السلام عليكم و رحمة الله تعالى و بركاته

وقفة مع تفسير ابن عطية الأندلسي لقوله تعالى:" فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى ،قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ"-طه-

قال تعالى:" فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63)"-طه-
يقول القاضي محمد ابن عطية الأندلسي تعالى في تفسيره:" " فتنازعوا أمرهم " والتنازع يقتضي اختلافا كان بينهم في السر أي قال بعضهم لبعض هو محق وقال بعضهم هو مبطل وقال بعضهم إن كان من عند الله فسيغلبنا ونحو هذا من الأقوال التي تعهد من الجموع الكثيرة في وقت الخوف كالحرب ونحو هذا ومعلوم أن جميع تناجيهم إنما كان في أمر موسى وقالت فرقة إنما كان تناجيهم بالآية التي بعد هذا " إن هذان لساحران " والأظهر أن تلك قيلت علانية ولو كان تناجيهم ذلك لم يكن ثم تنازع"-4/62- المحرر الوجيز.
و التساؤل الوارد هنا لماذا رجح ابن عطية تعالى هذا الرأي و هو أن قوله تعالى:" إن هذان لساحران" قيل علانية؟
الذي يظهر أن هذا الترجيح يعود لأمرين:
الأول: أنه -كما قال- لو كان هذا ما أسروا به فيما بينهم لم يكن تمت نزاع لأنهم كلهم -في هذه الحال- متفقون على أن موسى و هارون ساحران، و الله تعالى أخبر أن هناك تنازع.
الثاني: اختلاف الفعل، حيث أن القرآن عبر بفعلين مختلفين:" أسروا" و "قالوا" فقد يقال أن هذا الاختلاف في الفعل يفيد اختلافا في المفعول، فيحمل فعل الإسرار على ما تناجوا به و يحمل قوله تعالى:" قالوا" على مقول القول ألا و هو قولهم:" إن هذان لساحران" و يكون المقصود بقالوا أي جهروا بالقول و لم يسروا..
لكن قد يرد على هذا أن قوله تعالى:" قالوا..." تفسير و بيان لتلك النجوى التي أسروا بها، كما في قوله تعالى:" فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)"-يوسف.-.
و خلاصة القول أنهم أسروا بأراء قد تنازعوا فيها، فمن قائل -مثلا- إنهما محقان و من قائل إنهم مبطلان و من قائل إما أن ننتصر فيكرمنا فرعون أيما إكرام و إما ننهزم فيهيننا أيما إهانة و قد يقتلنا...و نحو ذلك.
ثم جهروا بقولهم:" إن هذان لساحران"، و ترجيح ابن عطية لهذا يعود كما قلت للتعبير بلفظ النزاع و لو كان إسرارهم بقول واحد ألا و هو " إن هذان لساحران" لما كان هناك نزاع، و كذلك لاختلاف الفعل. و الله أعلم.
و يمكن القول أن إسرارهم و تناجيهم كان حول أراء مختلفة كما مثلت و من بين هذه الآراء إسرار بعضهم بأنهما ساحران، ثم إنهم جهروا بهذا القول حسما للنزاع و خوفا من فرعون و موافقة له في القول و تقوية لعزائمهم و تثبيطا لموسى و هارون و استنصارا بجمهور الحاضرين ..
مع أن القول: بأن قوله تعالى:" إن هذان لساحران" تفسير و بيان لما أسروا به، و أن هذا القول هو الذي تناجوا به قول قوي، و ممن قال به الحافظ ابن كثير و الإمام البغوي و العلامة السعدي تعالى.
و هذا عند التأمل خلاف ما رجحه ابن عطية تعالى، فعلى رأيه الكلام يكون مستأنفا لا بيانا.

و الله أعلم و أحكم