شغلني سبر أغوار هذه المصطلحات؛ وإدراك حقيقة الفروق بينها؛ لا سيما وأنا أعتقد أنه لا ترادف تام بين لفظتين في العربية؛ فطالعت ما استطعت الوصول إليه من كتب اللغة والتفسير، وانتهيت إلى أمور؛ أسأل الله أن يكون قد حالفني الصواب فيها:

أولا: ربما يكون الفرق بين الاقتداء والتأسي أن التأسي أشمل كما وكيفا من حيث عمق وقوة المشابهة ومن حيث عدد وجوه المشابهة.

ثانيا: التأسي أشمل من الاتباع؛ حيث قد لا يستلزم الاتباع قناعة تامة بالمتبوع؛ فالتأسي اتباع شامل كامل مع محبة وقناعة ويقين في أحقية المتأسى به في الاتباع.
ولما كان الاتباع كركن من أركان التأسي يقع التفريط فيه من جماهير المؤمنين به ، كان التنبيه والتأكيد عليه والمطالبة به على وجه الخصوص؟

ثالثا: التأسي قد يعبر به عن الاتباع الشامل الكامل والاقتداء التام في مسألة واحدة: "لقد كان لكم فيهم أسوة" فقد بلغوا الكمال البشري في الولاء والبراء كما وكيفا.

رابعا: الاقتداء، قد يعبر به عن الاتباع المجمل مع التأكيد على أن هناك بعض الجوانب لا يمكن الاتباع فيها أو المشابهة "فبهداهم اقتده" فاتباع من سبق الرسل في كل ما جاءوا به وكانوا عليه ليس على إطلاقه.

فإن علمنا أن الإيمان هو تصديق (أو إقرار) واتباع؛ فهل يمكن أن يكون التأسي هو صورة الإيمان بالرسول المنشودة؟

وهل مقالة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب: "طاعته فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر، واجتناب ما عنه نهى وزجر، وأن لا يعبد الله إلا بما شرع"، تجملها لفظة التأسي؟

فهل من تغيير أو تطوير أو تحرير أو تقرير؟!!
لاسيما وقد قرأت في هذه المسألة كلاما كثيرا لعلمائنا الأجلاء؛ أخاله ربما كان بحاجة إلى توضيح أو إضافة؛ قد أكون ذهلت عنها.
ولولا خشية الإطالة لأوردت ما طالعته من أقوال اللغويين والمفسرين؛ لكنني أود معرفة رأي علمائنا الأفاضل، فلاشك أنه يثري ويغني عن كثير من البحث والجهد.