تنبيه أهل الغُرْبَة بفوائد حديث " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَة "

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ t قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ e : " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ ، وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ".


التخريج

رواه مسلم ( 2699 ) بهذا اللفظ ؛ ورواه بنحوه أحمد : 2 / 252 ، والترمذي (2945)، وابن ماجة ( 225 ) ؛ ولفظ الترمذي : " مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا ، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا ، سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ ، وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ ، وَمَا قَعَدَ قَوْمٌ فِي مَسْجِدٍ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ؛ وَمَنْ أَبْطَأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ " .


هذا حَدِيث عَظِيم جَامِع لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعُلُوم وَالْقَوَاعِد وَالْآدَاب ؛ فقوله e : " مَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخِيهِ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا " الكُربة : هي الشِّدَّةُ العظيمة التي تُوقعُ صاحبَها في الكَرب ، وتنفيسُها أن يُخفَّفَ عنه منها ، وفي حديث ابن عمر " وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ "، والتفريجُ أعظمُ ، وهو أنْ يُزيلَ عنه الكُربةَ ، فتنفرج عنه كربتُه ، ويزول همُّه وغمُّه ، فجزاءُ التَّنفيسِ التَّنفيسُ ، وجزاءُ التَّفريجِ التَّفريجُ ؛ قال النووي - : وَيَدْخُل فِي كَشْف الْكُرْبَة وَتَفْرِيجهَا مَنْ أَزَالَهَا بِمَالِهِ أَوْ جَاهِهِ أَوْ مُسَاعَدَته ، وَالظَّاهِر أَنَّهُ يَدْخُل فِيهِ مَنْ أَزَالَهَا بِإِشَارَاتِهِ وَرَأْيه وَدَلَالَته .ا.هـ ( [1] ) . وقوله e : " نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ " أي : خفف أو كشف وأزال" كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ"، وهذا من باب الجزاء من جنس العمل ؛ وكربات الآخرة أشد ، فرَّجها الله عنا بفضله ؛ ففي الصحيحين من حديث أبي هريرة عن النَّبيِّ e قال :" يَجْمَعُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ ، فَيُسْمِعُهُمْ الدَّاعِي ، وَيَنْفُذُهُمْ الْبَصَرُ ، وَتَدْنُو الشَّمْسُ ، فَيَبْلُغُ النَّاسَ مِنْ الْغَمِّ وَالْكَرْبِ مَا لَا يُطِيقُونَ وَمَا لَا يَحْتَمِلُونَ ؛ فَيَقُولُ بَعْضُ النَّاسِ لِبَعْضٍ : أَلَا تَرَوْنَ مَا أَنْتُمْ فِيهِ ، أَلَا تَرَوْنَ مَا قَدْ بَلَغَكُمْ ، أَلَا تَنْظُرُونَ مَنْ يَشْفَعُ لَكُمْ إِلَى رَبِّكُمْ ؟ " ( [2] ) .
وقوله e : " وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ ، يَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ "هذا - أيضًا - الجزاءُ فيه من جنس العمل ، والعمل هو التيسير على المُعسر ، وذلك بإعانته على إزالة عُسرته ، فإن كان مَدينًا أعانه على قضائه ، وإن كان الدَّين له أنظره ، أو وضع عنه بعضه إن لم يُبْرئه منه ، والإبراء خيرٌ وأفضل ؛ لقول الله U : ] وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فنظرة إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خير لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [ [البقرة:280]، وقد بيَّن e أنَّ الجزاءَ على التيسير تيسيرٌ يحصل في الدنيا والآخرة ؛ ودلُّ ذلك على أنَّ الإعسار قد يحصُل في الآخرة ، وقد وصف الله يومَ القيامة بأنّه يومٌ عسير وأنّه على الكافرين غيرُ يسير ، فدلَّ على أنَّه يسير على غيرهم ، وقال : ] وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا [ [ الفرقان : 26 ] ؛ وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادةَ t عنِ النَّبيِّ e قال : " مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنْجِيَهُ اللَّهُ مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أَوْ يَضَعْ عَنْهُ " ( [3] ) ؛ وفيه - أيضًا - عن أبي اليَسَر t عنِ النَّبيِّ e قال : " مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلِّهِ " ( [4] ) .
وقوله e : " وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا " أَيْ : ستر بَدَنه ، أَوْ عَيْبه إذا رَآهُ عَلَى قَبِيحٍ فَلَمْ يُظْهِرْهُ لِلنَّاسِ ؛ ففي مسند أحمد وسنن أبي داود عَنْ دُخَيْنٍ كَاتِبِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ : قُلْتُ لِعُقْبَةَ : إِنَّ لَنَا جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمْ الشُّرَطَ فَيَأْخُذُوهُمْ ؛ فَقَالَ : لَا تَفْعَلْ ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ وَتَهَدَّدْهُمْ ؛ فَفَعَلَ ، فَلَمْ يَنْتَهُوا ، فَجَاءَهُ فَقَالَ : إِنِّي نَهَيْتُهُمْ فَلَمْ يَنْتَهُوا ، وَأَنَا دَاعٍ لَهُمْ الشُّرَطَ ؛ فَقَالَ عُقْبَةُ : وَيْحَكَ لَا تَفْعَلْ ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ e يَقُولُ : " مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا " ( [5] ) ، يعني كان ثوابه كثواب من أحيا موءودة ، أي : كمن رأى حيًّا مدفونًا في قبره فأخرجه من القبر كيلا يموت ؛ ووجه الشبه أن الساتر دفع عن المستور الفضيحة بين الناس التي هي بمنزلة الموت ، فكأنه أحياه ؛ كما دفع الموت عن الموءودة من أخرجها من القبر ( [6] ) ؛ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ الْغِيبَةِ لِأَنَّ مَنْ أَظْهَرَ مَسَاوِئَ أَخِيهِ لَمْ يَسْتُرْهُ .
وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَقْتَضِي تَرْك الْإِنْكَار عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ ، قاله ابن حجر ؛ وقال : وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ السَّتْرَ مَحَلُّهُ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ اِنْقَضَتْ ، وَالْإِنْكَارَ فِي مَعْصِيَةٍ قَدْ حَصَلَ التَّلَبُّس بِهَا ؛ فَيَجِبُ الْإِنْكَارُ عَلَيْهِ ، وَإِلَّا رَفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ ، وَلَيْسَ هذا مِنْ الْغِيبَةِ الْمُحَرَّمَةِ ، بَلْ مِنْ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ ( [7] ) . قال النووي – : وَأَمَّا السَّتْرُ الْمَنْدُوب إِلَيْهِ هُنَا فَالْمُرَاد بِهِ السَّتْر عَلَى ذَوِي الْهَيْئَات وَنَحْوهمْ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ مَعْرُوفًا بِالْأَذَى وَالْفَسَاد ؛ فَأَمَّا الْمَعْرُوف بِذَلِكَ فَيُسْتَحَبّ أَلَّا يُسْتَر عَلَيْهِ ، بَلْ تُرْفَع قَضِيَّته إِلَى وَلِيِّ الْأَمْر إِنْ لَمْ يَخَفْ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَة ؛ لِأَنَّ السَّتْر عَلَى هَذَا يُطْمِعهُ فِي الْإِيذَاء وَالْفَسَاد ، وَانْتَهَاك الْحُرُمَات ، وَجَسَارَة غَيْره عَلَى مِثْل فِعْله .ا.هـ ( [8] ) ؛ وبنحوه قال ابن رجب في ( جامع العلوم والحكم ) .
قال e : " سَتَرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ " أَيْ : لَمْ يَفْضَحْهُ بِإِظْهَارِ عُيُوبِهِ وَذُنُوبِهِ ؛ وهذا - أيضًا - من باب الجزاء من جنس العمل .
ثم قال e كلمة جامعه مانعة : " وَاللَّهُ فِي عَوْنِ الْعَبْدِ مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي عَوْنِ أَخِيهِ" ، وفي حديث ابن عمر " وَمَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ " أي : فمن أَعَانَ أخاه وسعى - حسب طاقته - في قضاء حاجته - وسَوَاءٌ أكَانَ ذلك بِقَلْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَوْ بِهِمَا لِدَفْعِ الْمَضَارِّ أَوْ جَلْبِ الْمَنَافِعِ إِذْ الْكُلُّ عَوْنٌ - " كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ " أي: أَنَّ الْمُكَافَأَةَ عَلَى ذلك بِجِنْسِهَا مِنْ الْعِنَايَةِ الْإِلَهِيَّةِ ، وهي أن الله تعالى يعينه وييسر له قضاء حاجاته كما يسعى هو في قضاء حاجة إخوانه ؛ روى الطبراني عَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ t عَنْ رَسُولِ اللَّهِ e قَالَ : " لا يَزَالُ اللَّهُ فِي حَاجَةِ الْعَبْدِ ، مَا كَانَ الْعَبْدُ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ " ( [9] ) .
وقوله e : " وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا ، سَهَّلَ اللَّهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الْجَنَّةِ" فيه الحثُّ على طلب العلم الشرعيِّ وسلوك الطرق الموصلة إلى تحصيله ، سواء أكان ذلك طريقًا حسيًّا ، كمشي وسفر لطلبه وملازمة العلماء والأخذ عنهم ، واقتناء الكتب المفيدة وقراءتها والاستفادة منها ؛ أو كان طريقًا معنويًا مثل حفظه ، ودارسته ، ومذاكرته ، ومطالعته ، وكتابته ، والتفهُّم له ،ونحو ذلك مِنَ الطُّرق المعنوية التي يُتوصَّل بها إلى العلم .
والجزاء على ذلك من الله تسهيل الطريق التي يصل بها طالب العلم إلى الجنَّة ، وذلك يكون بإعانته على تحصيل ما قصد ، فيكون بذلك محصِّلاً للعلم ؛ ويكون - أيضًا - بإعانته على العمل بما علمه من أحكام الشريعة ، وذلك يفضي به إلى دخول الجنَّة ؛كما قد يُيَسِّرُ الله لطالبِ العلم علومًا أُخَرَ ينتفع بها ، وتكونُ موصلة إلى الجنَّة ، كما قيل : من عَمِلَ بما عَلِمَ ، أورثه الله علم ما لم يعلم ؛ وكما قيل : ثوابُ الحسنة الحسنةُ بعدَها ، وقد دلَّ على ذلك قولُه تعالى : ] وَيَزِيدُ اللهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدىً [ [ مريم : 76 ] ، وقوله : ] وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [ [ محمد : 17 ] .
وقوله e : " وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللَّهِ " أي : المسجد ، فإن بيوت الله هي المساجد ، قال الله تعالى : ] فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ [ [ النور : 36 ] ، وقال تعالى ] وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا [ [ الجن : 18 ] ؛ فأضاف المساجد إليه ؛لأنهاموضع ذكره ؛ قوله : " يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ" أي:يشتركون في قراءة بعضهم على بعض ، ويدرس بعضهم على بعض ، وأصل الدراسة التعهد ، وتدارس :تفاعل للمشاركة ؛وفيه الحثُّ على الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه ، ويكون ذلك بقراءة أحد المجتمعين والباقون يسمعون ، وبقراءتهم بالتناوب ليقوِّم بعضُهم بعضًا في القراءة ، وإذا كان فيهم عالم بتفسيره علَّمهم ، وإن كانوا من أهل العلم أوطلبته تدارسوا معانيه ، ورجعوا في ذلك إلى كتب التفسير ؛ " إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ" هذا هو الجزاء على العمل ، ولا يخفى ما فيه من الفضل العظيم : نزول الطمأنينة عليهم ، وتشملهم الرحمةَ وتغطِّيهم ، وتحيط بهم الملائكة ، ويذكرهم الله تعالى فيمن عنده من الملائكة ؛ وهذه الخصال الأربعُ لكلِّ مجتمعين على ذكر الله تعالى ، كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة وأبي سعيد عن النَّبيِّ e قال : " إنَّ لأهلِ ذكرِ الله تعالى أربعًا : تنزلُ عليهمُ السَّكينةُ ، وتغشاهمُ الرَّحمةُ ، وتحفُّ بهم الملائكةُ ، ويذكرُهُم الرَّبُّ فيمن عنده " ( [10] ) .
وقَوْله e : " وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَله لَمْ يُسْرِع بِهِ نَسَبه " مَعْنَاهُ : مَنْ كَانَ عَمَله نَاقِصًا ، لَمْ يُلْحِقهُ بِمَرْتَبَةِ أَصْحَاب الْأَعْمَال ، فَيَنْبَغِي أَلَّا يَتَّكِل عَلَى شَرَف النَّسَب ، وَفَضِيلَة الْآبَاء ، وَيُقَصِّر فِي الْعَمَل ؛ لأن مَن أخَّره عملُه عن دخول الجنَّة لم يسرع به نسبه إلى دخول الجنَّة ؛ لأنَّ المعتبَر في ذلك الإيمان والتقوى ، فالعملَ هو الذي يبلغ بالعبد درجات الآخرة ، كما قال تعالى : ] وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا [[ الأنعام : 132 ] ، فمَن أبطأ به عمله أن يبلغ به المنازل العالية عند الله تعالى ، لم يسرع به نسبه فيبلغه تلك الدرجات ؛ فإنَّ الله رتَّب الجزاءَ على الأعمال لا على الأنساب ، كما قال تعالى : ] فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بينهم يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ [ [ المؤمنون : 101 ] ، وفي هذا المعنى يقول بعضهم :

لعمرك ما الإنسان إلاَّ بدينه ... فلا تترك التقوى اتِّكالاً على النسب
لقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارس ... وقد وضع الشرك النسيبَ أبا لهب


فائدة : قال ابن رجب - : قوله : " كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ" ، ولم يقل : ( من كُرب الدُّنيا والآخرة ) كما قيل في التَّيسير والسَّتر ؛ قيل في مناسبة ذلك : إنَّ الكُرَبَ هي الشَّدائدُ العظيمة ، وليس كلُّ أحد يحصُلُ له ذلك في الدُّنيا ، بخلاف الإعسار والعورات المحتاجة إلى الستر ، فإنَّ أحدًا لا يكادُ يخلو في الدُّنيا من ذلك ، ولو بتعسُّر بعض الحاجات المهمَّة ؛ وقيل : لأنَّ كُرَبَ الدُّنيا بالنِّسبة إلى كُرَب الآخرة كلا شيءٍ ، فادَّخر الله جزاءَ تنفيسِ الكُرَبِ عندَه ، لينفِّسَ به كُرَب الآخرة .


ما يستفاد من الحديث

1- فضل قضاء حاجات المسلمين ونفعهم بما تيسر من علم ، أو جاه أو مال ، أو إشارة ، أو نصح ، أو دلالة على خير ، أو إعانة بنفسه ، أو بوساطته ، أو الدعاء بظهر الغيب .
2 - الترغيب في تنفيس الكرب عن المسلمين ، كإقراض مال ، أو فك أسر ، أو الوقوف معهم في محنتهم .
3 - أن التنفيس والتفريج عن المسلمين من أسباب التنفيس والنجاة من كرب يوم القيامة .
4 - إثبات أن ليوم القيامة كُرَب ، وهي أعظم وأشد ، قال الله تعالى : ] يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عظيم * يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ [ [ الحج : 1 ، 2 ].
5 - أنَّ الجزاء من جنس العمل ، فالعمل تنفيس كربة ، والجزاء تنفيس كربة ، والعمل تيسير ، والجزاء تيسير ، والعمل ستر ، والجزاء ستر ، وهكذا .
6 - الترغيب في التيسير على المعسرين ، وأنَّ الجزاء عليه تيسير في الدنيا والآخرة ، والتيسير على المعسر يكون بحسب عسرته ؛ فالمدين مثلا الذي ليس عنده مالا يوفي به ، يكون التيسير عليه إما بإنظاره ، وإما بإبرائه ، وإما بإسقاط بعض دينه ؛ والتيسير على من أصيب بنكبة أن يعان في هذه النكبة ، ويساعد وتهون عليه المصيبة .
7 - الترغيب في ستر عيوب المسلمين حين تكون المصلحة في سترها ؛ وأنَّ الجزاء عليها ستر في الدنيا والآخرة .
8 - يربي الإسلام مجتمع المسلمين على المحبة والتراحم فيما بينهم ، فإن مساعدة المحتاج وتفريج الكربات وستر العيوب مما يؤلف القلوب ويزيد المودة .
9 - الحثُّ على إعانة المسلم أخاه المسلم ، وأنَّه كلَّما حصل منه العون لإخوانه فإنَّه يحصِّل بذلك عون الله وتسديده .
10 - من أراد معونة الله وتوفيقه فليسع في إعانة غيره من المسلمين ؛ لأن الله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه .
11 - بيان فضل طلب العلم الشرعي ، والحث على طلبه بشرط أن يكون لله U .
12 - فضل الاجتماع في المساجد لتلاوة القرآن وتدارسه ؛ وأن أهل ذلك ينالون أمورًا أربعة : " إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمْ السَّكِينَةُ ، وَغَشِيَتْهُمْ الرَّحْمَةُ ، وَحَفَّتْهُمْ الْمَلَائِكَةُ ، وَذَكَرَهُمْ اللَّهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ " .
13 - في الحديث إشارة إلى طلب الجليس الصالح الذي يجتمع معه لتدارس كتاب الله .
14 - أنَّ الإيمانَ والعمل الصالح سبب دخول الجنَّة وبلوغ الدرجات العالية عند الله U .
15 - أن النسب لا ينفع إذا لم يكن العمل الصالح ، فالعبرة بالإيمان والعمل الصالح لا بالأحساب والأنساب : " وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ " .
هذا ؛ والعلم عند اَللَّه تعالى .

[1] - انظر شرح مسلم : 16 / 135 .

[2] - جزء من حديث طويل رواه البخاري ( 3340 ، 3361 ، 4712 ) ، ومسلم ( 194 ) .

[3] - مسلم ( 1563 ) .

[4] - جزء من حديث طويل رواه مسلم ( 3006 ) .

[5]- أحمد : 4 / 153 واللفظ له ، ورواه - أيضًا : 4 / 147 ، 158 من طريق أخرى ، وأبو داود ( 4891 ) ، ورواه البخاري في الأدب ( 758 ) ، النسائي في الكبرى ( 7281 )،والحاكم: 4 / 426 وصححه ووافقه الذهبي،والطبرانيفيالكبير:17/319، ( 883 ) .

[6]- انظر فيض القدير للمناوي : 6 / 129 ، 130 .

[7] - انظر فتح الباري : 5 / 97 ؛ وانظر أيضًا شرح النووي على صحيح مسلم : 16 / 135 .

[8] - شرح النووي على صحيح مسلم : 16 / 135 .

[9] - الطبراني في الكبير : 5 / 118 ( 8401 ) ، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد : 8 / 193 ، ورجاله ثقات .ا.هـ .

[10] - مسلم ( 2700 )