*صَحِّحْ القاموس*

كان ولا يزال من أجاويد قرائنا، لطالما أحببتُ أن أصلي خلفه، تبدو عليه دوما مخايل الصلاح والإخبات، لكنه فاجئني وموعظتي تلفظ أنفاسها الأخيرة بسؤال أدهشني.

اسمح لي أن أؤجل الحديث عن السؤال الآن، وأن أنتقل بالمشهد عبر حدود الزمان والمكان، فقد كنت قد بدأت سلسلة دروس في المسجد أسميتها "رحلة إلى الإمام البخاري" وكانت عبارة عن قراءة تدبرية عملية لمختصر صحيح البخاري، رجوت من خلالها أن أفسح المجال لسنة رسول الله لتفيض على حياة رواد مسجدنا من أنوارها وبركاتها ما يهديهم في دياجير الظلمات، ويبعث الهمم من رقدة الأموات.

فقلت لهم: ما رأيكم في أن نرتحل سويا إلى الإمام البخاري نسأله كل يوم عن سنة رسول الله ؟ فتحمسوا معي، وكنا نتعرف يوميا على سنة من سنن الحبيب ، ونفهم معناها ونتفكر فيها ونسقطها على واقعنا، وفي الأخير نتباحث كيفية جعل تلك السنة واقعا عمليا في حياتنا، فنسأل كل واحد من الحاضرين:

مالذي تنوي فعله الآن بعد معرفة وفهم تلك السنة؟

وفي يوم من الأيام، قرأنا في صحيح البخاري، هذا الحديث:
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ... قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - - يُعَالِجُ مِنَ التَّنْزِيلِ شِدَّةً ، وَكَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ شَفَتَيْهِ ... فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ* إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) قَالَ: جَمْعُهُ لَهُ فِى صَدْرِكَ ، وَتَقْرَأَهُ (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) قَالَ: فَاسْتَمِعْ لَهُ وَأَنْصِتْ (ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا أَنْ تَقْرَأَهُ . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - - بَعْدَ ذَلِكَ إِذَا أَتَاهُ جِبْرِيلُ اسْتَمَعَ ، فَإِذَا انْطَلَقَ جِبْرِيلُ قَرَأَهُ النَّبِىُّ - - كَمَا قَرَأَهُ.

فكان مما قلته تعليقا على الحديث: "تأملوا كيف علم الله النبي أن علاقته بذلك الكتاب لا تقف عند حدود حفظ ألفاظه، وكيفية آدائه، لكنها تتعدى ذلك إلى الإنصات والاستماع؛ لتحصل الهداية ويكتمل الاتباع"

وطفقت أتحدث عن أهمية فهم القرآن، وضرورة تدبره، وأن المقصود الأول من إنزاله العمل به، فالله قد تكفل لنا بحفظ القرآن ويسره للحفظ والفهم؛ لكنه لم يتكفل لنا بأن يجعلنا نعمل بالقرآن، فالمنشود حفظ المباني وحفظ المعاني وحفظ العمل، لكن لو تعارض الحفظ والتدبر أو العمل قدمنا التدبر والعمل، فالحفظ مستحب وهو على أقصى التقديرات فرض كفاية، لكن التدبر والعمل فرض عين.

قال الملا علي القاري في مرقاة المفاتيح: "لا شك أن معرفة معنى القرآن أفضل من معرفة لفظه"

ائذن لي أن أعود إلى قارئنا، فقد رأيت في عينيه اندهاشا ممزوجا بما يشبه العجز بعد سماعه لتعليقنا السابق على الحديث، فلم يتمالك نفسه وأفصح عما تحدثت به عينه فقال:

لكن كيف نفهم القرآن، إن الأمر صعب؟

فقلت: لا ياسيدي، إن الأمر سهل، لقد قال الله: وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [القمر: 17].

قال السعدي في تفسيره معلقا: "أي: ولقد يسرنا وسهلنا هذا القرآن الكريم، ألفاظه للحفظ والأداء، ومعانيه للفهم والعلم"

قل لي بربك: مالذي تفهمه من قول الله: أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (21) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى [النجم: 21، 22]؟
أما فهمت قبح فعل المشركين وأن قسمتهم ظالمة؟
هل أثر عدم معرفتك بكلمة ضيزى على فهمك للآيات؟ فذلك حال أغلب القرآن كما أخبر ابن عباس.

ليست المشكلة في عدم معرفتنا بمعاني المفردات أو تفاسير الآيات، إن المشكلة في أننا لا نقرأ أو نسمع بنفسية الفهم والتدبر، وإلا فإن نفس الأشخاص الذين لا يحاولون فهم القرآن، تجد الواحد منهم يقرأ مقالا بلغة عربية رصينة فيفهمه بل ويشرحه لغيره، ويسمع أو يشاهد تحليلا اقتصاديا أو سياسيا معقدا فيفهمه فهما جيدا ويشرحه لغيره.

قال شيخ الإسلام في مجموع الفتاوى: "وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ كَلَامٍ فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ فَهْمُ مَعَانِيهِ دُونَ مُجَرَّدِ أَلْفَاظِهِ فَالْقُرْآنُ أَوْلَى بِذَلِكَ"

باختصار: المشكلة أننا لم نقبل على القرآن قراءة أو سماعا بنفسية من يريد الفهم ليتدبر ويعمل، بل بنفسية من يقرأ للقراءة والاستمتاع، ويسمع للتلذذ والسماع.
وسبب ذلك في رأيي هو أن العلاقة بالقرآن في قاموس مصطلحاتنا تساوي قراءته أو سماعه وربما ترقت عند البعض إلى حفظه أو ضبطه.

لذا فإننا في حاجة ماسة إلى أن نصحح قاموس مفرداتنا الشرعية لتكون على مراد الله وعلى طريقة رسول الله بفهم سلف الأمة، لتعود المعاني الصحيحة إلى قواميسنا المختلة:

*التي أصبحت الصلاة فيها حركة الجوارح والظاهر، لا حركة الظاهر تبعا لحركة القلب وتفاعلا مع ذكر الرب.
قال الله: وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي [طه: 14]
واعتبر رسول الله أن الذي لم يخشع في صلاته ولم يطمئن فيها، لم يصلِ، رغم أنه قد أتى بحركات الظاهر كلها، فقال للرجل: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»

*وأصبح الصوم فيها تجويع وتعطيش وحرمان، لا معراجا للروح وتهذيبا للنفس ووسيلة لتقوى الرحمن.
قال الله: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة: 183]
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه – قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - -: «مَنْ لَمْ يَدَعْ قَوْلَ الزُّورِ وَالْعَمَلَ بِهِ فَلَيْسَ لِلَّهِ حَاجَةٌ فِى أَنْ يَدَعَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ»
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "رُبَّ صَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ صِيَامِهِ الْجُوعُ وَالْعَطَشُ، وَرُبَّ قَائِمٍ حَظُّهُ مِنْ قِيَامِهِ السَّهَرُ"

*وأصبح الذكر والدعاء فيها تعاويذ وتمتمات، لا برهانا على حب المذكور وتحريرا للقلب المأسور.
قال رسول الله : "واعلموا أن الله لا يستجيب دُعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ"

هيا أيها الحبيب، عاهد الرحمن من الآن على تصحيح القاموس، ولتكن البداية من القرآن.
فَوَطِّن نفسك أنك حين تقرأ أو تسمع بلا فهم أو تدبر فكأنك لم تقرأ، وحين تفهم أو تتدبر بلا اتباع فكأنك لم تفهم أو تتدبر.

تأمل معي، كيف كانت العاقبة لما أصاب القاموسَ الخلل عند الخوارج:
فالرسول -- يذم الخوارج بأنهم يقرأون القرآن للقراءة فقط فلايجاوز تراقيهم، فيقول: "قَوْمٌ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ بِأَلْسِنَتِهِمْ لاَ يَعْدُو تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ"
- قال ابن حجر في الفتح: "قال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم لا يصل إلى حلوقهم ، فضلا عن قلوبهم ، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب"
- وقال الزركشي في البرهان: "ذمهم بإحكام ألفاظه وترك التفهم لمعانيه"

وتأمل معي كيف كان معنى "العلاقة بالقرآن" في قاموس سلف الأمة:

*ففي قاموسهم تعلم القرآن يساوي القيام بحقوقه كاملة، وحفظ القرآن يساوي حفظ المباني والمعاني والعمل.
جاء في تفسير الطبري عن ابن مسعود أنه قال : "كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن"

*وفي قاموسهم من يقرأ ولم يتفهم ويتدبر فكأنه لم يقرأ:
ذُكِرَ لعائشة أَنَّ نَاسًا يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ فِي اللَّيْلَةِ مَرَّةً، أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَتْ: "أُولَئِكَ قَرَءُوا، وَلَمْ يَقْرَءُوا"
وقال علي : "لَا خَيْرَ فِي عِبَادَةٍ لَا عِلْمَ فِيهَا، وَلَا عِلْمَ لَا فِقْهَ فِيهِ، وَلَا قِرَاءَةَ لَا تَدَبُّرَ فِيهَا"

لما كانت قواميسهم صحيحة وطنوا النفس على الصواب، فاهتدوا وهدوا، ورشدوا وأرشدوا.

لو أيقنت أنك لو قرأت بلا تدبر كأن لم تقرأ، ألن تتدبر؟
لو أيقنت أنك لو حفظت المباني فقط كأن لم تحفظ، ألن تفهم المعاني وتعمل؟
لو صححت قاموس هجر القرآن، فأيقنت أن دائرة هجره تتسع لتشمل كل حقوقه؛ من تلاوة واستماع وضبط وحفظ وفهم وتدبر واتباع وتداوٍ وتحكيم ودعوة وتعليم، ألن تجتهد حينها في أن توفي القرآن حقوقه؟

لكن المشكلة أن الشيطان يصور لنا ألا بأس في قراءة بلا تدبر ولا ضير في حفظ بلا اتباع؛ فإذا تمكن عدو الله من تقرير هذه النقطة في النفس؛ ترقى في تزيينه ووسوسته إلى ماهو أبشع، فيزين للإنسان أن مجرد القراءة أهم وأكبر ثوابا من التدبر، وأن مجرد الحفظ أهم وأعظم أجرا من الاتباع.

وفي الختام أقول: إن القرآن كريم، لا يتصل به أحد أي لون من الاتصال إلا عاد بفضل عظيم وخير عميم، لكن الفضل الأعظم والخير الأعم لمن ارتقت صلته بالقرآن فاعتبر أنه إن لم يقم بحقوقه على مراد الله فكأنما هجره.
يحكي الغزالي في الإحياء عن بعض السلف قوله: "آية لا أتفهمها ولا يكون قلبي فيها لا أعدّ لها ثوابًا"
فقد ألزم نفسه بالتدبر والتفهم ووطن نفسه على أن قراءته لا ينبغي أن تنزل عن هذه الرتبة.

(عذرا .. لم يتسع الوقت لتنسيق النصوص، فأرفقت ملفا يحوي المقالة نصوصه موثقة في الهوامش)