الملحوظة الأولى : أن عمر هذا التيار تجاوز إلى يومنا هذا مئةَ عامٍ ، ولو تفحَّصتَ نتاجه الشرعي لما وجدت له أصولًا مُطَّردةً مُنضبطة يمكن أن يُّحَاكموا إليها ، وسبب ذلك منهجهم التلفيقي الذي اتبعوه في تقرير آرائهم ، إذ تجدهم يُعمِلون أصلاً في باب ثم لا يقولون به في باب آخر ، وفقاً لما تُفسحه لهم المفاهيم التي تبونَّها من الفلسفة الغربية ، ومن أحسن الشواهد على هذه الملاحظة : مسألة حُجِّيَّة السنة النبوية فطريقتهم في التعامل معها مضطربة متناقضة .
ولذا كان النتاج التنويريُّ نتاجًا هشًّا غيرَ مُهيء للصدام مع غيره ، والبيئةُ المناسبة لانتشاره هي البيئة التي يؤصِّل لها ، وهي بيئةُ الحرية لكل الأفكار ، أما بيئة المحاججة وتصادم الأفكار فمُهلكةٌ له .
الملحوظة الثانية : أنهم إلى الآن - مع انقضاء هذا الزمن الطويل - لم يُنتِجوا فقهًا مكتملاً يشمل جميع أحكام الشريعة ، بحيث يمكن الرجوع إليه في إقامةِ الشريعة في شُؤون الناس وتصرفاتهم ، وهذا يثير الشك في صدقهم في تبني مسألة إقامةِ الشريعةِ .
الملحوظة الثالثة : أن النَّاظر في نَتاجهم يجد أنهم سلكوا منهجَ التَّشكيكِ في دعائم الدين المستقرة ، ومنهجُ الشك في العلوم الشرعية ، منهجٌ هادمٌ للشريعةِ ، كما أن منهج الشك في العلوم العقليَّة منهجٌ هادم للحقيقة ، لأن الفقيه وظيفته معرفة مراد الله تعالى في الأمور العملية ، والمتكلم أو الفيلسوف وظيفته معرفة الحقيقة ، والشَّكَّاكُ هدَّامٌ يسير بمنهج مضادٍّ للفقيه والمتكلِّم .
وإذ كانوا يسلكون منهج الشك الهدمي ، فإن ذلك يفسر ما تقدم من عدم طرحهم بديلًا مكتملًا لإقامة الشريعة ، ويؤكد عدم صدقهم في تبنيهم إقامة الشريعة .
ومن شواهد منهج الشك لديهم : طريقة تعامُلِهم مع اختلاف الفقهاء ، إذ يجعلونه سلاحًا للطعن في الفقه الإسلامي ، وقد لاحظ الشيخ مصطفى صبري منهجهم هذا منذ وقت مبكر ؛ يقول : " الإعراض عن الفقه بالمرة بسبب المسائل التي اختلف فيها أئمَّةُ المذاهِب الإسلامية يشبه كون السوفسطائيين المنكرين لثبوت أية حقيقة وأية معرفة أخذوا أول أسلحتهم من وقوع الاختلاف بين آراء العقلاء - بل بين آراء عاقل واحد في أزمنة مختلفة - فأنكروا وجود الحقيقة فيما اتفقوا عليه أيضًا ، وفيما ثبتوا فيه أيضًا !! " .
«موقف العقل والعلم والعالم من رب العالمين» لمصطفى صبري (4/310) .
الملحوظة الرابعة : أنهم مع رفعهم شعارات التجديد ونبذ الجمود والتقليد ، فقد آل الأمر بهم إلى الوقوع في ما يذمونه ، فتجد لدى المتأخرين منهم تبعيَّةً للمتقدمين وتعصُّبًا لآرائهم ، وهذا وصفٌ يناقض ما يلزمُ المثقف العادي أن يَّتصف به من استقلالية الرأي وحرية البحث فضلاً عمن يرى نفسه مجددًا بل يجعل نفسه ندًّا لأئمة الإسلام .