس اليوم هو الحديث عن التيار الإسلامي في مصر ، وبالتحديد جماعة الإخوان المسلمين - هداهم الله للحق وبصَّرهم سبيله - فهو حديث الساعة عند العامة والخاصة . وبان حُزن بعض الناس عن مآلات التيار الإسلامي في مصر بعد إندراس معالمه وغياب آثاره .
لقد خسر التيار الإسلامي في مصر حكومةً قائمة كانت بين أيديهم تحت سمعهم وبصرهم ، ضاعت منهم بين غمضة عين وانتباهتها لأسباب يطول شرحها ، من أهمها عدم أخذ الحكم بقوة وحزم وتنظيف الدولة من المنافقين والحاقدين .

ولن يعود حكم التيار الإسلامي في مصر إلا بأسبابه الشرعية والكونية ،فهو ليس كالجمل الذي يُباع ثم يشترى بزيادة في اليوم التالي ، كما في قول النبي لجابر: " لعمري ما نفعناك لِننُزلك عنه" ! أخرجه الهيثمي بإسناد صحيح.

ومما زاد الطين بِلَّة استنصار التيار الإسلامي في مصر بالعامة ورعاع الناس والإحتماء بهم كدروع بشرية في جموع حشدوها ، فكانوا سببًا مباشراً في إراقة الدماء بلا أدنى ريب ، وغيرهم له وِزر فيما حدث من مفاسد مؤلمة ، ولكل درجات مما عملوا .

تنظير بعض العامة اليوم وهم ثلاثة أرباع الناس في العالم الإسلامي، يقوم على أن الإسلام مرتبط بجماعة الإخوان المسلمين وجوداً وعدمًا ، وكأن هذه الجماعة هي وِسام الشرف في مصر تحديداً ، وزواله بزوالها . وهذه مكابرة ومغالطة ممن لا يدرك أن الإسلام في بلد من البلاد لا يمكن نهوضه إلا بتقوية جذوره وتقوية أوتاده ، وهذا أصل عقدي حطَّمته بعض الجماعات الإسلامية بعلم أو بجهل .

وسنة الله تعالى اقتضت أن ينصر من نصر دينه بصدق وإخلاص ، لا بشعارات ولا بهتافات . فإن كان الإسلام المزعوم دعاوى بلا دعوة صادقة وتوحيد نقي ، فهيهات النصر وهيهات الظفر ! .

والأنبياء لم يوِّرثوا ديناراً ولا درهمًا إنما ورَّثوا العلم ، فمن أخذه أخذ بحظٍ وافر ، وأوفر العلوم علم الإيمان وتأصيله بين الناس بصدق وجدية ، بعيداً عن التشدق والتشبُّع.

وقد ذكر الإمام ابن تيمية ( ت: 728هـ ) تعالى في كتابه نقض المنطق :" من الحكايات الشهيرة التي بلغتنا أن الشيخ أبا عمرو ابن الصلاح أَمر بانتزاع مدرسة معروفة من أبي الحسن الآمدي وهو من أئمة المتكلمين ، وقال أخذها منه أفضل من أخذ عكا . وكانت عكا يومئذ تحت تحت سلطان النصارى الإفرنج " .

وكان العلامة محمد حامد الفقي ( ت: 1378 هـ) تعالى، يصف الإخوان المسلمين بِخوان الفِرق( من الخيانة ) لعنادهم في الأخطاء الظاهرة والباطنة في العقيدة والشريعة.

والإنتصار على العلمانية والليبرالية والأقباط لا يتحتم بالصراخ والحشد وشِراء ذِمم الصحفيين والقنوات الفضائية بالطعام والمال ، إنما يتحتم بالتخطيط والبناء والتنظيم وتوحيد الصفوف مع تصحيح المعتقد وتطهير الجماجم من البدع والخلافات الحزبية والسياسية والعرفية ، وهذا وربِّ الكعبة لم يحصل إلى الساعة في مصر منذ ستين عامًا إلا في نطاق ضيق يستحي القلم من تعداده وتوضيحه لضحالته وتواضعه .

قد يقول قائل : إذا تم اسقاط التيار الإسلامي في مصر، فالغلبة لمن ؟
والجواب أن الغلبة لمن أخذ بأسباب القوة والظفر ، ومعطيات الواقع هي من تُحدِّد الغلبة
فالعمل بالأسباب من شرع الله ونسيانها من قلة العقل وقلة التوفيق .

وها هو الإسلام في روسيا الشيوعية يكمل اليوم أربعة قرون بفضل الله ثم بفضل العمل للدِّين بأسبابه المادية والمعنوية . فليس الوصول والظفر بالمغالبة وقهر الناس وإيغار الصدور وتوسيع جراحات الأمة وتعميق أحزانها .

من المغالطات في المشهد المصري قول بعض الناس : إن لم تكن مع الإخوان فأنت في صف العلمانيين والأقباط ، وهذه مكابرة لأنه لا عصمة للإخوان ولا لمن غلبهم وأطاح بهم ، فهذه بلقيس لما شعرت بضياع حُكمها وانحسار مُلكها قالت : " يا أيها الملأ أفتوني في أمري ما كنتُ قاطعة أمراً حتى تشهدون " ( النمل : 32 ) ولهذا قال المفسرون : من ذكاء بلقيس أنها ورثت عرش أبيها بحسن السياسة والفطنة ومداراة الخصوم ، وهذا ما يفتقده التيار الإسلامي في مصر ، ولا ريب في ذلك .

نحن نبغض في قلوبنا العلمانيين والليبراليين في مصر ، لكن هم الأجدر الآن للحكم لقوتهم
وسياستهم وحنكتهم وتدبيرهم لأمورهم ، ونعتب على التيار الإسلامي في مصر لضياعه وضعفه منذ ستين عاما ، فإن كان عاجزاً عن تدبير أموره الخاصة ، فعجزه عن تدبير تسعين مليون نسمه أظهر وأعظم . ومعلوم عند الأصوليين أن المصالح الملغاة هي المصالح التي قامت الأدلة الشرعية على عدم اعتبارها فلا يجوز التعليل بها .


والولاية لا تُعطى لطالبيها ، إنما تُعطى للأقوياء الُأمناء كما قال الله تعالى : " إن خير من استئجرتَ القويُّ الأمين "( القصص: 26) . فإن أبى الإسلاميون هذه الحقيقة فقد استعجلوا هلاكهم وحصادهم ، وإلى الله المشتكى .

منذ ثلاثين عاماً وأتباع التيار الإسلامي في مصر مُشتتون في البلاد وخلف القضبان ، ليس لأنهم مظلومون فحسب ، بل لأنهم لم يحققوا أسباب النصر والتمكين ،ووقعوا في زلاتٍ وتُهم يجب الآن التناصح على تصحيحها . فلن يُمكِّن الله لأحد لم ينصر دينه ولم يخلص له . وعلى كل حال هم مأجورون على اجتهادهم وكفاحهم لخدمة دين الله . لكن الحق أحق أن يُتَّبع . وقد قال الله تعالى : " فمن جآءه موعظةٌ من ربِّه فانتهى فله ما سلف وأمرُه إلى الله " (البقرة: 257 ) .

والعلماء قرَّروا أن الجرح المُفسَّر مُقدَّم على التعديل ، وهذه بعض جِراحات الإخوان المسلمين، نأمل منهم التأمل فيها لعل الحق يعود لأصحابه بعد التوبة والإنابة .

فقد ذكر سعيد حوى في كتابه ( جولات في الفقهين الكبير والأكبر / ص3 ) أن جماعة الاخوان المسلمين أشاعرة ماتريدية في المعتقد . وذكرصلاح الصاوي في كتابه ( مدخل الى ترشيد العمل الاسلامي ص/ 72 ) وهو يتحدث عن الانتماء للأحزاب: "ومن تخلف عن الانضمام لمثل هذه الجماعة فانه يأثم كإثمه عن ترك أي فرض أو تكليف شرعي".

وذكر محمد الغزالي في كتابه ( من معالم الحق / ص 206) أن المرجعية عندهم عند التنازع هي للمرشد العام . وذكر المؤسِّس حسن البنا في كتابه ( ذكريات ومذكرات / ص249 ) أن التقارب مع الروافض ضرورة لا بد منها لتحقيق المصالح ، وذكر المؤسِّس حسن البنا في كتابه (في قافلة الاخوان ص/ 208) أنه ليس للمسلمين اليوم إمام يرجعون إليه ويبايعونه .

وذكر أيضًا في : ( مذكرات الدعوة والداعية / ص232) : "فدعوتكم – الاخوان المسلمون – أحق ان يأتيها الناس ولا تأتي أحداً، اذ هي جماع كل خير، وغيرها لا يسلم من النقص" .

وذكر أيضا في كتابه ( الطريق الى جماعة المسلمين ص/ 361) : "وكلمة لابد أن نقولها في هذا الموقف ، هي أن الإخوان المسلمين لم يروا في حكومة من الحكومات من ينهض بهذا العبء، وكلمة ثانية أنه ليس أعم في الخطأ ظن بعض الناس ، أن الإخوان المسلمين كانوا في أي عهد من عهود دعوتهم مطية لحكومة من الحكومات ، أو منفذين لغاية غير غايتهم، أو عاملين على منهاج غير منهاجهم " .
وذكر عبدالله ناصح علوان في كتابه ( عقبات في طريق الدعاة / 2/ 368 ) وهو يصف طريقتهم في التعايش : " نتغلغل حتى تأتي مرحلة التنفيذ ولحظة الحسم" .

وقد ذكر محمد عاكف المرشد العام لهم سابقا ،كما في (جريدة الأخبار 27 أغسطس 2005م ): أن التوسع في نشر الفتن وإثارة المواطنين ضد الحكام من أهداف الجماعة ، وذكر القرضاوي في كتابه (وجود الله –ص/ 36) وهو من مُنظِّريهم الكبار – أن المعركة اليوم ليست مع الأشاعرة ولا الماتريدية ولا المعتزلة ولا الجهمية إنما مع الملاحدة ( يقصد غض الطرف عن أخطاء جماعتهم وأنها أخطاء فرعية ) .

وذكر عباس السيسي في كتابه ( قافلة الاخوان/ ص 44 ) أن مشايخ الأزهر سنة 1945م أعلنوا أن جماعة الإخوان المسلمين تستخدم الدِّين لكسب ثقة الناس فيهم ، وأنها انحرفت عن منهج الكتاب والسنة .

وذكر المحدِّث الألباني تعالى في كتابه ( صفة صلاة النبي / ص66 ) عن محمد الغزالي – من كبار مُنظِّري الاخوان – في كتابه الأخير :( السنة النبوية بين أهل الفقه والحديث ): "فقد تبين منه للناس أنه معتزلي المنهج ، وأنه أصبح لا قيمة عنده لجهود الأئمة الفقهاء فيما وضعوه من الُأصول وفرَّعوا عليها من الفروع ، فإنه يأخذ ما يشاء ويدع ما يشاء ! ، دون ارتباط بأصلٍ من أُصولهم أو قاعدة من قواعدهم " .

وذكر الإمام ابن باز تعالى في (تسجيل صوتي في الطائف سنة 1419ه ) ونُشر في (مجلة المجلة 25/ 2/ 1416ه ) أن جماعة الإخوان المسلمين جماعة ضالة ، وأنها من الفِرق الثلاث والسبعين التي افترقت عن جماعة المسلمين .

وذكر مصطفى غلوش تعالى ،وهو أستاذ في جامعة الأزهر في مقال له في ( جريدة الأخبار 3/ 12/ 2005م ) " أن الإخوان لهم تنظيم يشبه التنظيم الشيعي ، ولهم أهداف براجماتيه ونفعية بحته ، والإسلام لا يعرف ما يسمى بالتنظيم ، ولو كانت هذه الجماعة تنظيما إسلامياً، لأخذ به الأزهر من ألف عام " .

وذكر العلامة أحمد شاكر تعالى في كتابه ( شؤون التعليم والقضاء / ص48 ) : "حركة الشيخ حسن البنا وإخوانه المسلمين الذين قلبوا الدعوة الإسلامية إلى دعوة إجرامية هدَّامة ، ينفق عليها الشيوعيون واليهود كما نعلم ذلك علم اليقين" .

وذكر مجدي عرفات وفقه الله في كتابه (شرف أصحاب الحديث / ص 9 ) :" أن جماعة الإخوان المسلمين أفسدوا العقيدة بتمييِّعها ، وأفسدوا الدعوة بخروجهم على الحكام ، وأفسدوا التربية والتعليم بتخريج أبنائها على التمرد على الثوابت " .

ولا يخفى أن الحرام قسمان : حرامٌ لذاته وحرام لغيره ، فإذا كانت الحرمة مُتعدِّية إلى الغير كانت العقوبة أشد وأعظم ، لأن بسببها يهلك خلق وفئام من الناس .


من المحزن أن التيار الإسلامي بمصر بجميع أطيافه يعيش صراعا داخلياً وانقساماً بين أهله ، فلا رابطة واحدة تجمعهم ولا مجلس شامل يُقرِّبهم ، بل هم كالضرائر المتصارعة .

والمأمول من علماء العالم الإسلامي تفقد قادة التيار الإسلامي في مصر ، ونصحهم بالحكمة والكلمة الطيبة ، لعل الله يحدث بعد ذلك أمرا .
قد يقول قائل : ماذا لو أصرَّت جماعة الإخوان المسلمين على مواقفها وأخطائها ؟
والجواب : أن البلاء سيزيد بأفرادها ، والخسائر البشرية والمعنوية ستتضاعف في المشهد المصري ، وسيفرح الأعداء بالتفرق والشذوذ والتكتلات الحزبية التي لم نجني منها إلا الخراب والحسرة .

في خاتمة هذا المقال أُحب أن أُنوِّه أنَّ راقمه ليس حزبياً ولا حركياً ، فلا أعرف الجامية ولا القطبية ولا السرورية ، ولا غيرها إلا من أسمائها وألقابها ، ولا يُشرِّفني الإنتماء إلا للطائفة الناجية أهل الحديث ، التي أزعم أنني من أهلها ولا أزكِّي نفسي ، لكن هذا ما أعتقده في أموري ، وأرجو الله أن يقبضني عليه ومن يقرأ هذه الكلمات .

وأخيراً فإن المشروع الإسلامي لن يموت بغياب التيار الإسلامي في مصر ، فدينُ الله باقٍ وشريعته قائمة منذ آدم وإلى قيام الساعة ، وجند الله هم المنصورون .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول)