بسم الله الرحمن الرحيم
قال أبو عثمان الجاحظ : ذكر لي شيخٌ من الإباضية أنه جرى عنده ذكر الشيعة يوماً فغضب وشتمهم ، وأنكر ذلك عليهم إنكارًا شديدًا .
قال : فأتيته يوما فسألته عن سبب إنكاره على الشيعة ولعنه لهم فقال : لمكان الشين في أول الكلمة ، لأني لم أجد ذلك قطّ إلا في مسخوط ، مثل : شومٍ وشرّ وشيطانٍ وشيصٍ وشحّ وشغبٍ وشعبٍ وشركٍ وشتمٍ وشقاقٍ وشطرنج وشينٍ وشانى وشحطٍ وشوصة وشوكٍ وشكوى وشنآن .
فقلت له : إن هذا كثير ، ما أظنّ أن القوم يقيم الله لهم علمًا مع هذا أبدًا !
هذه القصة ذكرها الإمام أبو عمر ابن عبد البر تعالى في كتابه بهجة المجالس وأنس المجالس (ص552) وبوب لها بقوله : " باب من أجوبة الحمقى ومراجعة السخفاء وألفاظ النّوكى والجهلاء " .
قال مقيده - عفا الله عنه - :
أهل المعرفة من جميع المذاهب يعدون أسلوب التشنيع أحط الأساليب في مجادلة الخصوم ، فهو يخرج بأهله إلى ما يقتضي السخرية بهم ، وجعلهم طرائف يتندر بها ، وهو دليل على انعدام الحجة والتعصب والجهل ، لذا اجتنبوه في مدوناتهم التي يقررون فيها اعتقاداتهم ، وعدوا المصير إليه عيبًا ونقصًا .
ومن ذلك قول القاضي أبي بكر الباقلاني في التمهيد (ص448) بعد أن ذكر أنه لا يصح الاعتماد على خبر الشيعة في النص على إمامة علي لافتقادهم شرط العدالة : " ونحن لا نعرف أحدا قال بالنص على علي إلا وهو يتبرأ من أبي بكر وعمر وسائر أهل الشورى سوى علي ويشتم الصحابة ويزري على أفعالهم ويزعم أنهم ارتدوا بعد الإسلام على أعقابهم ويضيف إلى ذلك مذاهب أخر نرغب عن ذكرها لئلا يظن قارىء كتابنا أنا نقصد الشناعة عليهم دون الاحتجاج على فساد قولهم " .
فانظر كيف حرص على تنزيه كتابه من التشنيع ، وأحب أن يمحضه للحجة والدليل .
وقال الشريف المرتضى في الشافي في الإمامة (1 / 38 ) بعد أن ذكر كلامًا للقاضي عبد الجبار وعده من السباب والتشنيع : " وقوله سباب وتشنيع على المذهب بما لا يرتضيه أهله من قول الشذاذ منهم .. وقل من يسلك هذه الطريقة ذو الفضل والتحصيل " .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (4 / 186) : " فإن الرد بمجرد الشتم والتهويل لا يعجز عنه أحد ، والإنسان لو أنه يناظر المشركين وأهل الكتاب : لكان عليه أن يذكر من الحجة ما يبين به الحق الذي معه والباطل الذي معهم " .
وقد كان حق أهل التشنيع في زماننا أن يكونوا طرائف في كتب الأدب ، ويبوب لأجوبتهم وردودهم بنظير تبويب ابن عبد البر المتقدم ، وأن يكون التأثير لأهل الحجة والدليل ، لا أن ينعكس الوضع ، فتجد الرواج لبضاعة التشنيع ، بينما تُهجر منابع الحجة وموارد العلم !!