القول الفصل في دعوى المستشرقين بأن ظهور القراءات و تعددها يرجع إلى خلو المصاحف من الإعجام7/7

المطلب الخامس: نشأة القراءات و تعددها لم يكن لتجرد الكتابة من النقط و الإعجام، و لكنها قراءات ثابتة عن النبي صلى الله عليه و سلم، شاءها الله لحكم جليلة و فوائد عظيمة:
كل القراءات المشهورة المتداولة، قراءات متلقاة بالأسانيد الصحيحة عن النبي صلى الله عليه و سلم، و لا ريب أن الأمر أعظم مما يزعمه أولائك المستشرقون و غيرهم من أن نشأة هذه القراءات و تعددها مرده إلى تجرد الصحف من النقط و الإعجام، بل في اختلاف هذه القراءات و تعددها حكم عظيمة و فوائد جليلة، و ما من فائدة منها إلا و تبين إعجاز هذا القرآن العظيم، و من هذه الفوائد :
1- التيسير و التخفيف على هذه الأمة، فلو لم يجز القراءة إلا بقراءة واحدة فلربما شق ذلك على فئام من الناس، و لا شك أن هذا يندرج في الأصل العظيم الذي قامت و تقوم عليه شريعتنا الغراء ألا و هو التخفيف و التيسير كما تشهد لذلك نصوص عدة.
2- سهولة حفظه و تيسير نقله على هذه الأمة إذ هو على هذه الصفة من البلاغة و الوجازة فإنه من يحفظ كلمة ذات أوجه أسهل عليه و أقرب إلى فهمه و أدعى لقبوله من حفظه جملا من الكلام تؤدي معاني تلك القراءات المختلفة لاسيما فيما كان خطه واحدا، فإن ذلك أسهل حفظا و أيسرا لفظا.
3- إظهار خصوصية هذه الأمة دون سائر الأمم إذ لم ينزل كتاب غيرهم إلا على وجه واحد، أما كتابهم العظيم فقد نزل على كل هذه الوجوه الكثيرة المتآلفة.
4- إظهار شرف الأمة المحمدية حيث تلقت كتاب ربها هذا التلقي و أقبلت عليه هذا الإقبال فبحثت عن ألفاظه لفظة لفظة و كشفت عن صيغه و أساليبه و أتقنت تجويده فلم يهملوا تحريكا و لا تسكينا و لا تفخيما و لا ترقيقا حتى ضبطوا مقادير المدات و تفاوت الإمالات و ميزوا بين الحروف و الصفات مما لم يهتد إليه فكر أمة من الأمم.
5- ما ادخره الله تعالى من المنقبة العظيمة و النعمة الجليلة لهذه الأمة الشريفة من إسنادها كتاب ربها، فكل قارئ يوصل حروفه بالنقل إلى أصله فلو لم يكن إلا هذه الفائدة لكفت و لو لم يكن إلا هذه الخصيصة لوفت.
6- و منها ظهور سر الله تعالى في تولية حفظ كتابه العزيز و صيانة كلامه المنزل بأوفى البيان و التمييز فإن الله تعالى لم يخل عصرا من الأعصار و لو في قطر من الأقطار من إمام حجة قائم بنقل كتاب الله و إتقان حروفه و رواياته و تصحيح وجوهه و قراءاته يكون وجوده سببا لوجود هذا السبب القويم على مر الدهور و بقاؤه دليلا على بقاء القرآن العظيم في المصاحف و الصدور.
7- و منها إعظام أجرها من حيث أنهم يفرغون جهدهم في تحقيق ذلك و ضبطه لفظة لفظة حتى مقادير المدات و تفاوت الإمالات ثم في تتبع معاني ذلك و استنباط الحكم و الأحكام من دلالة كل لفظ و إمعانهم الكشف عن التوجه و التعليل و الترجيح.
8- و منها إظهار سر الله تعالى في كتابه و صيانته له عن التبديل و الاختلاف مع كونه على هذه الأوجه الكثيرة.
9- و منها ما في هذا الاختلاف من عظيم البرهان و واضح الدلالة على صدق هذا القرآن و صدق من جاء به صلى الله عليه و سلم، إذ هو مع كثرة الاختلاف و تنوعه لم يتطرق إليه تضاد و لا تناقض و لا تخالف بل كل يصدق بعضه بعضا و يبين بعضه بعضا، و يشهد بعضه لبعض على نمط واحد و أسلوب واحد.
10- و منها المبالغة في إعجازه بإيجازه إذ تنوع القراءات بمنزلة الآيات و لو جعلت دلالة كل لفظ آية على حدة لم يخف ما كان فيه من التطويل، فوقع بذلك نهاية البلاغة و كمال الإعجاز و غاية الاختصار و جمال الإيجاز.
11- من فوائد اختلاف القراءات كذلك أن هذا الاختلاف إما أن يكون زيادة في الحكم، أو أن تكون القراءتان بمنزلة الآيتين، و ذلك أن اختلاف القراءات إما أن يكون فيما يعود إلى شيء واحد، و إما أن يكون في ما لا يعود لأمر واحد:
أ- القراءتان إذا اختلف معناهما و لا تعارض بينهما و عادتا إلى ذات واحدة كان ذلك من الزيادة في الحكم لهذه الذات، مثال ذلك قوله تعالى:" حتى يطهرن" و في قراءة:" حتى يطهرن" بتشديد الطاء، فالقراءة الأولى تحتمل انقطاع الدم و تحتمل الاغتسال معه، أما الثانية فدلالتها على الغسل أوضح. و مثال آخر قوله تعالى "مالك يوم الدين" و في قراءة:" ملك يوم الدين" فهو سبحانه الملك و المالك.
ب- أما إذا اختلفت القراءتان و لم يمكن اجتماعهما في شيء واحد بل يتفقان من وجه آخر لا يقتضي التضاد فهما في هذه الحالة بمنزلة الآيتين،" فتنوع القراءات بمنزلة تعدد الآيات"، مثال ذلك قوله تعالى:" بل عجبت و يسخرون" بفتح التاء و في قراءة:" عجبت" بضمها، ففي قراءة الفتح يكون ذلك راجعا للنبي صلى الله عليه و سلم و على قراءة الرفع يكون من فعل الله عز و جل.
12- القراءات يبين بعضها بعضا، فبعض القراءات يبين و يوضح ما قد يجهل في القراءة الأخرى، و ذلك سواء كانت قراءة متواترة مع مثلها أو قراءة أحادية مع متواترة.
13- الدلالة على حكمين شرعيين و لكن في حالين مختلفين: كقوله تعالى في آية الوضوء:" فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق و امسحوا برءوسكم و أرجلكم إلى الكعبين"-المائدة:6- قرأ نافع و ابن عامر و الكسائي و يعقوب و حفص بنصب اللام و قرأ الباقون بخفضها.- الشامل في القراءات العشر-، فعلى قراءة النصب يكون العطف على وجوهكم و يكون المقصود غسلها، و على قراءة الجر يكون العطف على رءوسكم و هي تمسح فيكون المقصود المسح الذي يشرع عند لبس الخف و نحوه و قد بين النبي صلى الله عليه و سلم ذلك في سنته.
و ما أجمل ما أوجز به الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني تعالى في كتابه مناهل العرفان فوائد اختلاف القراءات، حيث يقول تعالى:" و الخلاصة أن تنوع القراءات يقوم مقام تعدد الآيات و ذلك ضرب من ضروب البلاغة، يبتدئ من جمال هذا الإيجاز و ينتهي إلى كمال الإعجاز، أضف إلى ذلك ما في تنوع القراءات من البراهين الساطعة و الأدلة القاطعة على أن القرآن كلام الله و على صدق من جاء به و هو رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن هذه الاختلافات في القراءة على كثرتها لا تؤدي إلى تناقض في المقروء و تضاد و لا إلى تهافت و تخاذل بل القرآن كله على تنوع قراءته يصدق بعضه بعضا و يبين بعضه بعضا و يشهد بعضه لبعض على نمط واحد في علو الأسلوب و التعبير و هدف واحد من سمو الهداية و التعليم، و ذلك من غير شك يفيد تعدد الإعجاز بتعدد القراءات و الحروف.
و معنى هذا أن القرآن يعجز إذا قرئ بهذه القراءة و يعجز إذا قرئ بهذه القراءة الثانية و يعجز إذا قرئ بهذه القراءة الثالثة و هلم جرا، و من هنا تتعدد المعجزات بتعدد الوجوه.." .

خاتمة القول:

خلافا لما يزعمه بعض المستشرقين من أن سبب نشأة القراءات و تعددها هو خلو المصاحف من النقط و الإعجام و خلوها من الشكل و الحركات، فإن كل القراءات الصحيحة نقلت بالتواتر عن النبي صلى الله عليه و سلم، و على كل مسلم أن يعتقد أنها كلها قراءات تلقاها جبريل من الله تعالى، فبلغها لرسوله صلى الله عليه و سلم، كما قال جل و علا:" و إنه لتنزيل رب العالمين نزل به الروح الأمين على قلبك لتكون من المنذرين بلسان عربي مبين"، فتلقى النبي صلى الله عليه و سلم القرآن بكل حروفه و قراءاته، و بلغه بكل أمانة لأصحابه، الذين قاموا بدورهم بتبليغه و إقراءه للتابعين و هكذا حتى اشتهر بذلك جمع من الحفاظ الجهابذة الذين عكفوا على التمحيص و التدقيق، فنسبت لهم هذه القراءات.
فادعاء بعض المستشرقين من أن السبب في ظهور القراءات و تعددها هو خلو المصاحف من النقط و الإعجام و الشكل بالحركات ادعاء باطل و قول زائف يعتمد مجرد الأوهام و الظنون التي ما لهم عليها من برهان و ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا القول منهم مغالطة و عكس للواقع و مخالف للتاريخ و مناقض للنقل الثايت، و يمكن تلخيص وجوه هذه المغالطة من هؤلاء المستشرقين في النقط التالية:
1- أن قولهم هذا يقتضي أنه بإمكان كل أحد أن يغير ما شاء من القرآن و أن يبدل كلمة بكلمة أو حرفا بحرف كيفما أراد، و هذا ضلال و من اعتقده كفر، ناهيك على ما يلزم منه من لوازم باطلة كذهاب إعجاز القرآن و عدم حفظه، و كما يقال ما لزم منه باطل فهو باطل. و نقول لهؤلاء المستشرقين: إن كان رسول الله صلى الله عليه و سلم لا يمكنه أن يغير شيئا من القرآن أو وجوه قراءاته، كما قال تعالى:" قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي، إن أتبع إلا ما يوحى إلي"-يونس:15-، فكيف بمن دونه؟
فلا ريب أن مصدر كل قراءة ثابتة إنما هو الوحي، و أن العبرة بالنقل و الرواية لا الرأي و الدراية.
2- قولهم يقتضي أن القراءات ظهرت مع ظهور القراء السبعة أو العشرة: و هذا إن دل على شيء فإنما يدل على جهلهم المركب، كيف يدعون هذا الادعاء الباطل، و القراءات كانت معلومة متداولة قبل كتابة المصاحف؟
هل انتظر الناس حتى يأتي هؤلاء القراء ليقرؤا بقراءاتهم، ألم يكن القرآن يتلى بوجوهه المتنوعة على عهد رسول الله صلى الله عليه و سلم، ألم يقرأ أصحابه القرآن بكل أوجهه المنزلة؟
و هل كانت هناك مصاحف تامة يقرأ فيها الصحابة، أم أن هؤلاء الأخيار اعتمدوا النقل و السماع من الرسول المختار؟
3- من وجوه مغالطة هؤلاء المستشرقين: أن جميع القراء المعتبرين لهم أسانيد ثابتة متصلة إلى الصحابة الكرام، بل ما اعتبر هؤلاء القراء قراءا و اشتهروا إلا بهذه الأسانيد في القراءات إلى أصحاب النبي صلى الله عليه و سلم.
فقراءة هؤلاء القراء هي قراءة أسلافهم من الصحابة، و إذا أضيفت أي قراءة إلى الواحد منهم فهي كما يقول ابن الجزري في النشر:" هذه الإضافة إضافة اختيار و لزوم لا إضافة اختراع و رأي و اجتهاد".
4- كذلك يقال لهؤلاء الحاقدين على شريعة رب العالمين الطاعنين في كتابه الكريم: إذا كان منشأ القراءات و تعددها إنما هو تجرد المصاحف من النقط و الشكل، فلماذا لم تقبل القراءات الشاذة التي يحتملها رسم المصحف، لماذا لم تقبل قراءة الشيعة:" فإذا فرغت فانصب" بكسر الصاد، مع أن الرسم يحتملها؟، و لماذا لم تقبل قراءة بعض المعتزلة " قل أعوذ برب الفلق من شر ما خالق" حيث قرؤوها" من شر ما خلق" بتنوين شر و اعتبار ما نافية، لماذا لم تقبل مع أن الرسم يحتملها؟
الجواب أن هاتين القراءتين و غيرهما من القراءات الشاذة لم تقبل و إن احتملها الرسم لأنها لم تثبت عن المصطفى صلى الله عليه و سلم.
5- من المغالطات كذلك أن قول هؤلاء المستشرقين الملاحدة بأن منشأ القراءات و تعددها هو خلو المصاحف من النقط و الشكل يقتضي أن القرون المفضلة من الصحابة و التابعين و أتباع التابعين و هي خير العهود قرؤوا القرآن اعتمادا على مصاحف خالية من النقط و الحركات دون تمييز بين الصحيح و الخطأ و الثابت من غير الثابت و هذا لا شك في بطلانه و ضلال من اعتقده.
6- و أختم بمغالطة من مغالطات هؤلاء الأوغاد، إن قولهم ذاك يقتضي أن الله تعالى وكل قراءة القرآن إلى البشر يقرؤونه كل بحسب ما يميل إليه و ما يهواه، مع أن الناس تختلف أفهامهم و أذواقهم و ميولاتهم و مداركهم، فكيف يكل الله تعالى للبشر قراءة القرآن بحسب هذه الميولات و الأذواق و الاختيارات، و قد علم يقينا أن القرآن ما أنزله الله تعالى إلا لهداية البشر، فهو النور و الهدى و الفرقان الذي يخرج الله تعالى به من يشاء من الظلمات إلى النور و الذي تعبدنا الله به فجعله دستورا كاملا لم يغفل شيئا مما هو كفيل بتحقيق سعادة البشر في الدارين...
إذا كان الأمر كذلك فكيف يتحقق هذا و كيف يتفق مع هذا الزعم الباطل و القول الجائر الذي ينعق به تسيهر و جفري و إخوانهم من المستشرقين؟
لكنه الحقد الدفين و الكراهية المتأصلة في أعماق هؤلاء الملاحدة الذين اعتمدوا ما سموه زورا و بهتانا بالبحث العلمي و النقد البناء لتشكيك المسلمين في كتاب ربهم و نزع قدسيته من قلوبهم، حتى يتم تخلية هذه القلوب من كل اعتقاد صحيح، ليسهل تحليتها بكل اعتقاد فاسد، لا يقيم صاحبه لشريعة الله وزنا و لا يعرف لرسوله قدرا، و لا لدينه حدودا، فيعيش عيشة البهائم لا يعرف معروفا و لا ينكر منكرا إلا ما أشرب من هواه.
لكن يكفينا في هؤلاء المستشرقين و أمثالهم من العلمانيين قول البارئ سبحانه:" و يمكرون و يمكر الله و الله خير الماكرين".
و الحمد لله رب العالمين.

المراجع:
- المعجم الوسيط.
- البرهان في علوم القرآن.
- الإتقان في علوم القرآن.
- مناهل العرفان في علوم القرآن.
- النشر في القراءات العشر.
- المرشد الوجيز في علوم تتعلق بالقرآن العزيز.
- قواعد التفسير جمعا و دراسة.
- الشامل في القراءات العشر لغة و تفسيرا و أسرارا.
- إتحاف فضلاء البشر في القراءات الأربعة عشر للدمياطي.
- مجموع الفتاوى.
- مذاهب التفسير الإسلامي للمستشرق جولد تسيهر ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.
- مقدمة كتاب المصاحف للمستشرق آثر جفري.
- تاريخ الأدب العربي للمستشرق كار بروكلمان ترجمة الدكتور عبد الحليم النجار.
تاريخ القرآن للمستشرق الألماني نولدكي .-
- كتاب تاريخ القرآن للدكتور محمد حسين علي الصغير.
- القراءات أحكامها و مصدرها للدكتور شعبان محمد إسماعيل.
- القراءات في نظر المستشرقين للشيخ عبد الفتاح عبد الغني القاضي.