المعنى الأصلي للمس :
حَقِيقَةَ الْمَسِّ تلاقي جسمين أو جرمين بغير حائل بينهما [1] فَهُوَ دَالٌّ عَلَى مُطْلَقِ الْإِصَابَةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِشِدَّةٍ أَوْ ضَعْفٍ،وهو أعم من اللمس فى الاستعمال[2]
وَإِنَّمَا يَرْجِعُ فِي الشِّدَّةِ أَوِ الضَّعْفِ إِلَى الْقَرِينَةِ، " وإذا احتملت اللفظة احتمالات صرف منها إلى ما تدل عليه القرائن
قال الإمام الرازي : ومعنى المس في اللغة التقاء الشيئين من غير فصل.
قال التحقيق :
الأصل الواحد في المادة هو إصابة في لمس سواء كان يإرادة وإحساس أم لا وسواء كان باليد أو بغير ذلك فالمس لا يدل بأزيد من هذا فإذا أطلقت المادة يراد منها مطلق مفهوم إصابة شيء في لمس انتهى
ومن أفراده
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــ
· ثم تستعمل استعمالين :
· الاستعمال الأول : أدنى مراتب الإصابة وأقل اتصال شيء بالجسم وأوّل الوصول و مقدمة الاصابة والْإِصَابَةُ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهَا أي المس المشعر بالتقليل والمنبىء عن قلة الإصابة
· فقالوا في قوله تعالى : إِن تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُواْ بِهَا إنّ مس ينبىء ويدل على أنّ أدنى إصابة خير تسوءهم وأما الشر والسيئة فإنما تسرّهم الإصابة منه والوصول التام بحيث يعتد به
· وقالوا في ولا تمسوها بسوء : فضلاً عما بعد المس فالنهي عن المس الذي هو بالسوء مبالغة فَأنِيطَ النَّهْيُ بِالْمَسِّ بِالسُّوءِ لِأَنَّ الْمَسَّ يَصْدُقُ عَلَى أَقَلِّ اتِّصَالِ شَيْءٍ بِالْجِسْمِ، فَكُلُّ مَا يَنَالُهَا مِمَّا يُرَادُ مِنْهُ السُّوءُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ،
الاستعمال الثاني :المس الذي فيه إيلام وإنالة بأذى متمكن
ذوقوا مس سقر وليمسنكم منا عذاب أليم ثم يمسنهم منا عذاب أليم مسنا وأهلنا الضر ونحوها
قال الآلوسي في ذوقوا مس سقر : والمراد بمس سقر ألمها علىأنه مجاز مرسل عنه بعلاقة السببية فإن مسها سبب للتألم بها وتعلق الذوق بمثل ذلك شائع في الاستعمال
وفي الكشاف : مس سقر كقولك وجد مس الحمى وذاق طعم الضرب لأن النار إذا أصابتهم بحرها ولحقتهم بإيلامها فكأنها تمسهم مسا بذلك كما يمس الحيوان ويباشر بما يؤذي وهو مشعر بأن في الكلام استعارة مكنية
قال الراغب : المس يقال فى كل ما ينال الانسان من اذى انتهى
فَاسْتُعْمِلَ فِي الْإِصَابَةِ بِجَامِعِ الِاتِّصَالِ، يقال : مسه السوء والكبر والعذاب والتعب ، أى : أصابه ذلك ونزل به
قال الشهاب : لأن المس اتصال الشيء بالبشرة بحيث تتأثر به الحاسة لأن القؤة اللامسة تتأثر بأدنى إصابة
السر البلاغي في هذا الاستعمال الثاني :
· لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ مقوّ لما قصد من المبالغة في تعظيم العذاب وتفظيع شأنه كأنه يقول : إنّ فظاعته بلغت إلى درجة لم يبق فرق بين مسه واصابته فيفعل أدنى درجاته فعل أوّلها انتهى قاله بعض محشيي البيضاوي
· قال المطعني : - (ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ) - فى هذا التعبير أن إذاقة مس سقر كاف في الإيلام فما بالك بدخولها؟
قال الشهاب :
· لأن عاقبة أمره منكشفة له فاقتصر منها على الأقل لأنه المتيقن فيه فإنه إذا وقع عذاب فإما أن يعذب عذابا قليلا أو كثيرا وعلى الثاني فهو متضمن له تضمن جمل الأعداد للآحاد
· ولأن المس مما يقصد به المبالغة في الإصابة كما في قوله : وقد مسني الكبر
· كون المس بل الإصابة مشعرة بالقلة مما لا شبهة فيه لكنها لكونها مقدمة لما بعدها متقدمة عليه تقدم الذوق على الأكل وتقدم مس النار على إحراقها واذابتها ا لما تحرقه تكون غير مقصودة بالذات والمقصود ما بعدها فدل على وقوع أمر عظيم بعدها ودلالتها على الكثرة والعظمة باعتبار ما يلزمها ويتبعها لا بالنظر إليها في نفسها فيصح وصفها بكل منهما بل بهما باعتبارين كما أشاروا إليه
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
إني مسني الضر :
توجيه قوله تعالى عن أيوب إني مسني الضر أحدهما بل إبقاؤها على ظاهرها أولى لما فيه من التجلد وعدم التضجر
: صاحب الانتصاف حيث قال: يمكن أن يقال المس أقل تمكناً من الإصابة وهو أقل درجاتها وهو أقل درجاتها، أي: إن تصبكم حسنة أدنى إصابة تسؤهم ويحسدوكم، وإن تتمكن منكم المصيبة وتنتهي إلى الحد الذي يرثي عنده الشامت فهم لا يرثون ولا عن حسدهم يرجعون بل يفرحون ويسرون. المس دون النفوذ ويكفي في تحققه إيصال ما
الفرق بين المس والإصابة :
قال الشهاب :
· وأما الفرق بين المس والإصابة فهو أنّ المس اتصال أحد شيئين بآخر على وجه الإحساس
· والإصابة كما قال الراغب : أصلها من إصابة السهم ثم اختصت بالنائبة كما قال تعالى : وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وأصاب جاء في الخير والشر قال تعالى : إِن تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِن تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ [ سورة التربة ، الآية : 50 ]
· وقال بعضهم الإصابة في الخير اعتباراً بالصوب أي المطر
· وفي الشر اعتباراً بإصابة السهم وكلاهما يرجعان إلى أصل اص.
· ومنه يعلم أنّ الإصابة أبلغ من المس لأنه وان اعتبر فيه التأثير لكن تأثير هذا لما كان كالمطر أو السهم كان أقوى وأشذ
· وأما ذكر أيوب عليه الصلاة والسلام المس في مقام الإصابة فلشدة صبره حتى استهان بما أصابه رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ ،
·ثم إن الإصابة إذا كانت فعل المصيبة فذكرها مع السيئة أقوى وأنسب وان كانت بمعنى النزول به مطلقا فتستعمل لكل منهما فلكل مقام مقال فافهم






[1] وبعضهم عرفه : ملاقاة ظاهر الشيء ظاهر غيره لكن الأصح أنه لا يشترط أن يكون بظاهر أو باطن

[2] لأن اللمس هو المس يظاهر البدن ففيه قيدان المس وظاهر البدن