اعتنى به: عمرو الشرقاوي
الحمد لله العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:
كنا قد وقفنا في اللقاء السابق عند قول الإمام الطبري - تعالى -: ((ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ بِالرَّأْيِ)) [1/73]([1]).
لا شك أن مقصود الإمام هو الرأي الذي ينشأ عن:
- غير علم.
- أو عن هوى .
وكلاهما صاد عن الحق، فالأول وردت به الآثار، والثاني يجعل الإنسان يترك الحق ليوافق هواه، ومعرفة الهوى أمر عزيز، ومرجعه إلى النفوس([2]) .
وقد أحببت أن أشير إلى أمثلة تدل على طريقة تعامل الأئمة مع هذه الآثار، فأقول:
بدأ الإمام الترمذي كتاب التفسير الذي عنون له بقوله: ((أَبْوَابُ تَفْسِيرِ الْقُرْآنِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ))([3]).
قال([4]): ((بَابُ مَا جَاءَ فِي الَّذِي يُفَسِّرُ القُرْآنَ بِرَأْيِهِ ...،
وبإسناده، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»، «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ».
وبإسناده، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «اتَّقُوا الحَدِيثَ عَنِّي إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ، فَمَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، وَمَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»: «هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ».
وبإسناده: عَنْ جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي القُرْآنِ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ فَقَدْ أَخْطَأَ»: «هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ، وَقَدْ تَكَلَّمَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ فِي سُهَيْلِ بْنِ أَبِي حَزْمٍ.)) .
فأورد الحديثين اللذين أوردهما الإمام الطبري، ثم علق برأيه الحديثي، وقال بعد ذلك: ((وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ، أَنَّهُمْ شَدَّدُوا فِي هَذَا فِي أَنْ يُفَسَّرَ القُرْآنُ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَأَمَّا الَّذِي رُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُمْ فَسَّرُوا القُرْآنَ، فَلَيْسَ الظَّنُّ بِهِمْ أَنَّهُمْ قَالُوا فِي القُرْآنِ أَوْ فَسَّرُوهُ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَوْ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا قُلْنَا، أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ))([5]).
ثم أورد بسنده، عن معمر، عَنْ قَتَادَةَ، قَالَ: «مَا فِي القُرْآنِ آيَةٌ إِلَّا وَقَدْ سَمِعْتُ فِيهَا شَيْئًا»، وبإسناده، قَالَ مُجَاهِدٌ: «لَوْ كُنْتُ قَرَأْتُ قِرَاءَةَ ابْنِ مَسْعُودٍ لَمْ أَحْتَجْ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ كَثِيرٍ مِنَ القُرْآنِ مِمَّا سَأَلْتُ»([6]).
وقد أورد - - هذه الأحاديث في هذا الباب مورد المحتج بها، مع معرفته بما فيها من إشكالات من جهة السند.
وكذلك فعل النسائي - -([7])، في كتاب: فَضَائِلِ الْقُرْآنِ، باب: مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ .
((وبإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
وأورد حديث جندب السابق)) .
وقد أوردها البيهقي في الشعب، وعلق عليها بقوله: ((وَهَذَا إِنْ صَحَّ، فَإِنَّمَا أَرَادَ وَاللهُ أَعْلَمُ الرَّأْيَ الَّذِي يَغْلِبُ عَلَى الْقَلْبِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ قَامَ عَلَيْهِ، فَمِثْلُ هَذَا الَّذِي لَا يَجُوزُ الْحُكْمُ بِهِ فِي النَّوَازِلِ، فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِهِ، وَأَمَّا الرَّأْيُ الَّذِي يَشُدُّهُ بُرْهَانٌ فَالْحُكْمُ بِهِ فِي النَّوَازِلِ جَائِزٌ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ بِهِ جَائِزٌ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى أَيْضًا فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ...))([8]).
وأورد كذلك حديث أبو بكر الصديق : «أي أرض تقلني، وأي سماء تظلني، إذا قلت في القرآن ما لا أعلم».
ثم أورد فصلًا فِي تَرْكِ التَّفْسِيرِ بِالظَّنِّ ، وذكر فيه قوله تعالى: قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن .. وأورد بعدها هذه الأحاديث([9]).
وأورد البغوي في تفسيره حديث ابن عباس، وعنون له بقوله: ((فَصْلٌ فِي وَعِيدِ مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِرَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمٍ))([10]).
وفي شرح السنة، باب: ((مَنْ قَالَ فِي الْقُرْآنِ بِغَيْرِ عِلْمٍ))([11]).
والمقصود من ذلك؛
أن نرى كيف تعامل أهل العلم مع هذه الأحاديث مع معرفتهم بضعف مخرجها، فهي بالصناعة الحديثية فيها إشكال، ولكن العلماء قبلوا المعنى الذي في هذه الأحاديث، وهو معنى صحيح معتبر له شواهده من الكتاب والسنة([12]).
[1/74 - 76]
قال الطبري: ((ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَنْ كَانَ يُفَسِّرْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ .
وبإسناده، عَنْ شَقِيقٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يُعْرَفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ».
وبإسناده، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ، كَانُوا يُقْرِؤُنَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُسْتَقْرَئُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُخْلِفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ، فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا».
وبإسناده: عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرَهُ، مَا نَزَلَتْ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ».
وبإسناده: عَنْ مَسْرُوقٍ، قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ «يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ، ثُمَّ يُحَدِّثُنَا فِيهَا، وَيُفَسِّرُهَا عَامَّةَ النَّهَارِ».
وبإسناده، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: " اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْحَجِّ، قَالَ: فَخَطَبَ النَّاسَ خِطْبَةً، لَوْ سَمِعَهَا التُّرْكُ وَالرُّومُ لَأَسْلَمُوا، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ النُّورِ، فَجَعَلَ يُفَسِّرُهَا ".
وبإسناده، عَنْ أَبِي وَائِلٍ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ، قَالَ: " قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَجَعَلَ يُفَسِّرُهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ سَمِعَتِ هَذَا الدَّيْلَمُ لَأَسْلَمَتْ ".
وبإسناده، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، ثُمَّ لَمْ يُفَسِّرْهُ، كَانَ كَالْأَعْمَى
([13])
، أَوْ كَالْأَعْرَابِي».
وبإسناده، قَالَ أَبُو وَائِلٍ: «وَلِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْمَوْسِمَ، فَخَطَبَهُمْ فَقَرَأَ عَلَى الْمِنْبَرِ سُورَةَ النُّورِ، وَاللَّهِ لَوْ سَمِعَهَا التُّرْكُ لَأَسْلَمُوا» فَقِيلَ لَهُ: حَدِّثْنَا بِهِ عَنْ عَاصِمٍ. فَسَكَتَ.
وبإسناده، عَنْ شَقِيقٍ، قَالَ: «شَهِدْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ وَوَلِيَ الْمَوْسِمَ، فَقَرَأَ سُورَةَ النُّورِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَفَسَّرَهَا، لَوْ سَمِعَتِ الرُّومُ لَأَسْلَمَتْ».)) .
التعليق:
قول الطبري: ((ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَنْ كَانَ يُفَسِّرْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ .)) .
إذا نظرنا إلى هذا الباب مع الباب قبله، والذي كان في النهي عن القول في تأويل القرآن بالرأي، دلنا: على أن هناك من يقول في القرآن بعلم، والذين يفسرونه من الصحابة ليس عندهم في جميع القرآن أثر عن النبي .
فقد قالوا في القرآن باجتهادهم، وهو ضرب من الرأي المحمود إذ هو صادر عن علم .
تنبيه: بعض من يتكلم اليوم في تفسير القرآن يظن أنه يستطيع الوصول إلى معاني القرآن، وهو في الحقيقة بعيد عن هذا أشد البعد - وإن ظن نفسه عالمًا -، وهذا من القول على الله بلا علم .
ولا بد من معرفة أن كل علم من العلوم له منهجيته وأصوله، فإذا لم يسلك المتكلم المنهجية ولم يعرف الأصول فالأحرى به السكوت .
والوصول للمعاني ليس بالأمر الهين، وكثير من الثقافة الذهنية العصرية تؤثر على بعض طلبة العلم، فتصرف الذهن إلى معان لا يدل عليها اللفظ القرآني.
ولا بد من معرفة كلام السلف والتفقه في مراداتهم، ومعرفة أصولهم = قبل الهجوم على الأقوال بحجة الاجتهاد ونحو ذلك .

قول الطبري: ((ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي رُوِيَتْ فِي الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَمَنْ كَانَ يُفَسِّرْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ .
وبإسناده، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يُعْرَفَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ».
وبإسناده، عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: «حَدَّثَنَا الَّذِينَ، كَانُوا يُقْرِؤُنَنَا أَنَّهُمْ كَانُوا يُسْتَقْرَئُونَ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَكَانُوا إِذَا تَعَلَّمُوا عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُخْلِفُوهَا حَتَّى يَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا مِنَ الْعَمَلِ، فَتَعَلَّمْنَا الْقُرْآنَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا».)) .
ذكر الطبري في هذا الباب أمران:
1. الآثار الواردة في الحض على تعلم التفسير .
2. المفسرون من الصحابة .
والطريقة التي ذكرها ابن مسعود في تعلم التفسير معروفة عن الصحابة رضوان الله عليهم، وهو أنهم كانوا يتعلمون عشرًا عشرًا([14]) .
وفي الطبقات التالية، كان هناك من يعلم عشرين عشرين، ومن يعلم خمسًا خمسًا .
وهذا يدلنا على أن ندع المسألة لحال كل شخص، واستيعابه .
وأما قول ابن مسعود: «وَالَّذِي لَا إِلَهَ غَيْرَهُ، مَا نَزَلَتْ آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ، إِلَّا وَأَنَا أَعْلَمُ فِيمَ نَزَلَتْ، وَأَيْنَ نَزَلَتْ، وَلَوْ أَعْلَمُ مَكَانَ أَحَدٍ أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنِّي تَنَالُهُ الْمَطَايَا لَأَتَيْتُهُ».
فهذا يدل على حرصه رضي الله عنه على تعلم علم القرآن، وقد قال هذا أمام جمع من الصحابة، ولم ينكر عليه أحد فيما قاله عن علمه بكتاب الله، وهذه موافقة منهم على ما قال .
ودل قول مَسْرُوقٍ، كَانَ عَبْدُ اللَّهِ «يَقْرَأُ عَلَيْنَا السُّورَةَ، ثُمَّ يُحَدِّثُنَا فِيهَا، وَيُفَسِّرُهَا عَامَّةَ النَّهَارِ» = على حرص ابن مسعود على تعليم التفسير لطلابه، وهذا يدخل في موضوع: مجالس التفسير عند الصحابة .
ثم أورد بإسناده عن شقيق قوله: "اسْتَعْمَلَ عَلِيٌّ ابْنَ عَبَّاسٍ عَلَى الْحَجِّ، قَالَ: فَخَطَبَ النَّاسَ خِطْبَةً، لَوْ سَمِعَهَا التُّرْكُ وَالرُّومُ لَأَسْلَمُوا، ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْهِمْ سُورَةَ النُّورِ، فَجَعَلَ يُفَسِّرُهَا".
وكذلك قوله: " قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ سُورَةَ الْبَقَرَةِ، فَجَعَلَ يُفَسِّرُهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: لَوْ سَمِعَتِ هَذَا الدَّيْلَمُ لَأَسْلَمَتْ ".
وهذه الروايات تخبر عن استعمال علي بن أبي طالب لابن عباس في موسم الحج - في حدود سنة خمس وثلاثين إلى سنة أربعين - وكان ابن عباس في خطبة عرفة يقرأ على الناس سورة النور ويفسرها لهم، وهذا يدل على عناية الصحابة على تعليم التفسير للتابعين ولعامة الناس.
وقولهم: لَوْ سَمِعَهَا التُّرْكُ وَالرُّومُ لَأَسْلَمُوا، دال على جودة ما سمعوه من ابن عباس.
وذكر بإسناده عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ لَمْ يُفَسِّرْهُ، كَانَ كَالْأَعْجمي، أَو كَالْأَعْرَابِي» وهذا في الْحَضِّ عَلَى الْعِلْمِ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ، وينبه فيه إلى أن قارئ القرآن يجب عليه أن يعرف معانيه.
[1/76 - 78]
قال الطبري: ((قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَفِي حَثِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي آيِ الْقُرْآنِ، مِنَ الْمَوَاعِظِ وَالتِّبْيَانِ، بِقَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ، لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 28] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ عِبَادَهُ، وَحَثَّهُمْ فِيهَا، عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِ آيِ الْقُرْآنِ، وَالِاتِّعَاظِ بِمَوَاعِظِهِ، مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ تَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ تَأْوِيلَهُ مِنْ آيَاتٍ([15])، لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَا يَفْهَمْ مَا يُقَالُ لَهُ وَلَا يَعْقِلُ تَأْوِيلَهُ: اعْتَبِرْ بِمَا لَا فَهْمَ لَكَ بِهِ، وَلَا مَعْرِفَةَ مِنَ الْقِيلِ وَالْبَيَانِ إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِأَنْ يَفْهَمَهُ وَيَفْقَهَهُ، ثُمَّ يَتَدَبَّرَهُ وَيَعْتَبِرَ بِهِ. فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ، فَمُسْتَحِيلٌ أَمْرُهُ بِتَدَبُّرِهِ. وَهُوَ بِمَعْنَاهُ جَاهِلٌ، كَمَا مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِبَعْضِ أَصْنَافِ الْأُمَمِ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ كَلَامَ الْعَرَبِ وَلَا يَفْهَمُونَهُ. لَوْ أُنْشِدَتْ قَصِيدَةُ شِعْرٍ مِنْ أَشْعَارِ بَعْضِ الْعَرَبِ، ذَاتُ أَمْثَالٍ وَمَوَاعِظَ وَحِكَمٍ: اعْتَبِرْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْأَمْثَالِ، وَادَّكَّرْ بِمَا فِيهَا مِنَ الْمَوَاعِظِ إِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ لَهَا بِفَهْمِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَمَعْرِفَتِهِ، ثُمَّ الِاعْتِبَارُ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ مَا فِيهَا مِنَ الْحِكَمِ، فَأَمَّا وَهِيَ جَاهِلَةٌ بِمَعَانِي مَا فِيهَا مِنَ الْكَلَامِ وَالْمَنْطِقِ؛ فَمُحَالٌ أَمْرُهَا بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ مَعَانِي مَا حَوَتْهُ مِنَ الْأَمْثَالِ وَالْعِبَرِ. بَلْ سَوَاءٌ أَمْرُهَا بِذَلِكَ وَأَمْرُ بَعْضِ الْبَهَائِمِ بِهِ، إِلَّا بَعْدَ الْعِلْمِ بِمَعَانِي الْمَنْطِقِ وَالْبَيَانِ الَّذِي فِيهَا. فَكَذَلِكَ مَا فِي آيِ كِتَابِ اللَّهِ، مِنَ الْعِبَرِ وَالْحِكَمِ وَالْأَمْثَالِ وَالْمَوَاعِظِ، لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: اعْتَبِرْ بِهَا، إِلَّا لِمَنْ كَانَ بِمَعَانِي بَيَانِهِ عَالِمًا، وَبِكَلَامِ الْعَرَبِ عَارِفًا، وَإِلَّا بِمَعْنَى الْأَمْرِ لِمَنْ كَانَ بِذَلِكَ مِنْهُ جَاهِلًا، أَنْ يَعْلَمَ مَعَانِي كَلَامِ الْعَرَبِ، ثُمَّ يَتَدَبَّرُهُ بَعْدُ، وَيَتَّعِظُ بِحِكَمِهِ وَصُنُوفِ عِبَرِهِ.
فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، قَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِهِ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آيُهُ جَاهِلًا. وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِذَلِكَ، إِلَّا وَهُمْ بِمَا يَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ عَالِمُونَ، صَحَّ أَنَّهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ عِلْمَهُ مِنْ آيِةِ، الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْهُ دُونَ خَلْقِهِ، الَّذِي قَدْ قَدَّمْنَا صِفَتَهُ آنِفًا عَارِفُونَ. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ، فَسَدَ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ، مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْ خَلْقِهِ تَأْوِيلَهُ.)).
التعليق: قوله: "وَفِي حَثِّ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِمَا فِي آيِ الْقُرْآنِ" إلى قوله: " مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ تَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ تَأْوِيلَهُ مِنْ آيَاتٍ " ذكر الإمام هذه النتيجة - وهي التي أراد الوصول إليها - بعد ذكر الكلام في الحَضِّ على العِلمِ بالتفسير، وذكر أقوال الصحابة والتابعين التي تدل على هذا، ثم بعد ذلك ذهب لاستنطاق نصوص القرآن لُيخرج هذا المعنى منها، فكأنه استدلال بالآثار من جهة ثم استدلال بالرأي المبني على هذه النصوص؛ لأن الله تعالى يقول: كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ وَقَوْلِهِ: وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [الزمر: 28] ونحن لا نستطيع أن نتدبر القرآن ونحن لا نعرف معانيه، ولهذا قال:" مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلَيْهِمْ مَعْرِفَةَ تَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ تَأْوِيلَهُ مِنْ آيَهِ" فهذه الآيات دالة بطريق اللزوم على ضرورة معرفة المعاني.
ثم أشار إلى قاعدة كلية مهمة في هذا، وهي: أنه لا يمكن التدبر بلا فهم، قال:
لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يُقَالَ لِمَنْ لَا يَفْهَمْ مَا يُقَالُ لَهُ وَلَا يَعْقِلُ تَأْوِيلَهُ: اعْتَبِرْ بِمَا لَا فَهْمَ لَكَ بِهِ، وَلَا مَعْرِفَةَ مِنَ الْقِيلِ وَالْبَيَانِ إِلَّا عَلَى مَعْنَى الْأَمْرِ بِأَنْ يَفْهَمَهُ وَيَفْقَهَهُ، ثُمَّ يَتَدَبَّرَهُ وَيَعْتَبِرَ بِهِ.
والناس طبقات في تدبر الكلام، فليس الأعجمي كالعربي، وليس العالم كالعامي، والعلماء أيضًا طبقات في فهم كتاب الله تعالى، فهناك من الآيات ما هو مشكل خفي، ومنها ما هو ظاهر جلي .
ثم قال: " فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، قَدْ أَمَرَ عِبَادَهُ بِتَدَبُّرِهِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاعْتِبَارِ بِأَمْثَالِهِ، كَانَ مَعْلُومًا أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ مَنْ كَانَ بِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ آيُهُ جَاهِلًا. وَإِذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَأْمُرَهُمُ بِذَلِكَ، إِلَّا وَهُمْ بِمَا يَدُلُّهُمْ عَلَيْهِ عَالِمُونَ، صَحَّ أَنَّهُمْ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْهُمْ عِلْمَهُ مِنْ آيِهِ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ مِنْهُ دُونَ خَلْقِهِ، الَّذِي قَدْ قَدَّمْنَا صِفَتَهُ آنِفًا عَارِفُونَ. وَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ، فَسَدَ قَوْلُ مَنْ أَنْكَرَ تَفْسِيرَ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَتَنْزِيلِهِ، مَا لَمْ يَحْجُبْ عَنْ خَلْقِهِ تَأْوِيلَهُ ".
وهذا تقعيدٌ منطقي، فمادام الله قد أمر بالتدبر، وفتح ذلك لنا في كتابه، ولا يمكن للمرء أن يتدبر مادام جاهلاً، إذا لابد أن يكون عالمًا عارفًا .
[1/78 - 84]
قال الطبري: ((ذِكْرُ بَعْضِ الْأَخْبَارِ الَّتِي غَلَطَ فِي تَأْوِيلِهَا مُنْكِرُو الْقَوْلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ.
فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ، قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثَمَةَ، قَالَ: حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْرِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا آيًا تُعَدُّ، عَلَّمَهُنَّ إِيَّاهُ جِبْرِيلُ».
وبإسناده، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُفَسِّرُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ، إِلَّا آيًا تُعَدُّ، عَلَّمَهُنَّ إِيَّاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ».
وبإسناده، عن عُبَيْد اللَّهِ بْن عُمَرَ، قَالَ: «لَقَدْ أَدْرَكَتُ فُقَهَاءَ الْمَدِينَةِ، وَإِنَّهُمْ لَيُعَظَّمُونَ الْقَوْلَ فِي التَّفْسِيرِ، مِنْهُمْ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ، وَنَافِعٌ».
وبإسناده، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ رَجُلًا، يَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ آيَةٍ، مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «لَا أَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا».
وبإسناده، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ: " أَنَّهُ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، قَالَ: أَنَا لَا أَقُولُ فِي الْقُرْآنِ شَيْئًا ".
وبإسناده، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ «أَنَّهُ كَانَ لَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِي الْمَعْلُومِ مِنَ الْقُرْآنِ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَأَلْتُ عَبِيدَةَ السَّلْمَانِيَّ عَنْ آيَةٍ، قَالَ: «عَلَيْكَ بِالسَّدَادِ فَقَدْ ذَهَبَ الَّذِينَ عَلِمُوا فِيمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ».
وبإسناده، عَنْ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَأَلْتُ عُبَيْدَةَ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «ذَهَبَ الَّذِينَ كَانُوا يَعْلَمُونَ فِيمَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ، اتَّقِ اللَّهَ، وَعَلَيْكَ بِالسَّدَادِ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ: «سُئِلَ عَنْ آيَةٍ لَوْ سُئِلَ عَنْهَا بَعْضُكُمْ لَقَالَ فِيهَا، فَأَبَى أَنْ يَقُولَ فِيهَا».
وبإسناده، عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ، قَالَ: جَاءَ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ، إِلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَسَأَلَهُ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَقَالَ لَهُ: " أُحَرِّجُ عَلَيْكَ إِنْ كُنْتَ مُسْلِمًا لَمَّا قُمْتَ عَنِّي أَوْ قَالَ: أَنْ تُجَالِسَنِي ".
وبإسناده، عن يَزِيد بْن أَبِي يَزِيدَ، قَالَ: «كُنَّا نَسْأَلُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَكَانَ، أَعْلَمَ النَّاسِ، وَإِذَا سَأَلْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، سَكَتَ كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْ».
وبإسناده، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ، قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ آيَةٍ مِنَ الْقُرْآنِ، فَقَالَ: «لَا تَسْأَلْنِي عَنْ آيَةٍ، مِنَ الْقُرْآنِ، وَسَلْ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهُ» يَعْنِي عِكْرِمَةَ.
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ: «وَاللَّهِ مَا مِنْ آيَةٍ إِلَّا قَدْ سَأَلْتُ عَنْهَا، وَلَكِنَّهَا الرِّوَايَةُ عَنِ اللَّهِ».
وبإسناده، عَنْ صَالِحٍ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي رَجُلٌ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: " ثَلَاثٌ لَا أَقُولُ فِيهِنَّ حَتَّى أَمُوتَ: الْقُرْآنُ، وَالرُّوحُ، وَالرَّأْيُ". وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ ",
قِيلَ لَهُ: أَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُصَحِّحٌ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي الْبَابِ الْمَاضِي قَبْلُ، وَهُوَ أَنَّ مِنَ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، مَا لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ يُفَصِّلُ جُمَلَ مَا فِي آيِهِ، مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ، وَسَائِرِ مَعَانِي شَرَائِعِ دِينِهِ، الَّذِي هُوَ مُجْمَلٌ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَبِالْعِبَادِ إِلَى تَفْسِيرِهِ الْحَاجَةُ، لَا يُدْرَكُ عِلْمُ تَأْوِيلِهِ إِلَّا بِبَيَانٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَحْوِيهِ أَيُ الْقُرْآنِ، مِنْ سَائِرِ حُكْمِهِ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ بَيَانَهُ لِخَلْقِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، بِوَحْيِهِ إِلَيْهِ، إِمَّا مَعَ جِبْرِيلَ، أَوْ مَعَ مَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ إِلَيْهِ. فَذَلِكَ هُوَ الْآيُ، الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُفَسِّرُهَا لِأَصْحَابِهِ، بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ إِيَّاهُ، وَهُنَّ لَا شَكَّ أَيٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ. وَمِنْ أَيِ الْقُرْآنِ، مَا قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، اسْتَأْثَرَ بِعِلْمِ تَأْوِيلِهِ، فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَى عَلِمِهِ مَلَكًا مُقَرَّبًا، وَلَا نَبِيًّا مُرْسَلًا، وَلَكِنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِأَنَّهُ مِنْ عِنْدِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. فَأَمَّا مَا لَا بُدَّ لِلْعِبَادِ مِنْ عِلْمِ تَأْوِيلِهِ، فَقَدْ بَيَّنَ لَهُمْ نَبِيَّهُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَيَانِ اللَّهِ ذَلِكَ لَهُ بِوَحْيِهِ مَعَ جِبْرِيلَ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَيَانِهِ لَهُمْ، فَقَالَ لَهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: 44] . وَلَوْ كَانَ تَأْوِيلُ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَا يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ هُوَ مَا يَسَبِقُ إِلَيْهِ أَوْهَامُ أَهْلِ الْغَبَاءِ، مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ إِلَّا الْقَلِيلَ مِنْ آيِهِ، وَالْيَسِيرَ مِنْ حُرُوفِهِ، كَانَ إِنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الذِّكْرُ، لِيَتْرُكَ لِلنَّاسِ بَيَانَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ، لَا لِيُبَيِّنَ لَهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ. وَفِي أَمْرِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بِبَلَاغِ مَا أَنْزَلَ إِلَيْهِ، وَإِعْلَامِهِ إِيَّاهُ، أَنَّهُ إِنَّمَا نَزَّلَ إِلَيْهِ مَا أَنْزَلَ، لِيُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ، وَقِيَامِ الْحِجَّةِ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَدْ بَلَّغَ فَأَدَّى، مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِبَلَاغِهِ وَأَدَائِهِ، عَلَى مَا أَمَرَهُ بِهِ، وَصِحَّةُ الْخَبَرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لِقِيلِهِ: «كَانَ الرَّجُلُ مِنَّا إِذَا تَعَلَّمَ عَشْرَ آيَاتٍ، لَمْ يُجَاوِزْهُنَّ حَتَّى يَعْلَمَ مَعَانِيَهُنَّ وَالْعَمَلَ بِهِنَّ» مَا يُنْبِئُ عَنْ جَهْلِ مَنْ ظَنَّ أَوْ تَوَهَّمَ، أَنَّ مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ، هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُبَيِّنُ لِأُمَّتِهِ مِنْ تَأْوِيلِهِ إِلَّا الْيَسِيرَ الْقَلِيلَ مِنْهُ. هَذَا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي إِسْنَادِهِ، الَّتِي لَا يَجُوزُ مَعَهَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ عَلِمَ صَحِيحَ سَنَدِ الْآثَارِ وَفَاسِدَهَا فِي الدِّينِ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ فِي أَهْلِ الْآثَارِ، وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْرِيُّ. وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ مِنَ التَّابِعِينَ، بِإِحْجَامِهِ عَنِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ فِعْلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَفِعْلِ مَنْ أَحْجَمَ مِنْهُمْ عَنِ الْفُتْيَا فِي النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ، مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ إِكْمَالِ الدِّينِ بِهِ لِعِبَادِهِ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ وَحَادِثَةٍ، حُكْمًا مَوْجُودًا، بِنَصٍّ أَوْ دَلَالَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ إِحْجَامُهُ عَنِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، إِحْجَامَ جَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ، وَلَكِنْ إِحْجَامَ خَائِفٍ، أَنْ لَا يَبْلُغَ فِي اجْتِهَادِهِ، مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى إِحْجَامِ مَنْ أَحْجَمَ عَنِ الْقِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَتْفِسِيرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّلَفِ، إِنَّمَا كَانَ إِحْجَامُهُ عَنْهُ حَذَارَ أَنْ لَا يَبْلُغَ أَدَاءَ مَا كُلِّفَ مِنْ إِصَابَةِ صَوَابِ الْقَوْلِ فِيهِ، لَا عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَحْجُوبٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .)).

التعليق:
قوله: " فَإِنْ قَالَ لَنَا قَائِلٌ: فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ فِيمَا حَدَّثَكُمْ بِهِ" إلى قوله: " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ" هذا فيه تنبيه على أسلوب الطبري، حيث ذكر كل هذا ضمن السؤال، ثم ختمه: " وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ" فأورد الأخبار التي تُشعر بالتغليظ في تأويل القرآن.
قوله: ".. مَعْنَى الْخَبَرِ الَّذِي ذَكَرْنَا، عَنْ عَائِشَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يُفَسِّرْ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ ، هُوَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُبَيِّنُ لِأُمَّتِهِ مِنْ تَأْوِيلِهِ إِلَّا الْيَسِيرَ الْقَلِيلَ مِنْهُ. هَذَا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي إِسْنَادِهِ الَّتِي لَا يَجُوزُ مَعَهَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ عَلِمَ صَحِيحَ سَنَدِ الْآثَارِ وَفَاسِدَهَا فِي الدِّينِ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ فِي أَهْلِ الْآثَارِ، وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْرِيُّ".
هنا انتهى تعليقه- - على حديث عائشة، وبين - - أنه عند لو كان المراد أنه لم يفسر للناس إلا عدد من الآي، فسيكون هناك مناقضة بين هذا الحديث وبين قوله تعالى: وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ.. الآية، وكأنه قصر في البلاغ وهو ليس كذلك.
قول الطبري: ((: أَمَّا الْخَبَرُ الَّذِي رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُفَسِّرُ مِنَ الْقُرْآنِ شَيْئًا إِلَّا آيًا تُعَدُّ، فَإِنَّ ذَلِكَ مُصَحِّحٌ مَا قُلْنَا مِنَ الْقَوْلِ فِي الْبَابِ الْمَاضِي قَبْلُ، وَهُوَ أَنَّ مِنَ تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، مَا لَا يُدْرَكُ عِلْمُهُ إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَذَلِكَ يُفَصِّلُ جُمَلَ مَا فِي آيِهِ، مِنْ أَمْرِ اللَّهِ وَنَهْيِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَحُدُودِهِ وَفَرَائِضِهِ، وَسَائِرِ مَعَانِي شَرَائِعِ دِينِهِ، الَّذِي هُوَ مُجْمَلٌ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ، وَبِالْعِبَادِ إِلَى تَفْسِيرِهِ الْحَاجَةُ، لَا يُدْرَكُ عِلْمُ تَأْوِيلِهِ إِلَّا بِبَيَانٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، عَلَى لِسَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا تَحْوِيهِ أَيُ الْقُرْآنِ، مِنْ سَائِرِ حُكْمِهِ، الَّذِي جَعَلَ اللَّهُ بَيَانَهُ لِخَلْقِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَأْوِيلَ ذَلِكَ، إِلَّا بِبَيَانِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَا يَعْلَمُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا بِتَعْلِيمِ اللَّهِ إِيَّاهُ ذَلِكَ، بِوَحْيِهِ إِلَيْهِ، إِمَّا مَعَ جِبْرِيلَ، أَوْ مَعَ مَنْ شَاءَ مِنْ رُسُلِهِ إِلَيْهِ. فَذَلِكَ هُوَ الْآيُ، الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يُفَسِّرُهَا لِأَصْحَابِهِ، بِتَعْلِيمِ جِبْرِيلَ إِيَّاهُ، وَهُنَّ لَا شَكَّ أَيٌ ذَوَاتُ عَدَدٍ.)).
قد استفاد من هذا الخبر مع تضعيفه له([16])، أنه غير معارض لما ذكره قبل ذلك، وأنه داخل في بيان القرآن بما أنزل الله إليه من الذكر .
ثم ذكر بعد ذلك وجه الخطأ في فهم معنى الحديث، مع تضعيفه .
فائدة: للطبري منهج خاص في نقد الأسانيد يحسن أن يبحث، ونقده للأحاديث على طريقتين:
1- إما بالنص على نقد الإسناد مباشرة - كالمثال الذي معنا - .
2- أو بالاستدلال بالحديث في آخر المسألة أو وسطها، وعدم جعله أصلًا في المسألة، وهذا دليل على ضعفه عنده.
* أما إذا كان صحيحًا عنده، فعلى طريقتين أيضًا:
1- إما أن يجعله في أول المسألة، مثال: القول في أسماء فاتحة الكتاب، وأورد حديثًا .
2- أو يذكر الخبر في أوجه ترجيحه.
وأما قوله: ((وَأَمَّا الْأَخْبَارُ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَمَّنْ ذَكَرْنَاهَا عَنْهُ مِنَ التَّابِعِينَ، بِإِحْجَامِهِ عَنِ التَّأْوِيلِ، فَإِنَّ فِعْلَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ، كَفِعْلِ مَنْ أَحْجَمَ مِنْهُمْ عَنِ الْفُتْيَا فِي النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ، مَعَ إِقْرَارِهِ بِأَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ، لَمْ يَقْبِضْ نَبِيَّهُ إِلَيْهِ إِلَّا بَعْدَ إِكْمَالِ الدِّينِ بِهِ لِعِبَادِهِ، وَعِلْمِهِ بِأَنَّ لِلَّهِ فِي كُلِّ نَازِلَةٍ وَحَادِثَةٍ، حُكْمًا مَوْجُودًا، بِنَصٍّ أَوْ دَلَالَةٍ، فَلَمْ يَكُنْ إِحْجَامُهُ عَنِ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ، إِحْجَامَ جَاحِدٍ أَنْ يَكُونَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِ عِبَادِهِ، وَلَكِنْ إِحْجَامَ خَائِفٍ، أَنْ لَا يَبْلُغَ فِي اجْتِهَادِهِ، مَا كَلَّفَ اللَّهُ الْعُلَمَاءَ مِنْ عِبَادِهِ فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَعْنَى إِحْجَامِ مَنْ أَحْجَمَ عَنِ الْقِيلِ فِي تَأْوِيلِ الْقُرْآنِ، وَتْفِسِيرِهِ مِنَ الْعُلَمَاءِ السَّلَفِ، إِنَّمَا كَانَ إِحْجَامُهُ عَنْهُ حَذَارَ أَنْ لَا يَبْلُغَ أَدَاءَ مَا كُلِّفَ مِنْ إِصَابَةِ صَوَابِ الْقَوْلِ فِيهِ، لَا عَلَى أَنَّ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مَحْجُوبٌ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ غَيْرُ مَوْجُودٍ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ .)) .
التعليق:

هذه الآثار وردت في طبقة التابعين، ولم يقع من أحد الصحابة إحجام كلي عن القول في التفسير، وإنما وقع التفاوت بينهم في فهم القرآن، فيقف الواحد منهم على ما لا يعلم .
وقد ثبت عن ابن عباس - وهو من أكثرهم تعرضًا للتفسير - توقف في فهم بعض الآيات .
أما من ظهر فيهم التوقف عن التفسير، فقد وقع في مدينتين:
1. بعض علماء أهل المدينة .
2. بعض علماء أهل الكوفة .
أما غيرهم من التابعين فلم يُذكر عنهم أنهم سلكوا هذا المسلك، مثل من كانوا في مكة أو البصرة، كسعيد بن جبير والحسن البصري وأبو العالية وعطاء ومجاهد وعكرمة والشعبي والنخعي، وغيرهم.
ويمكن أن يصنف جمهور التابعين على ذلك.
وبعضهم كان لا يتكلم إلا في المعلوم، أي: ما ورد فيه أثر، كسعيد بن المسيب([17]) .
والذين ورد عنهم التحرج في التفسير، كانوا على طريقتين:
1. من لا يذكر له رأي في التفسير .
2. من كان يغلب عليه التحرج، مع ورود آثار لهم في التفسير، وتحرجهم ليس في التفسير فقط بل حتى في النوازل الفقهية.
إذًا خلاصة هذا الباب هو:

الرد على من أنكر على المفسرين الاجتهاد في التفسير، والقول في كتاب الله بعلم.
وذكر لهم حجتين كليتين:
الحجة الأولى: الحديث الذي ذكرته عائشة وقد ضعفه، ولو صح فإنه يدل عنده على ما قاله سابقًا.
الحجة الثانية: مجموعة من الآثار التي تدل على توقف أو زيادة تورع بعض التابعين في التفسير، ورد على هذا أيضًا.



(*) يمكن الاستماع للمحاضرة صوتيًا على هذا الرابط .
(1) تحدث الشيخ عن التفسير بالرأي، وضوابطه، في مقالات في علوم القرآن واصول التفسير، مقال بعنوان: التفسير بالرأي مفهومه .. حكمه .. أنواعه: (209).
وفي كتاب: فصول في أصول التفسير: (65) .
(2) يقول العلامة الشيخ عبدالرحمن اليماني: (وبالجملة فمسالك الهوى أكثر من أن تحصى، وقد جربت نفسي: إنني ربما أنظر في القضية زاعما أنه لا هوى لي، فيلوح لي فيها معنى فأقرره تقريرا يعجبني، ثم يلوح لي ما يخدش في ذاك المعنى فأجدني أتبرم بذلك الخادش، وتنازعني نفسي إلى تكلف الجواب عنه، وغض النظر عن مناقشة ذلك الجواب، و إنما هذا لأني لما قررت ذاك المعنى أولا تقريرا أعجبني صرت أهوى صحته، وهذا مع أنه لم يعلم بذلك أحد من الناس، فكيف إذا كنت قد أذعته في الناس ، ثم لاح لي خدش؟ فكيف لو لم يلح الخدش ولكن رجلا آخر اعترض علي به، فكيف إذا كان المعترض ممن أكرهه!).
(3) سنن الترمذي، ت: شاكر: (5/199) .
(4) السابق: (5/199)، الأحاديث رقم: (2950 - 2951 - 2952) .
(5) السابق: (5/200) .
(6) السابق: (5/200) .
(7) السنن الكبرى: (7/258)، ط. الرسالة، الأحاديث: (8030 - 8036) .
(8) شعب الإيمان: (3/540)، ح (2081) .
(9) شعب الإيمان: (3/538) .
(10) تفسير البغوي: (1/45) .
(11) شرح السنة: (257)، ح: (117)، وما بعده .
(12) قال الشيخ: وحديث جندب صالح للنقاش من الجهة الحديثية، ومن جهة معانيه، ومعرفة كيف تعامل العلماء مع مثل هذه الأحاديث.
(13) وفي نسخة: الأعجمي .
(14) قال الشيخ: ولكن هل هذه كانت الطريقة الوحيدة، أم أنها أغلبية ؟ محل بحث .
(15) نسخة القارئ: آيه .
(16) وذلك قوله: هَذَا مَعَ مَا فِي الْخَبَرِ، الَّذِي رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ، مِنَ الْعِلَّةِ الَّتِي فِي إِسْنَادِهِ، الَّتِي لَا يَجُوزُ مَعَهَا الِاحْتِجَاجُ بِهِ لِأَحَدٍ مِمَّنْ عَلِمَ صَحِيحَ سَنَدِ الْآثَارِ وَفَاسِدَهَا فِي الدِّينِ، لِأَنَّ رَاوِيَهُ مِمَّنْ لَا يُعْرَفُ فِي أَهْلِ الْآثَارِ، وَهُوَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزُّبَيْرِيُّ.
(17) قال شيخنا في موضع آخر: التورع في التفسير ظهر عند بعض السلف، وهذا التورع لم يظهر إلا في طبقة التابعين، وهو عند بعض علماء المدينة والكوفة فقط.
ويذكر عن سعيد بن المسيب، وله أقوال في التفسير، ويظهر أنه كان لا يجتهد فيما لم يبلغه فيه رواية عن الصحابة، وإلا لكان في الأمر تناقضًا، حيث ورد في تفسير الطبري حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: سمعت الليث يُحدِّث عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب: ((أنه كان لا يتكلَّم إلا في المعلوم من القرآن))، وعندي أن المراد بالمعلوم: ما كان عنده فيه رواية، لكي تتوافق الروايات الواردة عنه في عدم القول في التفسير، وفي الوارد عنه في التفسير، والله أعلم.
وهذا المذهب كان في هذه الطبقة فقط، ولم يكن في تابعيي مكة ولا البصرة ولا غيرهما سوى ما ذكرت.