لا شك أن من حكم تكرار قراءة سورة الكهف كل جمعة تيسير حفظها على المسلم، وهذه الحكمة وحدها دعت الكثيرين لكي يتأملوا ما أهمية تكرار قراءة هذه السورة كل أسبوع؟ وما الرسائل التي تحتويها ويحتاجها المسلم باستمرار؟
ولقد حظي هذا الجانب ـ كما هو معلوم ـ باهتمام المسلمين قديما وحديثا, فكتبوا فيه أروع التأملات والرؤى والتفسيرات، وتتبعوا ما في الكهف من حكم ومنهاج للحياة؛ مما يستحث النفوس على التعلق بها, وتأملها والتدبر في قصصها وآياتها، ومحاولة استكشاف: ما الزاد الذي يحتاجه المسلم من سورة الكهف لكي تسن قراءتها كل أسبوع؟

ولقد انقدح في ذهني تأمل لطيف ـ لا يستبعد أن يكون قد طُرق من قبل لكنني لم أقرأ فيه بالتحديد ـ ورأيت ألا أمتنع من عن كتابته مخافة التكرار, فرب تكرار يبرز جانبا لم يُبرز, ورب عبارات خرجت من قلب الكاتب فأصابت قلب المتلقي وإن كانت تحمل فكرا مطروقا أو آخر مستهلكا.

ورغم أني دونت هذا التأمل منذ عدة أشهر إلا أنه لايزال حاضرا يلح على ذهني كلما تلوت السورة, ويستحثني على نشره الأسبوع تلو الأسبوع لعل الله أن ينفع به, وإني لأظن أن السر في إلحاحه علي هو تأملي في أحوال بعض المسلمين المؤسفة من حولنا, فلقد فاجأتهم البلايا وانقضت عليهم, فأخرجتهم من الأمن إلى الخوف, ومن رحابة العيش إلى ضنكه, ومن الانشغال بتحقيق الكماليات إلى الكد في تحقيق الضروريات, كما أنها شغلتهم عن طلب العلم الديني والدنيوي بالانشغال بتأمين النفس والعيال من حروب مقيتة اشتعلت في أوطانهم فجأة بلا مبررات, فإذا بالكثير من الناس بات سجينا أسيرا وإن كان بين أهله وولده, وأضحى طريدا مهاجرا وإن كان في وطنه وأرضه, وإذا بالابتلاءات تصب فوق رأسه ألوانا وأسقاما.

وصحيح أننا نؤمن بأن المسلم مبتلى ومعرض للابتلاء والتمحيص في هذه الدنيا؛ وكلما تكالبت عليه المصائب وجب عليه العودة والتوبة والرجوع للاعتصام بكتاب الله وسنة رسوله ؛ إلا أن بعض تلك الابتلاءات قد تحكم على الإنسان أن يكون وحيدا, وقد يتعرض لعزلة جبرية عن كل شيء وأي شيء.
فهناك الضائع في قلب صحراء أو في غابة موحشة أو في عرض البحر، وهناك السجين في قلب زنزانة صماء وهو محروم من مصحف يؤنسه فيها، وهناك الأسير تحت الأنقاض الذي يعد أنفاسه في انتظار من ينتشله, وهناك المرابط على الجبهة لا يغمض له جفن بالأيام والأسابيع وهو متكور في خندقه يراقب تحركات أعداءه .
وعلى شاكلة ما سبق توجد الكثير من الصور, هؤلاء كلهم يجمع بينهم عامل مشترك واحد وهو عدم توفر مصحف في لحظات ابتلائهم الحرجة, وعن هؤلاء ـ تحديدا ـ أتحدث, ومن جرب حالة من تلك الحالات أو موقفا مشابها لها لعلم أنه في هذه الحالة لا ينفعه ولا يسعفه من كتاب ربه ـ الذي هو في أشد الحاجة إليه ـ سوى استرجاع حفظه, وحين سيفعل ستكون سورة الكهف من أوائل السور التي سيحاول تلاوتها بعد المعوذات والفاتحة وسورة الملك وما اعتاد على قراءته بانتظام.
فتأملوا معي أيها الكرام ماذا تقدم سورة الكهف لمثل هذه الحالات؟؟
أولا: لقد اشتملت على قصص عدة ما يعني سهولة حفظها, وبالتالي سهولة استرجاعها, ولو نسي المرء بعض آيات في قصة من القصص فعلى الأقل ستكون أحداث بقية القصة حاضرة في ذهنه مما يزيد من نسبة التقاطه للنص مرة أخرى واسترجاعه له.
ثانيا: كون سورة الكهف تحتوي على قصص فإنها بذلك تقدم تسلية عظيمة لأصحاب الابتلاءات الذين هم في أشد الحاجة لمن يسليهم ويرطب قلوبهم ويؤنس وحشتهم.
ثالثا: لنتأمل قصة كقصة أصحاب الكهف الذين ضاقت عليهم الأرض بما رحبت فذهبوا إلى مكان قصي واختبأوا فيه عن أعين الناس, اختبئوا من جبروت أهل الأرض في قلب جبل صلد, ورغم أنه ليس به من مقومات الحياة شيء إلا أن الله بإيمانهم وحسن توكلهم سبب لهم الأسباب, وتكفل بإحداث معجزة لكي يبقيهم على قيد الحياة لأعوام!!.
فهل يضيع الله عباده المخلصين الصادقين حتى وإن انقطعت بهم الأسباب في قلب صحراء أو في عرض بحر أو في ملاجئ تحت الأرض؟؟!!
رابعا: تأتي بعد ذلك قصة موسى لتؤكد بإصرار عجيب على فكرة: (لعله خير!), فالحكمة قد لا تتضح في البلاء لكنها حتما موجودة وستظهر ولو بعد حين, فما أروع الاستئناس بمفهوم كهذا في قلب مصيبة تعصف بك عصفا, إن مفهوما كهذا كفيل بشحن المسلم بطاقة من الإيمان واليقين والرضى, معه يمنحه الله قوة هائلة على الصبر والرضى, بل وعلى الابتسام في أحلك المواقف.
خامسا: وفي سياق السورة رسائل أخرى مهمة تسلي تلك الحالات التي نتحدث عنها, من بينها :
·إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلا
·وَاذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ
·وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا
·وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا
·وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ
·وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا
·هُنَالِكَ الْوَلايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا
·الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلا
·وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَن يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِن تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَن يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا
·وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ لَّن يَجِدُوا مِن دُونِهِ مَوْئِلا
·وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم مَّوْعِدًا
·أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُّكْرًا
·وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا
·أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِن دُونِي أَوْلِيَاء إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلا
·قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأَخْسَرِينَ أَعْمَالا * الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا * أُوْلَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا
·إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا