اعتنى به: عمرو الشرقاوي

الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على نبيه وعبده، وآله وصحبه من بعده، وبعد:
توقفنا في المرة الماضية على أنه يمكن القول بأن الطبري يرى أن المراد بالأحرف السبعة = الترادف، كقول القائل أقبل وهلم وتعال وإلي، وكقوله تعالى: صيحة، وفي قراءة شاذة زقية، فهذا وأمثاله هو المراد بالأحرف السبعة عند ابن جرير الطبري.
وأنه لما لم نجد مثل هذا الاختلاف في القراءات التي بين أيدينا = دل على أن عثمان ومن معه من الأمة قد اكتفوا بحرف واحد .
وبين أن ((مَا كَانَ مِنَ اخْتِلَافِ الْقِرَاءَةِ، فِي رَفْعِ حَرْفٍ وَجَرِّهِ وَنَصْبِهِ، وَتَسْكِينِ حَرْفٍ وَتَحْرِيكِهِ وَنَقْلِ حَرْفٍ إِلَى آخَرَ، مَعَ اتِّفَاقِ الصُّورَةِ، فَمِنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أُمِرْتُ أَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ عَلَى سَبْعَةِ أَحْرُفٍ» بِمَعْزِلٍ))، أي: بمعزل عن الأحرف السبعة .
ومعنى ذلك أنه يفرق بين الأحرف السبعة والقراءات، وبناءًا عليه أنه لو وجدت هذه الأحرف السبعة فلن تؤثر في اختلاف القراء .
وهناك من ظن - من المعاصرين - أن الطبري يذهب إلى وجود وجوه من الاختلاف بين كل حرف، وأن هذه الوجوه ذهبت مع ما ذهب من الأحرف، وهذا ليس بصحيح، ولم يقله الطبري [1].
وفي هذه المسألة يتبين أن رأي الطبري متناسق ليس فيه اضطراب وإنما وقع الاضطراب في فهم بعض المعاصرين لكلام الإمام الطبري تعالى.
تنبيه: من المهم أن نفهم كلام الأئمة على وجهه ولا نستعجل الرد عليهم قبل فهم مذاهبهم في الكلام، ومن الحسن الانتباه إلى المنهجية التي سار عليها المؤلف .
فينبغي ونحن نقرأ كلام هؤلاء الأئمة الكبار أن نفهمه على وجهه، ولا نستعجل في الرد عليهم قبل فهم مذاهبهم في الكلام، وأن ننتبه إلى عقليتهم ومنهجيتهم التي ساروا عليها في التأليف.


[1/67 - 68]
قال الإمام الطبري : ((الْقَوْلُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: قَدْ قُلْنَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْقُرْآنَ كُلَّهُ عَرَبِيٌّ، وَأَنَّهُ نَزَلَ بِأَلْسُنِ بَعْضِ الْعَرَبِ، دُونَ أَلْسُنِ جَمِيعِهَا، وَأَنَّ قِرَاءَةَ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ وَمَصَاحِفَهُمُ الَّتِي هِيَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ، بِبَعْضِ الْأَلْسُنِ الَّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ دُونَ جَمِيعِهَا، وَقُلْنَا فِي الْبَيَانِ عَمَّا يَحْوِيهِ الْقُرْآنُ مِنَ النُّورِ وَالْبُرْهَانِ وَالْحِكْمَةِ وَالْبَيَانِ، الَّتِي أَوْدَعَهَا اللَّهُ إِيَّاهُ، مِنْ أَمْرِهِ، وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ، وَحَرَامِهِ، وَوَعْدِهِ، وَوَعِيدِهِ، وَمُحْكَمِهِ، وَمُتَشَابِهِهِ، وَلَطَائِفِ حِكَمِهِ، مَا فِيهِ الْكِفَايَةُ لِمَنْ وُفِّقَ لِفَهْمِهِ.)) .
التعليق:
من منهج الإمام الطبري ربط الكلام السابق بالكلام اللاحق، فيذكر ما ذكره سابقًا بصورة مختصرة، ثم ينتقل إلى طرح قضية جديدة .
قال: ((وَنَحْنُ قَائِلُونَ فِي الْبَيَانِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] . وَقَالَ أَيْضًا جَلَّ ذِكْرُهُ: وَمَا أنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [النحل: 64] . وَقَالَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ . فَقَدْ تَبَيَّنَ بِبَيَانِ اللَّهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، أَنَّ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ، عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، مَا لَا يُوصَلُ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ تَأْوِيلُ جَمِيعِ مَا فِيهِ، مِنْ وجُوهِ أَمْرِهِ: وَوَاجِبِهِ، وَنَدْبِهِ، وَإِرْشَادِهِ وَصُنُوفِ نَهْيِهِ، وَوَظَائِفِ حُقُوقِهِ، وَحُدُودِهِ، وَمَبَالِغِ فَرَائِضِهِ، وَمَقَادِيرِ اللَّازِمِ بَعْضَ خَلْقِهِ لِبَعْضٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ أَحْكَامِ آيِهِ، الَّتِي لَمْ يُدْرَكْ عِلْمُهَا إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ. وَهَذَا وَجْهٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْقَوْلُ فِيهِ، إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِتَأْوِيلِهِ، بِنَصٍّ مِنْهُ عَلَيْهِ، أَوْ بِدَلَالَةٍ قَدْ نَصَبَهَا دَالَّةً أُمَّتَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ.)).
التعليق: تابع الطبري رحمه هذه الفكرة تفصيلًا في: [1/72]، [1/82] .
وقوله: ((الْقَوْلُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ ... إلى قوله: وَنَحْنُ قَائِلُونَ فِي الْبَيَانِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ: قَالَ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ وَتَقَدَّسَتْ أَسْمَاؤُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] ....)) .
فذكر الوجه الأول، وهو: أن البيان وكل إلى النبي ، وبين قضية مهمة وهي قوله: ((وَهَذَا وَجْهٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْقَوْلُ فِيهِ، إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِتَأْوِيلِهِ)) .
إذًا: عندنا وجه لا يجوز القول فيه في القرآن إلا بما قال به النبي صلى الله عليه وسلم، وقد بين الطبري بعض ذلك، فالأوامر والنواهي والفرائض والحدود إذا لم يتأتى من ظاهر النص فإنه لن يتأتى إلا من خلال النبي صلى الله عليه وسلم .
مثال ذلك قول الله تعالى: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىَ يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ [البقرة: 222] .
فقوله:فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ .. نهيٌ عام، وأخذنا أن المراد اعتزالهن في الجماع من بيان الرسول صلى الله عليه وسلم، فهذا المقام لا يجوز لأحد أن يتكلم فيه إلا من خلال البيان النبوي .
إذًا: فالأحكام وبعض المغيبات لا تدرك إلا من جهة الرسول .
وقوله: ((وَهَذَا وَجْهٌ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْقَوْلُ فِيهِ، إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِتَأْوِيلِهِ، بِنَصٍّ مِنْهُ عَلَيْهِ، أَوْ بِدَلَالَةٍ قَدْ نَصَبَهَا دَالَّةً أُمَّتَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ.)).
التعليق: هنا يذكر كيف يوصل إلى العلم الذي علمه النبي ، فذكر:
1. بنص منه عليه .
2. أو بدلالة، وسيأتي تفصيله .


[1/68 - 69]
قال : ((وَأَنَّ مِنْهُ مَا لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ: وَذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ آجَالٍ حَادِثَةٍ، وَأَوْقَاتٍ آتِيَةٍ، كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ فَإِنَّ تِلْكَ أَوْقَاتَ لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ حُدُودَهَا، وَلَا يُعْرَفُ أَحَدٌ مِنْ تَأْوِيلِهَا إِلَّا الْخَبَرَ بِأَشْرَاطِهَا، لِاسْتِئْثَارِ اللَّهِ بِعِلْمِ ذَلِكَ عَلَى خَلْقِهِ.
وَكَذَلِكَ أَنْزَلَ رَبُّنَا فِي مُحْكَمِ كِتَابِهِ، فَقَالَ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنِّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنِّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ . وَكَانَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَدُلَّ عَلَيْهِ إِلَّا بِأَشْرَاطِهِ، دُونَ تَحْدِيدِهِ بِوَقْتٍ، كَالَّذِي رُوِيَ عَنْهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ قَالَ لِأَصْحَابِهِ إِذَا ذُكِرَ الدَّجَّالُ: «إِنْ يَخْرُجْ وَأَنَا فِيكُمْ، فَأَنَا حَجِيجُهُ، وَإِنْ يَخْرُجْ بَعْدِي، فَاللَّهُ خَلِيفَتِي عَلَيْكُمْ» وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ، الَّتِي يَطُولُ بِاسْتِيعَابِهَا الْكِتَابُ، الدَّالَّةِ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمُ أَوْقَاتِ شَيْءٍ مِنْهُ، بِمَقَادِيرِ السِّنِينَ وَالْأَيَّامِ، وَأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، إِنَّمَا كَانَ عَرَّفَهُ مَجِيئَهُ بِأَشْرَاطِهِ، وَوَقْتِهِ بِأَدِلَّتِهِ.)) .

التعليق: هذا الوجه ذكر فيه الإمام ((وَذَلِكَ مَا فِيهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ آجَالٍ حَادِثَةٍ، وَأَوْقَاتٍ آتِيَةٍ، كَوَقْتِ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَالنَّفْخِ فِي الصُّورِ، وَنُزُولِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ)) .
أي: ما أشبه ذلك إما من جهة الوقت، وإما من جهة الكيف، ككيفية الدابة، ونحوها .
فأوقات وكيفيات المغيبات غير معلوم إلا بإخبار الله وتبليغ النبي .
وهذه المسألة: لو ربطناها بقول الطبري: ((الْقَوْلُ فِي الْوُجُوهِ الَّتِي مِنْ قِبَلِهَا يُوصَلُ إِلَى مَعْرِفَةِ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ)) .
فهنا مسألة: هل التأويل عند الطبري ما تؤول إليه حقائق الأشياء ؟
أم أن التأويل عنده ما في القرآن من المعاني (التفسير) ؟
فالظاهر أن الطبري استخدم مصطلح التأويل بمعنيه:
1. التفسير .
2. ما تؤول إليه حقائق الأشياء .


[1/69 - 70]
قال الطبري : ((وَأَنَّ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ بِاللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ، وَذَلِكَ إِقَامَةٌ إِعْرَابِهِ، وَمَعْرِفَةُ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا، وَالْمَوْصُوفَاتِ بِصِفَاتِهَا الْخَاصَّةِ دُونَ مَا سِوَاهَا، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجْهَلُهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ، وَذَلِكَ كَسَامِعٍ مِنْهُمْ لَوْ سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 12] . لَمْ يَجْهَلْ أَنَّ مَعْنَى الْإِفْسَادِ هُوَ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ مِمَّا هُوَ مَضَرَّةٌ، وَأَنَّ الْإِصْلَاحَ هُوَ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ، مِمَّا فِعْلُهُ مَنْفَعَةٌ؛ وَإِنْ جَهِلَ الْمَعَانِي الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِفْسَادًا، وَالْمَعَانِي الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِصْلَاحًا، فَالَّذِي يَعْلَمُهُ ذُو اللِّسَانِ الَّذِي بِلِسَانِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ، مِنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ، غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا، وَالْمَوْصُوفَاتِ بِصِفَاتِهَا الْخَاصَّةِ، دُونَ الْوَاجِبِ مِنْ أَحْكَامِهَا وَصِفَاتِهَا وَهَيْئَاتِهَا، الَّتِي خَصَّ اللَّهُ بِعِلْمِهَا نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يُدْرَكُ عِلْمَهُ إِلَّا بِبَيَانِهِ، دُونَ مَا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ.
وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٍ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ" قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْوَجْهُ الرَّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، مَعْنًى غَيْرُ الْإِبَانَةِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَهْلَ بِهِ؛ وَقَدْ رُوِيَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ فِي إِسْنَادُهُ نُظِرَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهَالَةِ بِهِ، وَتَفْسِيرٌ يُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ، وَتَفْسِيرٌ يُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَمُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ، فَهُوَ كَاذِبٌ")).

التعليق:
ذكر الطبري الوجه الثالث، وهو: وَأَنَّ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ بِاللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ .
وهذا معلوم للناس، فهو مدرك للبشر، وليس مثل الثاني؛ الخاص بالله تعالى .
فلو نظرنا للأوجه الثلاثة التي ذكرها، فسنجد أنها:
1. وجه يعرف من قبل النبي .
2. وجه لا يعرف إلا من قبل الله تعالى .
3. ووجه يعرفه كل ذي علم باللسان .
ولكن هل مراده المعنى، أم ما وراء المعنى ؟
الظاهر أن الطبري يريد بالتأويل المعنى - أحيانًا -، ويريد: ما يؤول إليه المعنى .
فمثلًا قوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ [البقرة: 222] ظاهر المعنى: العموم؛ لكن مايؤول إليه المعنى - وهو من المعنى- بينه النبي ، وأنه خاصٌ بالنكاح، وكان يحتمل بالمعنى أن يكون عامًا قبل بيانه .
المعنى الثاني: وجه لا يعرف إلا من قبل الله تعالى .
مثاله: نزول عيسى .
الرسول بين هذا، وحدد مكان نزوله، ووقت ذلك وعلمه عند الله تعالى؛ لكن نزول عيسى -كألفاظ ومدلولات -ليس خفيًا على الناس.
وما يعلمه كلُ ذي علمٍ باللسان، وَذَلِكَ قوله: وَذَلِكَ إِقَامَةٌ إِعْرَابِهِ:
أي: إقامة لفظه عربيًا، سواءً من جهة النطق أو الحركات = داخل تحت كل من يعلم اللسان العربي .
وقوله: وَمَعْرِفَةُ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ غَيْرِ الْمُشْتَرَكِ فِيهَا:
لعله أراد بالأسماء اللازمة ما يتجه لجرمٍ واحد -كلفظ السماء، والنخلة-، أما الألفاظ المشتركة- كلفظ العين- فهي لفظٌ مشترك، وليست مسمى لاسم واحد .
ثم ذكر مثالًا فقال: وَذَلِكَ كَسَامِعٍ مِنْهُمْ لَوْ سَمِعَ تَالِيًا يَتْلُو: وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ [البقرة: 12] . لَمْ يَجْهَلْ أَنَّ مَعْنَى الْإِفْسَادِ هُوَ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ مِمَّا هُوَ مَضَرَّةٌ، وَأَنَّ الْإِصْلَاحَ هُوَ مَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ، مِمَّا فِعْلُهُ مَنْفَعَةٌ؛ وَإِنْ جَهِلَ الْمَعَانِي الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِفْسَادًا، وَالْمَعَانِي الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ إِصْلَاحًا، فَالَّذِي يَعْلَمُهُ ذُو اللِّسَانِ الَّذِي بِلِسَانِهِ نَزَلَ الْقُرْآنُ، مِنْ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، هُوَ مَا وَصَفْتُ مِنْ مَعْرِفَةِ أَعْيَانِ الْمُسَمَّيَاتِ بِأَسْمَائِهَا اللَّازِمَةِ .. .
التعليق:
أن معنى الإفساد والإصلاح - من حيث المعنى العام - ظاهر، ولكن قد لا يدرك المرء أن أمرًا - بعينه - فيه إفساد أو إصلاح .


[1/70 - 71]
قال الطبري: ((وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُؤَمَّلٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، قَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: " التَّفْسِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: وَجْهٍ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وَتَفْسِيرٌ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِجَهَالَتِهِ، وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ، وَتَفْسِيرٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ")) .
هذا الأسلوب يدل على قبول الطبري للرواية مع وجود ضعف فيها[2]، حيث أورد حديثًا عن النبي وضعفه، وأورد أثر ابن عباس وقبله[3]؛ لأن معناه لا يشكل، وهو - - بصير وعنده معرفة بصحيح الأخبار وسقيمها.
الخبر فيه تقسيم التفسير إلى أربعة أوجه، والطبري قسمه إلى ثلاثة فقط، ولذلك قال: ((قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْوَجْهُ الرَّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ[4]، مِنْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، مَعْنًى غَيْرُ الْإِبَانَةِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَهْلَ بِهِ)) .
فالطبري يتكلم عن كيفية الوصول إلى المعرفة، أما الشيء المعروف فلا يدخل في كلامه .
- ففي القرآن ما نحتاج إلى تكلف معرفته، ومنه ما لا يعلمه إلا الله، وإنما يعرف الناس دلالاتها وأماراتها بإخبار الله تعالى وتبليغ نبيه صلى الله عليه وسلم، كأشراط الساعة .
- ومنه ما يعلم من جهة النبي ، وذلك قوله: ((وَتَفْسِيرٌ يَعْلَمُهُ الْعُلَمَاءُ)).
- والوجه الثالث: وَجْهٍ تَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ كَلَامِهَا، وهذا ذكره الطبري في قوله: ((وَأَنَّ مِنْهُ مَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ كُلُّ ذِي عِلْمٍ بِاللِّسَانِ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الْقُرْآنُ)) .
- الوجه الرابع الذي لا يعذر أحد بجهله، قال؛ هذا لا يحتاج إلى ذكره في التقسيم، فهو مَعْنًى غَيْرُ الْإِبَانَةِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ .

قال الشيخ / عبدالله الشتوي: كأن الطبري يرى أن هناك من التأويل ما يجب على كل مسلم معرفته، ولا يجوز له الجهل به .
وذلك قوله: ((قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذَا الْوَجْهُ الرَّابِعُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ، مِنْ أَنَّ أَحَدًا لَا يُعْذَرُ بِجَهَالَتِهِ، مَعْنًى غَيْرُ الْإِبَانَةِ عَنْ وجُوهِ مَطَالِبِ تَأْوِيلِهِ، وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ أَنَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ مَا لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ الْجَهْلَ بِهِ؛ وَقَدْ رُوِيَ بِنَحْوِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ أَيْضًا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرٌ فِي إِسْنَادُهُ نُظِرَ حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى الصَّدَفِيُّ، قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ، قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَو بْنَ الْحَارِثِ، يُحَدِّثُ عَنِ الْكَلْبِيِّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهَالَةِ بِهِ، وَتَفْسِيرٌ يُفَسِّرُهُ الْعَرَبُ، وَتَفْسِيرٌ يُفَسِّرُهُ الْعُلَمَاءُ، وَمُتَشَابِهٌ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَمَنِ ادَّعَى عِلْمَهُ سِوَى اللَّهِ، فَهُوَ كَاذِبٌ")).
قال الشيخ / الشتوي: فدل على أن من القرآن تأويل لا يجوز الجهل به، وليس معناه أنه واضح لكل أحد، ولذلك ايده بالحديث: "أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَحْرُفٍ: حَلَالٍ، وَحَرَامٍ لَا يُعْذَرُ أَحَدٌ بِالْجَهَالَةِ بِهِ" .
فقال الشيخ مساعد: وجهك في فهم الكلام أدق .


[1/71 - 73]
قال الطبري : ((ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ .
حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ طَلْحَةَ الْيَرْبُوعِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ، فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»
[5] .
.... قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، مِنْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ، إِلَّا بِنَصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِنَصْبِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ، فَغَيَّرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِيلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ، بَلِ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهِ، فَمُخْطِئٌ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ، لِأَنَّ إِصَابَتَهُ لَيْسَتْ إِصَابَةَ مُوقِنٍ أَنَّهُ مُحِقٌّ، وَإِنَّمَا هُوَ إِصَابَةُ خَارِصٍ وَظَانٍّ، وَالْقَائِلُ فِي دَيْنِ اللَّهِ بِالظَّنِّ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ، وَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ عَلَى عِبَادِهِ، فَقَالَ: قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ [الأعراف: 33] فَالْقَائِلُ فِي تَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ إِلَيْهِ بَيَانَهُ، قَائِلٌ بِمَا لَا يَعْلَمُ، وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِهِ مَا أَرَادَ اللَّهُ بِهِ مِنْ مَعْنَاهُ، لِأَنَّ الْقَائِلَ فِيهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ، قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ.
وَهَذَا هُوَ مَعْنَى الْخَبَرِ، الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَبَّانُ بْنُ هِلَالٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُهَيْلُ بْنُ أَبِي حَزْمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ، عَنْ جُنْدُبٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ، فَقَدْ أَخْطَأَ» يَعْنِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ، بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ وَافَقَ قِيلُهُ ذَلِكَ عَيْنَ الصَّوَابِ عِنْدَ اللَّهِ، لِأَنَّ قِيلَهُ فِيهِ بِرَأْيِهِ، لَيْسَ بِقِيلِ عَالِمٍ أَنَّ الَّذِيَ قَالَ فِيهِ مِنْ قَوْلٍ حَقٌّ وَصَوَابٌ، فَهُوَ قَائِلٌ عَلَى اللَّهِ مَا لَا يَعْلَمُ، آثَمٌ بِفِعْلِهِ مَا قَدْ نَهَى عَنْهُ وَحُظِرَ عَلَيْهِ)) .

الحديث في إسناده ضعف، ولكن العلماء كالترمذي، والطحاوي، والبغوي، اتفقوا على قبول معناه، ومن الأشياء المهمة، النظر لكيفية تعامل العلماء مع الأحاديث التي ظهر ضعفها، فقد يكون الإسناد ضعيفًا، ولكنهم قبلوا معناه .
وكذلك التعامل مع الاثار التي ذكرها كلها، فهذه الأخبار اعتمدها من جهة المعنى، وذلك قوله: ((وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ شَاهِدَةٌ لَنَا عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا، مِنْ أَنَّ مَا كَانَ مِنْ تَأْوِيلِ آيِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ، إِلَّا بِنَصِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَوْ بِنَصْبِهِ الدَّلَالَةَ عَلَيْهِ، فَغَيَّرُ جَائِزٍ لِأَحَدٍ الْقِيلَ فِيهِ بِرَأْيِهِ، بَلِ الْقَائِلُ فِي ذَلِكَ بِرَأْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ الْحَقَّ فِيهِ، فَمُخْطِئٌ فِيمَا كَانَ مِنْ فِعْلِهِ بِقِيلِهِ فِيهِ بِرَأْيِهِ)) .
لتعليق:
قد يفهم من كلام الطبري أنه خص الحديث بنوع من أنواع التأويل، والظاهر والله أعلم أن العبارة عامة، والذي جعله ينحو هذا المنحى - والله أعلم - ماسيأتي معنا في الدرس القادم بإذن الله .


(*) للاستماع للمحاضرة صوتيًا: تحت هذا الرابط .
(1) أشار الشيخ حفظه الله إلى شيء في الدرس الماضي، وهو أن من القضايا المهمة الانتباه إلى ما عند بعض المتقدمين (كمكي، والداني، والمهدوي) من أنهم يتكلمون على إجماع الأمة على القرآن، واختلاف الأئمة في طريقة أداء أحرف هذا القرآن، فالأمة مجمعة على ما بين الدفتين، ولكن وقع الخلاف في قراءة بعض الأئمة في نطق بعض الكلمات التي بين الدفتين .
(2) فرواية أبي الزناد عن ابن عباس فيها انقطاع .
(3) وذلك قوله: وَبِمِثْلِ مَا قُلْنَا مِنْ ذَلِكَ، رُوِيَ الْخَبَرُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ .
(4) وهو بالنسبة لترتيب الطبري الوجه الثاني .
(5) قرأ القارئ الشيخ / عبدالله الشتوي الفصل كاملًا، واقتصرنا على ما نقلناه لئلا نطول، والرجوع للكتاب متيسر .