تأمُّلات في فتوى المحدِّث الألباني في قيادة المرأة للسيارة
زارني أمس صديق من طلبة الشيخ الألباني ( ت: 1420هـ ) تعالى ، يروي باسناده إلى الألباني أن الشيخ يُجيز قيادة المرأة للسياره قياساً على ركوبها للناقة والفرس ونحوها ، مما تعارف عليه الناس قديماً ، وأن قيادة المرأه للسيارة أكرم وأستر لها من ركوبها للناقة والفرس ، حيث تتعرَّض في ذلك للتكشف ! .

وفتوى الشيخ معتبرة ، لكن قياس الألباني قياس أدنى . لأن الفرع فيه أضعف من الأصل.
والقاعدة عند الُأصوليين أنه لا تعارض بين القياس والمصالح المرسلة ، إنما التعارض في نظر المجتهد . فشرط الحكم هنا أن يكون القياس صحيحاً لا باطلاً . ولهذا تختلف أنظار أهل العلم في هذه المسألة بناءاً على تحقيق هذه القاعدة من عدمها . فمن أهل العلم من يستدلُّ بالقياس الخفي لتقوية فتواه ، ومنهم من يستحسن بالنص ، لكن لا يقوى على هذا إلا نوادر الرجال . والألباني مأجور إن شاء الله تعالى على اجتهاده .

القضية عندنا في بلاد الحرمين ليست قضية سماح أو منع للمرأة من قيادة أو مِقود ! . وكل هذا النعيق الذي نسمعه ما هو إلا ليُّ لِذراع المدرسة الحنبلية المحافظة . ومن يدور حول هذه النقطة - من بني جلدتنا - مثل الهِرّ الذي يدور حول الَّلحم ليصطاده ! .

هذه البلاد المباركة لها أعراف وخصائص امتنَّ الله بها على أهلها ، فمن الغلط أن تُكيَّف فتوى معينة – بغض النظر عن صحتها - وتُعمَّم على سائر البلاد في الأرض ، ويُستخرج منها حكم ثابت يجب العمل به .

هل حال المرأة في بلاد الحرمين مثل حال بعض نساء مِصر والشام والعراق والمغرب العربي وبلاد آسيا ؟ ، مع دعائنا للجميع بالمغفرة والعفاف وحسن العاقبة ؟! . إذا كان الجواب بالنفي ، فالمساواة ممنوعة في هذا المطلب ، لأن العرف يجب اعتباره هنا .وهذه البلاد قامت على شرع الله .وقد قال الأصوليون : " كل عُرف مُعتبر إلا إذا تعارض مع الشرع ، فيكون عُرفاً فاسدا " . والعرف يُخصِّص النص الظني دون القطعي ، لأن التخصيص فرع التعارض ، والتعارض لا يكون إلا مع النص المساوي .

روى الرحالة ابن بطوطة( ت: 779هـ) عفى الله تعالى عنه ، عن مدينة في أفريقيا زارها ووصف أهلها بقوله : " مسلمون محافظون على الصلوات وتعلُّم الفقه وحفظ القرآن. والنساء هنالك يكون لهن الأصدقاء والأصحاب من الرجال الأجانب ، وكذلك للرجال صواحب من النساءالأجنبيات ، ويدخل أحدهم داره فيجد امرأته ومعها صاحبها فلا ينكر ذلك ! .

دخلتُ يوماً على القاضي - بعد إذنه في الدخول - ، فوجدتُ عنده امرأة صغيرة السِّن بديعة الحُسن ، فلما رأيتها ارتبتُ وأردت الرجوع ، فضحكتْ منِّي ولم يدركها خجل. وقال لي القاضي لم ترجع ؟ إنها صاحبتي. فعجبتُ من شأنهما ، فإنه من الفقهاء الحُجّاج ! ، ودخلتُ يوماً على أبي فلان الشيخ الذي قدمنا في صحبته ، فوجدتُه قاعداً على بساط وفي وسط داره سرير مُظلَّل عليه امرأة معها رجل قاعد ، وهما يتحدثان . فقلتُ له ما هذه المرأة فقال هي زوجتي. فقلت وما الرجل الذي معها ؟ فقال هو صاحبها. فقلتُ له أترضى بهذا وأنت قد سكنتبلادنا وعرفت أمور الشرع ؟ ! فقال لي: مصاحبة النساء للرجال عندنا على خير وحسن طريقة لا تهمة فيها، ولسن كنساء بلادكم" .

قرأتُ قبل أيام وثيقة نشرتها القنصلية الأمريكية بجدة : أن عندهم معلومات مؤكَّدة أن حملة النساء لقيادة المرأة للسيارة في بلاد الحرمين لا تُراد لذاتها، بل لُأمور أخرى كإسقاط قوامة الرجل والتخفف من الحجاب وتهميش دور المحرم ونحوها من البلابل . وهي من باب صدقك وهو كذوب ! .
المرأة في بلاد الحرمين تقود السيارة في البادية منذ ثلاثين سنة ، إذا اضطرت لذلك ، لرعاية مصالح أهلها عند حصول عجزٍ أو مرضٍ أو ضعف حالٍ عند الوليِّ ، لكن بقدر معين وبدون اظهار للمحاسن والزينة ! .
والمرأة البدوية لو طَلب منها وليُّها السفر بالسيارة بمفردها إلى مكان بعيد لأبت وغضبت حفاظا على نفسها وحيائها
.
الواجب في المسائل العلمية المتشابهة أن يُردَّ العلم فيها إلى أصول الأدلة لا إلى عموماتها ولا إلى القياس ولا إلى الإستحسان ولا إلى المصالح الملغاة ولا إلى ذوق الناس وكثرتهم وحاجتهم ، فهذه كلها غير معتبرة عند الموازنة .

في المصنفات الفقهية ترد عبارة متينة تتعلق بحكم خروج المرأة من بيتها فتجد الماتن أو المحشِّي أو الشارح يقول : " لا بأس بخروجها لحوائجها إن أمنت الطريق ". وقولهم :" تخرج لحاجتها نهاراً لا ليلاً " . ويرد هذا التعبير كثيراً في كتب المالكية والحنابلة وغيرهم من فقهاء الإسلام . وهذا التقعيد مبني على أدلة راجحة من الكتاب والسنة ، فمناط الحكم ليس الحاجة ، إنما الضرورة بشرط تحقق الأمن . والعربيُّ يغار على محارمه أشدُّ من غيره .

وقد روي عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تقول :
"كنتُ أنقل النَّوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله على رأسي ، وهي على ثلثي فرسخ فجئتُ يوماً والنوى على رأسي فلقيتُ رسول الله ومعه نفر،فدعاني فقال إخ إخ ، ليحملني خلفه فاستحييتُ وذكرتُ الزبير وغيرته ، قالت : فمضى فلما أتيتُ أخبرتُ الزبير فقال : والله لحملكِ النوى كان أشدُّ عليَّ من ركوبك معه " .


نحن في هذا الزمان – زمان الفتن - لا نأمن على أولادنا ، فكيف نأمن على بناتنا يقدن سيارات في الليل والنهار، وفي مجتمع ضعيف الدِّيانة قليل الأمانة ، إلا من رحم الله تعالى . وإذا كانت بعض عوارض الأهلية عند الفقهاء والأُصوليين تمنع أو تُنقص من التصرف في المال والحال ، فإنه يجوز الحكم من أهل العلم وأهل العقد لمنع قيادة النساء لهذا الإعتبار .
ومن فقه أُم المؤمنين عائشة أنها كانت تقول : " لو أدرك رسول الله ما أحدث النساء بعده ، لمنعهن كما مُنعت نساء بني إسرائيل " متفق عليه . هذا قبل أكثر من ألف وأربعمئة عام ، فكيف بزماننا ؟! .

شوارعنا رديئة ومكتظة بالوافدين ، فكيف لو زاحم النِّساءُ الرجال بسياراتهن ، وكم ستكون للُأسرة الواحدة من سيارة لو كان في البيت خمسة رجال وخمس نساء ؟!.

كل العقلاء يعلمون أن المرأة لن تموتَ جوعًا لو حُرمت من القيادة وقرَّت في بيتها وتفرَّغت لشؤونها .
يا فلاسفة قيادة المرأة للسيارة عودوا لدِّين العجائز دين الُأمهات والجدَّات ، دين الفطرة ، الذي عاد إليه فلاسفة عِلم الكلام قديماً حين ندموا على الخوض في مسائل لا تشفي عليلاً ولا تروي غليلاً .
ولهذا من لزم طريقة سبيل المؤمنين عرف السعادة ، وإن لم يتمكَّن من التعبير عنها . ولهذا قال الإمام السمعاني( ت:489) تعالى :
جئتماني لتعلما سِرَّ سُعدى
تجداني بِسر سُعدى شحيحا
إن سُعدى لمنية المُتمنِّي
جمعت عِفةً ووجهاً صبيحا

العلمانيون في الشرق والغرب يعلمون أن هذه البلاد محفوظة بحفظ الله تعالى لها ، ويريدون هدم بنيانها بأيدي أبنائها بإخراج المرأة وضربها برأس الرِّجال ، ليكون الصِّراع في البيت الواحد وبين النخلة وساقيها ، فهل من متأمل ؟! .
يقول بعض الناس : العلماء حرَّموا الراديو والرائي والأطباق الفضائية وتعليم البنات ، واليوم أصبحت من المباحات بل من الواجبات عند البعض ! ، والآن يريدون حِرمان النساء من القيادة . والجواب : أن الأصل في الأشياء الإباحة ، لكن يجب النظر عند الفتوى في واقع الناس وأعرافهم ومآلات أفعالهم ، وفي الأثر :" أنتم أعلم بأُمور دنياكم " أخرجه مسلم في صحيحه .

وبعض الأشياء تكون في زمن ما حاجة ، لكنها بعد مدة تكون ضرورة ، وهذا منتفي في قيادة المرأة للسيارة في بلادنا ، فلا يجوز الخلط بين الأمرين .
والواجب على الدولة – والحال هذه - تأمين ما يحفظ كرامة المرأة في هذا الباب ، والتساهل في هذه المسألة جناية عظيمة على المرأة ووليِّها .
الرسول بكى على أحوال أُمته منذ بدء الوحي عليه ، أفليس من حقِّه علينا أن نوقِّره بعد وفاته بحفظ وصيته في أمته عندما قال : " اتقوا الله في النساء " أخرجه مسلم في صحيحه . فلا تُستشار المرأة في بعض أمر عفافها وعِرضها ومصالحها، التي يعرفها العلماء وأهل الولاية أكثر من معرفة الوليِّ والمحرم والقريب والبعيد .
وختاما فإن الجوهرة الثمينة لا تٌرمى للناس في الطرقات ، بل تُحفظ في مكان يصونها مما يزيدها تعظيماً وشرفًا عند الخاصة والعامة ، وهذا يعرفه أقل الناس عِلماً وفهمًا.
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

( منقول )