بين ورَقتَي تقويم

[align=justify]إن نَزْعَ آخرَ ورقةٍ في التقويم، ووضعَ تقويمٍ جديد عددُ ورقاته 360 ورقة لها دلالات كثيرة.. إنه يعني نهاية عامٍ وبداية آخر.. وصفحات من الزمن طُوِيت ولن تعود!
وهذا قدْرٌ مشترك، لا بد منه لكلِّ من فسح الله في أجله، لكن الشأن في أثر هذا الهدم الذي نشاهده لأعمارنا، ونعيشه لأنفاسنا، فإن كلَّ يوم ندركه -وإن كان ظاهره زيادةً في العمر- إلا أنه مِن جهة أخرى نقصٌ من حياتنا، واقتراب من ساعة الصفر: الموت!
تمتلئ الأوراقُ الثبوتية بمثل هذه العبارة: في يوم .... من عام ..... ولد (فلان) وفي يوم .... مات (فلان)، وتناقل الناسُ في مجالسهم: (مات الرجل العادي).
يُقَدَّرُ لك أن تجلس مع شخصين، وُلِدا في شهر واحد، وربما في يوم واحد، وعاشا في بيئة واحدة، وظروف متشابهة، ولكنك تجد بينهما بَوناً شاسعاً في التحصيل والأثر على نفسَيهما، والتأثير على من حولهما، أحدهما يَصدُق عليه وصف (الرجل العادي)، فما السبب؟
من البدهي أن يقال: إن اليوم الذي يعيشه كل فردٍ منا عددُ ساعاته واحد، فلا يوجد أحدٌ يومه وليلته أكثر من أربعٍ وعشرين ساعة، لكن الفرق هو في استثمارها، والإفادة منها.
إنك حين تقرأ قوله تعالى في توبيخ الكفار: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّر﴾[فاطر: 37]؛ لتلمس فيه التقريع بعدم اغتنام الحياة، ولهذا يقول الواحد من هؤلاء -عند معاينة مقدمات الموت-: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾، فهي رغبة في إعطاء فرصة زمنية جديدة للاستدراك، ولكن هيهات: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُون﴾[المؤمنون: 99، 100].
بل إن في قوله : ((لا تزول قدما عبدٍ يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيما أفناه...)) الحديث([1]) ما يدلُّ على هذا المعنى بوضوح.. فالعمر يفنى، لكن الشأن فيم فني؟
إن من المهم لمن أراد أن يغتنم ساعاتِ عمره، وأيامَ حياته، فيما يعود عليه بالنفع؛ أن يخطط لذلك تخطيطاً جيداً، وإن من أهم ما يعين على اغتنام الأوقات واستثمارها..ما يلي:
1) ضع لك هدفاً كبيراً في حياتك، يشبه أن يكون عنوان الكتاب، كأنك تنظر إليه كلما جدّت عليك صوارف تصرفك عنه.
2) ضع أهدافاً أصغر تُعِين على تحقيق الهدف الكبير، وتكون الأهداف الصغرى بمثابة الوسائل لتحقيق الهدف الكبير.
3) من المهم تحديد مدة زمنية مناسبة لتحقيق كل هدف من هذه الأهداف، فإن العمل الذي لا يمكن قياسه -بوضع معايير معتبرة عند أهل التخصص، بحيث يُتحاكم إليها- العمل الذي هذا شأنه؛ لا يمكن تقويمه أو تقييمه.
4) لا تبالغ في أهدافك، ولا تجعلها هزيلة أو ضعيفة، بل كن مراعياً في ذلك لهمَّتك، والإمكانات المتاحة حالياً، أو التي يمكن توفيرها مستقبلاً بإذن الله.
5) راجع أهدافك كل فترة؛ لتنظر فيما تم وما تأخر إنجازُه، وتبحث سببَ التأخر.
6) قبل ذلك وأثناءه وبعده: لا تغفل عن كثرة دعاء الله بالتوفيق، والتعلق به سبحانه، والتبرؤ من الحول والقوة إلا من حوله وقوته، فإن أعظم التوفيق ألا يَكِلك الله إلى نفسك طرفة عين، والخذلانُ والعجز أن تُوْكَل إلى نفسك وقدراتك.
وعليه، فاحذر من ترديد عبارات بعض الناس الذين يُفرِطون في الحديث عن الثقة في النفس، بل اعرف قدراتك، واحذر من الثقة في نفسك.
والأمثلة التي يمكن ضربها في هذا المقام لا يمكن حصرُها، والموفَّق من استعان بالله، واستشار، ثم انطلق: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِين﴾[آل عمران: 159].
أسأل الله تعالى أن يستعملنا في طاعته، وأن يجعلنا ممن طال عمرُه وحسن عملُه.

[line]-[/line]
([1]) رواه الترمذي ح(2417) وصححه.
[/align]
* رابط المقال على الموقع: http://almuqbil.com/play-3943.html