تحقيق معنى العتو وبيان سر التعدية بـ(عن) في عتوا عما نهوا عنه
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21) )
أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)
العتو يجمع قيدين :
القيد الأول : مجاوزة عن الحد في طريق الشر والعناد وتجاوز الحد في الظلم والطغيان تجاوزا كبيرا بالغا أقصى غايته ومجاوزة عن الحد في طريق الشر والفساد والامتداد فيه.
القيد الثاني : الصلابةواليبس والشدة والإصرار في السير في طريق الشر والإدامة والمبالغة في جريان السير ، والوصول إلى حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها والإصرار في السير في طريق الشر .
فالمادة ترجع إلى تجاوز الحد في الشيء والامتداد فيه مع الصلابة واليبس عليه .
والعتو بالواو أقوى من التعتي بالياء
ومن مصاديقها :
عتا الشيخ أسن وكبر فبقاء هذا الشيخ حتى عتا امتداد وتماسك وصلابة كأن لم تؤثر فيه السنون الطوال.
عتت الريح : جاوزت مقدار هبوبها
قال المعجم الاشتقاقي : المعنى المحوري : امتداد الشيء مادة أو بقاء في صلابة أو تماسك دقيق ، عتا الشيخ أسن وكبر فبقاء هذا الشيخ حتى عتا امتداد وتماسك وصلابة كأن لم تؤثر فيه السنون الطوال .
قال التحقيق الأصل الواحد : مجاوزة عن الحد في طريق الشر والعناد أي مبالغة في سلوك الشر والفساد مع الإدامة والإصرار في السير في طريق الشر .
ثم قال التحقيق لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا فجعل الاستكبار مقدمة على العتو ، والريح الصرصر ليس فيها استكبار ولا تولي بل مجاوزة في شدة جريانها .
بلغت من الكبر عتيا أي بلغت من جهة كبر السن بحال العتو والمبالغة في جريان السيروهو الانتهاء في الكبر.
قال ابن فارس : عتت الريح : جاوزت مقدار هبوبها .
قال اللسان :العاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد لا يقبل موعظة
قال الطوسي : والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة . والعتو الخروج إلى الجرأة على أفحش الذنوب.
قال البقاعي : والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة.
الآيات الواردة في العتو واضحة جدا والتعدية بحروف الجر واضحة كذلك إلا آية واحدة تحتاج إلى إعمال الفكر وإليك الآيات الواضحات في ذلك ثم الآية التي سنبحثها في هذا البحث :

فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ
43) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (44) فالعتو عن الأمر واضح .
أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (21)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)
الآية التي تحتاج إلى بحث : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) فهؤلاء أصحاب السبت لما تركوا ما ذكروا به ترك المنسي وهو أشد الترك والإهمال عذابهم الله تعالى بعذاب شديد القوة والبأس بالغ الغاية في الشدة فلما عتوا بعد ذلك عما نهوا عنه فلم ينفع فيهم العذاب ولم يزجرهم قلنا لهم كونوا قردة

السؤال : هنا كيف عدي بـ(عن) مع أن (عن) تفيد المجاوزة والبعد فلو قلنا إنهم ، استكبروا مبتعدين عن الذي نهوا عنه يصير المعنى أنهم اتبعوه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلذلك قدر جماعة من المفسرين محذوفا قالوا فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكابا للمنهي .
بحثنا هنا هل فعلا يحتاج إلى تقدير مضاف نعرض المذاهب أولا ثم نذكر الرأي المختار عندنا :
القول الأول :

قول الواحدي والزمخشريوأبو السعود والبيضاوي والآلوسي والمنار والرازي والطبرسي والخازن والجلال واطفيش والشنقيطي وحسنين مخلوف والميزان وسيد طنطاوي والبقاعي

قدروا كلمة ترك أي عن ترك ما نهوا عنه من صيد
قال الزمخشري:فلما تكبروا عن ترك ما نهوا عنه الحيتان يوم السبت
قال الفخر الرازي:البحث الأول : العتو عبارة عن الإباء والعصيان ، وإذا عتوا عما نهوا عنه فقد أطاعوا ، لأنهم أبوا عما نهوا عنه ، ومعلوم أنه ليس المراد ذلك فلا بد من إضمار ، والتقدير : فلما عتوا عن ترك ما نهوا عنه ، ثم حذف المضاف ، وإذا أبوا ترك المنهي كان ذلك ارتكابا للمنهي .
قال أبو السعود: أي تمرّدوا وتكبروا وأبَوا أن يترُكوا ما نُهوا عنه
البقاعي - 885هـ : ولما ذكر ما هددهم به من العذاب الشديد ، أتبعه الهلاك فقال : فلما عتوا أي تكبروا جلافة ويبساً عن الانتهاء عن ما نهوا عنه أي بعد 5 الأخذ بالعذاب الشديد ، وتجاوزوا إلى الاجتراء على جميع المعاصي عناداً وتكبراً بغاية الوقاحة وعدم المبالاة ، كأن مواقعتهم لذلك الذنب وإمهالهم مع الوعظ أكسبتهم ذلك وغلظت أكبادهم عن الخوف بزاجر العذاب ، من عتا يعتو عتواً - إذا 6 أقبل على الآثام 7 ، فهو عات ، قال عبد الحق في كتابة الواعي : وقيل إذا أقدم 8 على كل أموره ، ومنه هذه الآية ، وقيل : العاتي هو المبالغ في ركوب المعاصي ، وقيل 9 : المتمرد الذي لا ينفع فيه الوعظ والتنبيه ، ومنه قوله سبحانه فعتوا عن أمر ربهم 10 أي جاوزوا المقدار والحد في الكفر - انتهى . وحقيقته : جاوزوا الأمر إلى النهي ، أو جاوزوا الائتمار بأمره ، والمادة ترجع إلى الغلظ والشدة والصلابة
القول الثاني :

قول المصطفوي في التحقيق وأبي زهرة .
قالوا (عن) تفيد المجاوزة وجعلوا البعد عن النهي لا عن المنهي
قال التحقيق: عتت عن أمر ربها فعتوا عن أمر ربهم عتوا عما نهوا عنه يراد الإصرار والمبالغة والسير في الإعراض والانحراف عن الأوامر والنواهي الإلهية .
قال أبو زهرة: العتو : الاستكبار وتجاوز الحد في الظلم ، مستكبرين سادرين في الباطل صادين عن الحق جاعلين الدعوة إليه دبر آذانهم ، لم يكن ثمة سبيل لهدايتهم ، فكان اليأس منهم .
القول الثالث : قول اطفيش الذي جعل التعدية بالحرف (عن) الذي يفيد المجاوزة لأنهم بأفعالهم في المخالفة قد تجاوزوا الحد الذي يجب الوقوف عليه وتكبروا عنه قال اطفيش في هميان الزاد :فلمَّا عَتوْا أفسدوا وعصوا ، وعداه بعن لأنه خروج عن الحد وتكبر عنه عَنْ ما نهُوا عنْهُ من ترك الصيد فى يوم السبت قُلْنا لَهم كُونوا قِردةً خَاسِئينَ مبعدين عن الخير.

القول الرابع : الذي أرجحه من خلال تتبع كتب اللغة والقواميس وهو مقتضى كلام ابن عباس و الطبري و البغوي والقرطبي و السعدي و والطوسي.

أن الآية تتكلم عن درجة من الكفر عالية فقد بين تعالى أنهم مع نزول هذا العذاب البئيس بهم عتوا عما نهوا عنه فقال عز من قائل : فلما عتوا عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين
وقد تبين لنا مما سبق أن العتو فيه معنيان ، ويزاد هنا معنى ثالثا يعطيه الحرف عن فتصير المعاني ثلاثة مجتمعة والمعاني الثلاثة هي:


المعنى الأول : مجاوزة عن الحد في طريق الشر والعناد وتجاوز الحد في الظلم والطغيان تجاوزا كبيرا بالغا أقصى غايته ومجاوزة عن الحد في طريق الشر والفساد والامتداد فيه.
القيد الثاني :الصلابة واليبس والشدة والإصرار في السير في طريق الشر والإدامة والمبالغة في جريان السير ، والوصول إلى حالة لا سبيل إلى إصلاحها ومداواتها والإصرار في السير في طريق الشر .
الثالث الذي يفيده عن : معنى المجاوزة والابتعاد وبعد شيء عن شيء [1] وهذا المعنى الثالث الذي سنذكره فيه تأكيد للمعنى الأول مع وتوضيحه وتصويره وهو
أنهم تجاوزوا المنهي من الاعتداء في السبت بمراحل ولجوا في باطلهم فلم يفعلوه فقط بل تجاوزوه بمراحل وتجاوزوا الحد في الطغيان والامتداد فيه ، فهم فعلوا منكرات فنهوا عنها فلم ينتهوا بل كانوا مبالغين في جريان السير و الاستمرار فيه مجاوزين الحد كالريح العاتية التي جاوزت مقدار هبوبها فـ(الحرف حر عن ) يعطينا درجة الإبعاد في السير في المخالفة والتجاوز بمراحل ويستلزم مع هذا أنهم تجاوزوا النهي أيضا فلم يقبلوه ، وهو مناسب للسياق فهم رغم العذاب البئيس لم ينتهوا ، وهذا سر عجيب من خبايا أسرار القرآن ودقته في التعبير ، ومما يشير إلى هذا المعنى قوله تعالى بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ فالحرف (عن) هنا يفيد ما يفيده اللجاج وهو التمادي في الباطل والاشتداد فيه وتقحم الأمر مع كثرة الصوارف عنه ويفيد ما أفاده المفعول المطلق في قوله تعالى: لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا[2]
يقرر هذا الراجح عندي أقوال هذه المجموعة من المفسرين :
قال الطبري - 310هـ : يقول تعالى ذكره : فلما تمرّدوا فيما نهوا عنه من اعتدائهم في السبت ، واستحلالهم ما حرّم الله عليهم من صيد السمك وأكله وتمادوا فيه قُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ
الطوسي - 460هـ : آية اخبر الله تعالى عن هؤلاء العصاة الذين عصوا بصيد السمك في السبت ، ونهوا فلم ينتهوا ووعظوا فلم يتعظوا ، وأنه أنزل عليهم العذاب الشديد ، فلما عتوا عما نهى الله وتمردوا في معصيته مسخهم الله قردة خاسئين .
والعاتي الشديد الدخول في الفساد المتمرد الذي لا يقبل موعظة . والعتو الخروج إلى الجرأة على أفحش الذنوب

قال البغوي:ابن عباس : أبوا أن يرجعوا عن المعصية
القرطبي:قوله تعالى : " فلما عتوا عن ما نهوا " أي فلما تجاوزوا في معصية الله.
وما قاله السمعاني والبقاعي والطوسي في سورة تبارك في قوله تعالى بل لجوا في عتو ونفور [3] :
وما رجحته أقرب وأدق من القول الأول المحوج إلى التقدير ، لأن عدم التقدير أولى من التقدير ولأنهم لم يدققوا في معنى عتوا بل ذكروا المرادف ، وأحسن من القول الثاني الذي قال به التحقيق وأبو زهرة لأن نص الآية عتوا عما نهوا عنه أي عن الذي نهوا عنه لا عن النهي ، ويرجحه أن قول ابن عباس والطبري ومن معهم يصب فيما قلته مع أنه فيه مراعاة وتدقيق في أصل اللغة والاشتقاق الذي جاءت منه ، مع كونه يكشف سرا بليغا ومعنى دقيقا والله سبحانه تعالى أعلم بأسرار كتابه .



[1] والمجاوزة لها اعتبارات كثيرة كما قرره محمد الأمين الخضري في أسرار حروف الجر فقد قال إلا أن المجاوزة أخذت تفسيرات مختلفة في كتب النحاة في محاولة لاستيعاب صور التعدي بهذا الحرف وحين لم تستطع هذه التفسيرات الوفاء بدلالات الحرف في تراكيبه المختلفة ظهر القول بنيابتها عن أخواتها من حروف الجر .

[2]قال الطبري : وَعَتَوْا عُتُوّا كَبِيرا يقول : وتجاوزوا في الاستكبار بقيلهم ذلك حدّه قال الواحدي: وعتوا عتوا كبيرا وغلوا في كفرهم أشد الغلو الفخر الرازي - 606هـ : وقوله : وعتوا عتوا كبيرا أي تجاوزوا الحد في الظلم يقال عتا فلان وقد وصف العتو بالكبر فبالغ في إفراطه ، يعني أنهم لم يجترئوا على هذا القول العظيم إلا لأنهم بلغوا غاية الاستكبار وأقصى العتو .


[3]
البقاعي - 885هـ : في عتو عناد وتكبر عن الحق وخروج إلى فاحش الفساد.قال السمعاني : والعرب تسمي كل سفيه متمرد ، متماد في الباطل ، عاتيا . الطوسي - 460هـ : ولما كان لهؤلاء المشركين صوارف كثيرة من عبادة الاوثان وهم يتقحمون على ذلك العصيان كانوا قد لجوا في عتوهم . والعتو الطغيان وهو الخروج إلى فاحش الفساد ، يقال : عتا يعتو عتوا فهو عات وجمعه عتاة . والنفور الخروج عن الشئ هربا من الشعور بضروره ، ونقيض النفور القبول