لفظة فوق :
قال التحقيق : الأصل الواحد في المادة هو العلو النسبي أي بالنسبة إلى ما تحتها لا مطلقا في مادي أو معنوي
قال التحرير : وَأَصْلُ فَوْقَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ الْمُعْتَلِي عَلَى غَيْرِهِ فَهُوَ اسْمٌ مُبْهَمٌ فَلِذَلِكَ كَانَ مُلَازِمًا لِلْإِضَافَةِ لِأَنَّهُ تَتَمَيَّزُ جِهَتُهُ بِالِاسْمِ الَّذِي يُضَافُ هُوَ إِلَيْهِ فَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْجِهَاتِ الْمُلَازِمَةِ لِلْإِضَافَةِ لَفْظًا أَوْ تَقْدِيرًا وَيُسْتَعْمَلُ مَجَازًا فِي الْمُتَجَاوِزِ غَيْرَهُ فِي صِفَةٍ تَجَاوُزًا ظَاهِرًا تَشْبِيهًا بِظُهُورِ الشَّيْءِ الْمُعْتَلِي عَلَى غَيْرِهِ عَلَى مَا هُوَ مُعْتَلٍ عَلَيْهِ، فَفَوْقَ فِي مِثْلِهِ يُسْتَعْمَلُ فِي مَعْنَى التَّغَلُّبِ وَالزِّيَادَةِ فِي صِفَةٍ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنَ الْمَحَامِدِ أَوْ مِنَ الْمَذَامِّ يُقَالُ: فُلَانٌ خَسِيسٌ وَفَوْقَ الْخَسِيسِ وَفُلَانٌ شُجَاعٌ وَفَوْقَ الشُّجَاعِ، وَتَقُولُ:
أُعْطِيَ فُلَانٌ فَوْقَ حَقِّهِ أَيْ زَائِدًا عَلَى حَقِّهِ. وَهُوَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ صَالِحٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ أَيْ مَا هُوَ أَشَدُّ مِنَ الْبَعُوضَةِ فِي الْحَقَارَةِ وَمَا هُوَ أَكْبَرُ حَجْمًا.
القول الأول : فما فوقها في الصغر :
الكسائي وأبو عبيدة والجاحظ و القاموس وزاد المسير و السمعاني والرازي وقال وعليه أكثر المحققين والخازنو الصابوني و سيد طنطاوي و الشوكاني و الأمثل ووهميان الزادو زكريا الأباضي و المنار و المراغي و الشعراوي و أبو البقاء الكفوي و النورسي قدمه في الذكرالزمخشري وأبو السعودوالقرطبي و اطفيش والجيلاني
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
فما فوقها : فوقها في الصغروالحقارة والسفالة والنذالة وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلا ، وهو القلة والحقارةلأنه سبحانه ضرب المثل بالأقل؛ فالمرادفما فوقها في الاحتقار والقلة في الحجم مما تنكرونه ، وهو الضآلةقال الراغب في تفسيره : وقوله: " فَمَاَ فَوْقها "، قيل معناه: ما دونها، وإنما عنى ما فوقها في الصغر، ففسره بدون، فظن بعض أهل اللغة أن فوق يكون بمعنى " دون " فأخرجه في جملة ما صنف من الأضداد
· والزيادةُ في المعنى الذي أريد بالتمثيل الصِّغَر والحقارة فأيَّ شيء فوقها في الصغر والحقارة و الفاء عاطفة ترتيبية فهو تنزل من الحقير للأحقر
· كل شيء كان ثبوت صفة فيه أقوى من ثبوتها في شيء آخر كان ذلك الأقوى فوق الأضعف في تلك الصفة يقال إن فلاناً فوق فلان في اللؤم والدناءة . أي هو أكثر لؤماً ودناءة منه ، وكذا إذا قيل هذا فوق ذلك في الصغر وجب أن يكون أكثر صغراً منه
1. قال الكسائي ، وهذا كقولك في الكلام أتراه قصيراً ، فيقول القائل ، أو فوق ذلك أي : أقصر مما ترى ."
· وكما إذا وصف رجل باللؤم والشح، فيقول السامع : نعم، وهو فوق ذلك، يعني فيما وصفت.
· وكما تقول هو حقير فتقول وفوق الحقير يعني هذا دون هذا
· كما يقال : فلان جاهل ، فيقال : وفوق ذلك . يعني : أجهل من ذلك
· ونحو قولك - لمن يقول : فلان أسفل الناس وأنذلهم – فتقول هو فوق ذاك ، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة
· يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار ، وفي اكتساب ما فوقه ، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار
2. ويدل على أنه أريد به هذا المعنى أنهم كانوا قديما يضربون المثل في الصّغر بمخّ النملة والبعوضة ، فقد قالوا : أعز من مخ البعوضة وقد ضربت العرب المثل بالمحقرات ، فقيل : هو أحقر من ذرة وأجمع من نملة وأطيش من ذبابة
3. وقد ضرب النبي مثلاً للدنيا بجناح بعوضة وهو أصغر منها ،
«ما أصاب المؤمن من مكروه فهو كفارة لخطاياه حتى نخبة النملة » وهي عضتها
4. قالوا وهذا القول أشبه بالآية لأن الغرض بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الصغير الحقير فيجب أن يكون المذكور ثانياً أحقر من الأول .
قال الإمام الرازي : والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه :
أحدها : أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان ، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولاً
وثانيها : أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير ، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول
يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار ، وفي اكتساب ما فوقه ، يعني في القلة لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار .
وثالثها : أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب ، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى ، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير
وفيه ترقية معنوية وهى الترقى من الأدنى إلى الأعلى فى الحقارة بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشئ الحقير الصغير سَوَاءٌ كَانَ بَعُوضَةً أَوْ أَصْغَرَ مِنْهَا حَجْمًا ، وَأَقَلَّ عِنْدَ النَّاسِ شَأْنًا
قال الشهاب : والأوّل أوفق بسبب نزول الآية والثاني أقضى لحق البلاغة وفيه نظر، والذي ارتضاه المدقق في الكشف إن ما قدمه الزمخشريّ وجعله المصنف ثانيا أولى واليه ميل المحققين، قال: وهو الحق لأنه المعنى الذي سيق له الكلام ولأنه المطابق للمبالغة، وأما الحمل على الثاني فلا يظهر وجهه إلا إذا خص لمورد النزول وأنه كان في نحو الذباب والعنكبوت أو بجعل البعوضة عمود التحقير وكلاهما غير ظاهر وهذان الوجهان على المشهورة
ــــ

[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[
القول الثاني :وابن عباس ، وقتادة ، وابن جريج ، والفراء والطبري وابن كثير و أبو حيانو البيضاويو السمينو الجلال والفراء و ابن جزي في التسهيل و أبو علي [وهو غير الفارسي ] و الطبرسي و الميسر و القاسمي و النيسابوري و بيان الحق و ابن أبي زمنين والزجاج في إعرابه [1] وقدمه البغوي و السراج المنير والمظهري و المقدم والعز بن عبد السلام و الثعلبي والسمرقندي
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــ
· فما فوقها في الحجم والكبر والزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير في الحجم والجُثة لكن لا بالغاً بل في الجملة كالذباب والعنكبوت، لان البعوضة غاية في الصغرفيكون ذكر البعوضة تنبيهاً على الصغر ، وما فوقها تنبيهاً على الكبر والمعنى أنه لا يستحيي من ضرب المثل بالبعوضة فضلاً عما هو أكبر منه لان البعوضة غاية في الصغرورجح هذا لأن إنكار من أنكر كان لضرب الله المثل لمهانتهما فقصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل بالذباب والعنكبوت لأنهما أكبر من البعوضة والفاء عاطفة ترتيبية الفاء عاطفة ترتيبية : فهو ترق وترتيب من الصغير للكبير أن يضرب مثلا بعوضة فضلاً عما هو أكبر منه
· والعرب تمثل بالعوضة لغاية الصغر وكثراستعمال البلغاء للتمثيل بها كقولهم "أضعف من البعوضة" و "كلفتني مخ البعوضة" و "أعزّ من مخ البعوضة" و "الدنيا لا توزن عندالله جناح بعوضة"
· [ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة، : أن رسول الله قال: "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"
· وكما تقول لصاحبك - وقد ذمّ من عرفته يشح بأدنى شيء فقال فلان بخل بالدرهم فما فوقه ، تريد بما فوقه ما بخل فيه وهو الدرهم والدرهمان ، كأنك قلت : فضلا عن الدرهم والدرهمين.
· وكما لو قيل: يحرم الربا في كل مطعوم، فقال قائل: فما تقول في السفرجل والتفاح [اللوز؟ فإنك تقول له: قد قلت: إنه يحرم الربا في كل مطعوم، فما سؤالك عن التفاح] وغيره؟
· لأنه الذي يتبادر من لفظة فوق قال أبو حيان : وهذا الذي نختاره لجريان فوق على مشهور ما استقر فيها في اللغة
· وبأن لفظ «فوق» يدل على العلو ، فإذا قيل هذا فوق ذاك ، فإنما معناه أنه أكبر منه ويروى أن رجلاً مدح علياً والرجل متهم فيه ، فقال علي : أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك ، أراد بهذا أعلى مما في نفسك

· قال أبو حيان : وما فوقها الظاهر أنه يعني في الحجم كالذباب والعنكبوت ، قاله ابن عباس : ويكون ذكر البعوضة تنبيهاً على الصغر ، وما فوقها تنبيهاً على الكبر ، وبه قال أيضاً قتادة ، وابن جريج ،والذي نختاره القول الأول لجريان فوق على مشهور ما استقر فيها في اللغة ،
· قال الفراء : فالذى «فَوْقَها» يريد أكبر منها ، وهو العنكبوت والذباب. ولو جعلت فى مثله من الكلام «فَما فَوْقَها» تريد أصغر منها لجاز ذلك. ولست أستحسنه لأن البعوضة كأنها غاية فى الصغر ، فأحبّ إلىّ أن أجعل «فَما فَوْقَها» أكبرمنها. ألا ترى أنك تقول : يعطى من الزكاة الخمسون فما دونها. والدرهم فما فوقه فيضيق الكلام أن تقول : فوقه فيهما. أو دونه فيهما. وأما موضع حسنها فى الكلام فأن يقول القائل : إن فلانا لشريف ، فيقول السامع : وفوق ذاك يريد المدح. أو يقول : إنه لبخيل ، فيقول الآخر : وفوق ذاك ، يريد بكليهما معنى أكبر. فإذا عرفت أنت الرجل فقلت : دون ذلك فكأنّك تحطّه عن غاية الشّرف أو غاية البخل. ألا ترى أنك إذا قلت : إنه لبخيل وفوق ذاك ، تريد فوق البخل ، وفوق ذاك ، وفوق الشّرف. وإذا قلت : دون ذاك ، فأنت رجل عرفته فأنزلته قليلا عن درجته. فلا تقولنّ : وفوق ذاك ، إلا فى مدح أو ذمّ.
· قال الزجاج في إعراب القرآن : وقال أبو علي [ نقل عنه الزجاج وليس هو الفارسي لأن الفارسي تلميذ الزجاج ولم يوجد في الحجة أيضا ] في معنى الآية لا يجوز في القياس أن يريد أصغر منها وإنما يجوز هذا في الصفة، هذا صغير وفوق الصغير، وقليل وفوق القليل، أي جاوز القليل فأما هذه نملة وفوق النملة، وحمار وفوق حمار؛ يريد أصغر من النملة ومن الحمار، فلا يجوز ذلك؛ لأن هذا اسم ليس فيه معنى الصفة التي جاز فيها ذلك ما زاد عليها في الجثة كالذباب والعنكبوت كأنه قصد به رد ما استنكروه والمعنى أنه لا يستحي ضرب المثل بالبعوض فضلا عما هو أكبر منه
· قال الطبري : وقد ذهب كلّ قائل ممن ذكرنا قوله في هذه الآية، وفي المعنى الذي نزلت فيه، مذهبًا؛ غير أنّ أولى ذلك بالصواب وأشبهه بالحقّ، ما ذكرنا من قول ابن مسعود وابن عباس ذلك أنّ الله جلّ ذكره أخبر عباده أنه لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضةً فما فوقها، عَقِيب أمثالٍ قد تقدمت في هذه السورة، ضربها للمنافقين، دون الأمثال التي ضربها في سائر السور غيرها فلأن يكون هذا القول - أعني قوله:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما" - جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال في هذه السورة، أحقّ وأولى من أن يكون ذلك جوابًا لنكيرهم ما ضرب لهم من الأمثال في غيرها من السور. وذلك أنّ قول الله جلّ ثناؤه:"إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما بعوضة فما فوقها"، إنما هو خبرٌ منه جلّ ذكره أنه لا يستحي أن يضرب في الحقّ من الأمثال صغيرِها وكبيرِها، ابتلاءً بذلك عبادَه واختبارًا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به من أهل الضلال والكفر به، إضلالا منه به لقوم، وهدايةً منه به لآخرين.
· قال ابن كثير : ومعنى الآية: أنه تعالى أخبر أنه لا يستحيي، أي: لا يستنكف، وقيل: لا يخشى أن يضرب مثلا ما، أي: أيّ مثل كان، بأي شيء كان، صغيرًا كان أو كبيرًا.والثاني: فما فوقها: فما هو أكبر منها؛ لأنه ليس شيء أحقر ولا أصغر من البعوضة. وهذا [قول قتادة بن دعامة و] (11) اختيار ابن جرير.
· [ويؤيده ما رواه مسلم عن عائشة، : أن رسول الله قال: "ما من مسلم يشاك شوكة فما فوقها إلا كتبت له بها درجة ومحيت عنه بها خطيئة"
فأخبر أنه لا يستصغر شيئًا يَضْرب به مثلا ولو كان في الحقارة والصغر كالبعوضة، كما [لم يستنكف عن خلقها كذلك لا يستنكف من] (4) ضرب المثل بالذباب والعنكبوت في قوله: يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ
· قال السيوطي في حاشية البيضاوي :لأنه إذا ذكرت قاعدة كلية يندرج تحتها جزئيات، فسأل سائل على جزئياتها واحدة واحدة توجه الإنكار عليه كما لو قيل: يحرم الربا في كل مطعوم، فقال قائل: فما تقول في السفرجل والتفاح [اللوز؟ فإنك تقول له: قد قلت: إنه يحرم الربا في كل مطعوم، فما سؤالك عن التفاح] وغيره؟ كذلك ههنا، قال إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا، ومثلا نكرة في سياق النفي يعم البعوض والذباب والعنكبوت وغيرها.
· يؤيده الاستعمال القرآني لكمة فوق :
فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ َهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ رَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (19) ُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ47) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ْيَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ
القول الثالث :أجاز الوجهين :
الراغب والسامرائي و التحرير والزجاج في معاني القرآن دون إعرابه فقد مال للقول الثاني وابن عطية والمطعني
قال المطعني في خصائص التعبير : (د) التوجيه: وذلك في قوله تعالى: (فَمَا فَوْقَهَا) فإن الفوقية هنا
لها معنيان، أحدهما: فما تجاوزها في المعنى الذي ضُرِبت فيه وهو القِلة
والحقارة.
وثانيهما: فما زاد عليها في الحجم.
ولما كان أحد هذين المعنيين لم تنصب قرينة على إرادته بعينه، وبقى الفهم
والاعتقاد شركة بينهما حصل النوع البديعي الذي يسمونه " التوجيه "؟ وهوأن يكون للفظ معنيان لم تقم قرينة على إرادة أحدهما.
والمتأمل يرى أن كلا المعنيين هنا صالح للفهم والاعتقاد.
ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ
نوع الفاء :
قال الآلوسي : فَمَا فَوْقَهَا الفاء عاطفة ترتيبية : والمراد إما :
· إما الزيادة في حجم الممثل به فهو ترق من الصغير للكبير أو الزيادة في المعنى الذي وقع التمثيل فيه وهو الصغر والحقارة فهو تنزل من الحقير للأحقر
قال القونوي فالفاء للترتيب الرتبي على سبيل الترقي في القول الأول بالنظر إلى عدم الاستحياء وللترتيب الرتبي على سبيل التنزل في الثاني بالنظر إليه أيضا أو العكس بالنظر إلى المعنى الذي جعلت البعوضة مثلا
قال البقاعي : والفاء تدل على ارتباط ما إما تعقيب واتصال أو تسبيب ، ففيه هنا إعلام بأقرب ما يليه على الاتصال والتدريج إلى أنهى ما يكون – انتهى
قال التحرير والتنوير :
والفاء عاطفة "ما فوقها" على "بعوضة" أفادت تشريكهما في ضرب المثل بهما، وحقها أن تفيد الترتيب والتعقيب ولكنها هنا لا تفيد التعقيب وإنما استعملت في معنى التدرج في الرتب بين مفاعيل أَنْ يَضْرِبَ هي مستعارة للتدرج لأنه شبيه بالتعقيب في التأخر في التعقل كما أن التعقيب تأخر في الحصول ومنه"رحم الله المحلقين فالمقصرين" .
· قال بعضهم : وفيه ترقية معنوية وهى الترقى من الأدنى إلى الأعلى فى الحقارة








ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[[
فائدة :
قال محمد راتب النابلسي : إنّ في رأسِ البعوضة مئةَ عينٍ، ولو كُبِّر رأسُ البعوضةِ بالمِجْهَرِ الإلكترونيِّ لرأينا عيونَها المئةَ على شكلِ خليةِ النحلِ، وفي فمها ثمان وأربعون سنّا، وفي صدرِ البعوضة ثلاثةُ قلوبٍ، قلبٌ مركزيٌّ، وقلبٌ لكلِّ جناحٍ، وفي كل قلبٍ أُذينان وبطينان ودسّامان.وهي تملك جهازاً لا تملكُه الطائراتُ الحديثةُ، إنه جهازُ (رادار) ، أو مستقبلاتٌ حراريةٌ، بمعنى أن البعوضةَ لا ترى الأشياءَ بأشكالِها وألوانِها، بل بحرارتِها، فلو أنّ بعوضةً وُجِدَتْ في غرفةٍ مظلمةٍ فإنّها ترى فيها الإنسانَ النائمَ، لأن حرارتَه تزيدُ على درجة حرارة أثاث الغرفة، وحساسيةُ هذا الجهاز واحد من الألْفِ من درجة الحرارةِ المئويةِ.
والبعوضةُ تملك جهازاً لتحليل الدمِ، فما كلُّ دمٍ يناسبها، فقد ينامُ طفلانِ على سريرٍ واحدٍ، وفي الصباحِ تجد جبينَ أحدِهما مليئاً بلسعاتِ البعوضِ، أمّا الثاني فلا تجد أثراً للسعِ البعوض فيه.
والبعوضةُ تملكُ جهازاً للتخديرِ، فلو غرستْ خرطومَها في جلد النائم لقتَلَها، ولكنها تخدِّرُ موضعَ لسْعِها، وحينما يزولُ أثرُ المخدِّرِ يشعرُ النائمُ بألمِ اللسعِ، في حين أنّ البعوضةَ تطيرُ في جوِّ الغرفةِ.
وتملك البعوضةُ جهازاً لتمييع الدمِ الذي تمتصُّه من الإنسانِ، حتى يتيسَّرَ له المرورُ عبْرَ خرطومِها الدقيقِ.
وللبعوضةِ خرطومٌ فيه ستُّ سكاكين، أربعُ سكاكينَ تُحدِثُ في جلدِ الملدوغ جرحاً مربَّعاً، ولا بد مِن أن يصلَ الجرحُ إلى وعاءٍ دمويٍّ، والسكِّينتانِ الخامسةُ والسادسةُ تلتقيان لتكوِّنا أنبوباً لامتصاصِ دمِ الملدوغِ.
ويرِفُّ جناحَا البعوضةِ عدداً كبيراً من المرَّاتِ في الثانيةِ الواحدة، حيث يصلُ هذا الرفيفُ إلى درجةِ الطنينِ.
وفي أرجُلِ البعوضةِ مخالبُ إذَا أرادتْ أنْ تقفَ على سطحٍ خشنٍ، ولها محاجمُ إذا أرادتْ أن تقفَ على سطحٍ أمْلسَ.
قال تعالى: إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهاذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين .





[1]أما في معاني القرآن فقد أجاز الوجهين