تدور الأفلاك دورتها، وتمر السنون مر السحاب، ويظلنا شهر رجب الخير، وللمسلمين مع رجب ذكريات وبطولات، ففيه كانت رحلة الإسراء والمعراج، وفيه كان خروج رسول الله في غزوة تبوك، وفيه كانت معركة اليرموك، وفيه كان دخول المسلمين إلى دمياط بعد جلاء الصليبيين عنها، وفيه كان فتح بيروت وتحريرها من قبضة الصليبيين، وفيه كان دخول السلطان الناصر صلاح الدين الأيوبي إلى القدس الشريف، حيث صلى الجمعة في المسجد الأقصى المبارك بعد 88 عامًا من الاحتلال الصليبي لها، وكان ذلك في ذكرى الإسراء والمعراج.

واليوم نقلب وإياكم عباد الله صفحات التاريخ الإسلامي المجيد إلى رجبَ من السنة التاسعة للهجرة لنعيش وإياكم أحداث غزوة العسرة التي تساقط فيها المنافقون وثبت فيها المؤمنون وذل فيها الكافرون وعز فيها المجاهدون ولنا فيها عبرة.
فبعد فتح مكة ودخول الناس في دين الله أفواجًا، بقي أمام المسلمين تهديد أكبر قوة عسكرية في ذلك الزمان لهم، وهي قوة الروم، فقد قتل الروم مبعوث رسول الله -- الحارث بن عمير الأزدي .
ثم بلغ رسولَ الله -- أن قيصر الروم يجهز جيشًا للقضاء على دولة المسلمين، وكان المسلمون في زمن عُسرة وفقر شديد وحر أشد وأقسى، لكنه لم يتوانى في هذه الظروف عن الخروج لقتال الروم قبل أن يجوسوا خلال ديار الإسلام.
ولهذا قرّر -- أن لا يمهل الروم حتى يزحفوا إلى دار الإسلام، فأعلن التأهب والتجهز للقتال، وبعث إلى القبائل من العرب، وإلى أهل مكة يستنفرهم، وكان من عادته إذا أراد غزوة يواري بغيرها، لكنه نظرًا لخطورة الموقف أعلن أن اللقاء سيكون مع الرومان في تبوك، حتى يميز الخبيث من الطيب، فالأمر عصيب، رحلة تحت أشعة الشمس الحارقة ورمال الصحراء الملتهبة.
وتسابق المسلمون في إنفاق الأموال لتجهيز الجيش، حتى بلغ ما أنفقه عثمان بن عفان - - وحده عشرة آلاف دينار وثلاثمائة بعير وخمسين فرسًا، فقال --: "اللهم ارض عن عثمان، فإني راضٍ عنه"، وجاء أبو بكر الصديق-- بكل ما لديه، وجاء عمر بن الخطاب-- بنصف ماله، وهكذا كان الصحابة: عبد الرحمن بن عوف، والعباس وطلحة وعاصم بن عدي--، كما أرسلت النساء بالذهب والحلي لتجهيز الجيش الإسلامي
هذا حال المؤمنين... أما المنافقون:
فكانوا يحاولون تثبيط الهمم فيقول بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر وغاب عنهم أن نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ

وخرج رسول الله للقتال بـ 30 ألف مقاتل، فلما سمع الروم بذلك فزعوا وولوا الأدبار واندحروا إلى حصونهم وقلاعهم فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ.

ولئن انقضت غزوة تبوك، فما انتهت دروسها وعبرها ومواعظها، ففي كل حدث منها عظة وعبرة، وأول هذه الدروس: أن الله كتب العزة والقوة لهذه الأمة، متى ما صدقت وأخلصت، فها هو جيش الإسلام يقف في وجه الكفر بكل قوته فيهزمه بإذن الله: وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ...
ومن هذه الدروس: أن العدو ما تسلل سابقاً ولاحقاً إلا من خلال زمرة المنافقين والعملاء ...
ومن هذه الدروس: أن مواجهة الأعداء، لا يشترط فيها تكافؤ القوى: يكفي المؤمنين أن يعدُّوا أنفسهم بما استطاعوا من قوة وثقة بالله، ويتعلقوا به، ويثبتوا، ويصبروا، وعندها يُنصروا.