نقاش أُصولي حول عاشوراء بين طالب وشيخه
في باحة الجامع الكبير جلس الشيخ يُراجع ورده اليومي بِتؤدة وخشوع
دخل عليه طالب نجيب ودار بينهما هذا الحوار الماتع .
الطالب : السلام عليكم
الشيخ : وعليكم السلام . اجلس ، حياك الله .
الطالب : يا شيخ ما رأيك في الملف النووي الإيراني ؟
الشيخ : أيُّ مِلف ؟ هل تعلمتَ الأحكام الأصولية ليوم عاشوراء ؟
الطالب : شغلتني السياسه غفر الله لكم !
الشيخ : إذن اتركنا منها ، ودعنا نتذاكر أحكام شرع الله ، فهي خير من السياسة بل هي السياسة النافعة .
الطالب : يا شيخ : هل كان أهل الجاهلية يصومون عاشوراء ؟
الشيخ : نعم لأن ذلك من بقايا دين إبراهيم ، وهم يصومونه شكراً . وقد كانوا يُعظِّمون البيت الحرام مع كفرهم . لكن العبادة مع عدم الإقرار بتوحيد الله وطاعته لا تنفع .
الطالب : إذن أهل الجاهلية صاموه تقليدًا لليهود ؟
الشيخ : موسى كان حنيفياً ، واليهود حرَّفوا الأديان والرسالات .
الطالب : أحسن الله إليكم . وكيف غلت الرافضة في يوم عاشوراء ؟
الشيخ : إن مقتل الحسين بن علي كان على يد شيعته الذين أغروه بالخروج ، وراسلوه ليأتي منالمدينة إلى الكوفة ، وزوَّروا الأسماء والتواقيع ، فلما خرج ووصل إليهم خذلوه . !

وفعلهم في هذا اليوم باطل لوجوه كثيرة ، منها :
أ- النهي عن ضرب الخدود وشق الجيوب .
ب-النهي عن الدعاء بالويل والثبور .
ج- الدم نجس – على الراجح - ولا يُتعبَّد الله بإخراجه .
الطالب : يا شيخ أريد منكم أحكاماً أصولية لضبط قواعد يوم عاشوراء .
الشيخ : اكتب ما ُأملي عليك .
الطالب : تفضل غفر الله لكم .

الشيخ : أُملي عليك الآن عشر قواعد فاحفظها :
1- لا يترك المندوب إذا صار شعاراً للمبتدعة :
كان السلف لا يتركون العمل المستحب في الشرع إذا صار شعارًا لأهل البدع . فالعمل بالسنة أولى وأحرى من تركها وهجرها . ولا عبرة بقول المبتدعة وما رفعوه من تعظيم لهذا الأمر . والامام الغزالي(ت: 505هـ ) تعالى يرى العكس من ذلك ، وقد ردَّ عليه المحدِّث الألباني ( ت: 1420هـ ) تعالى في حاشيته على إصلاح المساجد .

2- الإجزاء والإثابة يجتمعان ويفترقان :
الإجزاء برآءة الذِّمة من عهدة الأمر ، والثواب الجزاء على الطاعة . فالأمر يقتضي إجزاء المأمور به لكن هما مجتمعان في الشرع ، وقد يكون الفعل مجزئاً لا ثواب فيه إذ قارنه من المعصية ما يقابل الثواب . كحديث : " رُبَّ صائمٍ حظُّه من صيامه العطش ، ورب قائمٍ حظُّه من قيامه السهر " أخرجه ابن ماجة باسناد حسن .
فالصيام وقع بامتثال المأثور ووقع الحرمان بالمعصية . وتحقيق المسألة أن الثواب قد يحصل ، لكن الفعل غير مجزىءٍ إذا فعله ناقصًا عن الشرائط والأركان . ففعل المأمور يوجب البرآءة ، فإن قارنه معصية بقدره تُخلُّ بالمقصود قابل الثواب ، وإن نقص المأمور به أُثيب ولم تحصل البرآءة التامة ، فإما أن يُعاد وإما أن يُجبر ، وإما أن يأثم .


3- الأصل في العبادات المنع وفي العادات الإباحة :
هذا الحكم الأصولي يُردُّ به على من رغَّب أو أوجب التوسيع على الأهل في عاشوراء أو التكحُّل في العينيين أو طبخ الحبوب أو التزين بالحناء ونحو ذلك من العادات المقصودة بالتخصيص في يوم عاشوراء . ولا يجوز تمثيل عاشوراء بالأعياد ، فلم يعهد في الشرع أنه كان عيداً ، فلا يُتعبَّد بذلك أصلاً.

4- لا يُشرع استعمال طريقة جديدة لدعوة الناس إلى عبادة ربِّهم :
وفي هذا ردٌّ على الروافض والمبتدعة الذين يحتفلون بيوم عاشوراء ويستعدون لذلك قبله بالاحتفال والابتهال والأوراد والمواكب الإيمانية بزعمهم بل الشركية التي يستغاث فيها بغير الله تعالى ويذبح فيها لغيره سبحانه ونحوها من الضلالات المبينة . فعاشوراء لم يشرع ليكون مأتماً ، بل شُرع لتعظيم الله فيه على السنة . فكل هذه الطُّرق والوسائل البدعية والتي تعرضها القنوات الفضائية الحزبية لا تجوز لا شرعًا ولا عقلاً ، لأنها لا تحقق مقصود العبادة الصحيحة التي نزل بها الوحي .

5- الخصوصية لا تثبت إلا بدليل :
فقد ثبت أن رسول الله صام يوم عاشوراء وأمر بصيامه ، وأن صيامه لم يكن خاصًا بشخصه ولا بزمنه ، كما ظن بعض شراح الأحاديث . ومجرد الإحتمال لا يكفي لتقرير الخصوصية . وقد قال ابن القيم (ت: 751هـ ) تعالى : " الأصل مشاركة أمته له في الأحكام إلا ما خصَّه الدليل " . وقال ابن حزم (ت: 456هـ) تعالى : " لا يحلُّ لأحدٍ أن يقول في شيٍء فعله الرسول إنه خصوص له إلا بنص " .

6- إطلاق الأمر لا يدل على تخصيص ذلك المعين بكونه مشروعًا أو مأموراً به ، بل يرجع في ذلك إلى الأدلة ، فإن كان في الأدلة ما يكره تخصيص ذلك المعين كُره ، وإن كان فيها ما يقتضي استحبابه استحب ، وإلا بقي غير مستحب ولا مكروه :
وقد وضَّح الإمام ابن تيمية تعالى هذا الحكم الأصولي بقوله : " شرع الله ورسوله للعمل بوصف العموم والإطلاق لا يقتضي أن يكون مشروعاً بوصف الخصوص والتقييد " . ويستفاد من هذا أن يوم عاشوراء قيَّده الشرع بزمان معين وبوصف معين لا يصح الإفتئات فيه كما تفعله بعض الطوائف المنحرفة . ويضاف إلى ذلك مشروعية استحباب يوم قبله أو يوم بعده . وفي هذا ردٌّ عملي على اليهود باستحباب مخالفتهم في صيام يوم قبله أو بعده .

7- ترتيب الثواب على الفعل يقتضي المشروعية وهو القدر المشترك بين الإيجاب والندب، والأصل عدم الوجوب فيتعين الندب :
هذا الحكم الأصولي مُتعلِّق بقول الرسول الله : " أفضل الصيام بعد رمضان ، شهر الله المحرم ،وأفضل الصلاة ، بعد الفريضة ، صلاة الليل " أخرجه مسلم ، ومأخذ الحكم في نصِّ الحديث من قوله: أفضل ، فهذا اللفظ يتضمَّن إثبات الثواب على الفعل . ولهذا استنبط الُأصوليون من الحديث مشروعية صيام شهر الله المحرم بمجمله .وقد قال الشاطبي (ت: 790 ) تعالى : " إذا كان الفعل مندوبًا بالجزء كان واجبًا بالكل ". و هذه المقولة نفيسة فاحفظها رعاك الله ، فهي تعينك على معرفة حدود المندوبات .

8- إذا وجد الاحتمال سقط الاستدلال :
هذه القاعدة يستدرك بها بعض أهل العلم حكما أصوليًا يتعلق بأفضلية صيام شعبان على المحرم بعد أفضلية رمضان ، وعدم مواظبة الرسول على صيام المحرم ، ويُعلِّلون ذلك باحتمال عدم علم الرسول بفضله أو تعذُّر صيامه فيقدمون أفضلية شعبان على المحرم لهذا التعليل . وهذا الاستدلال مردود لما تقدَّم .

9- التخيِّير يدل على عدم الوجوب :
ويستفاد هذا من الحديث المرفوع : " هذا يوم عاشوراء ، ولم يكتب الله عليكم صيامه ، وأنا صائم ، فمن أحبَّ منكم أن يصومفليصم، ومن أحبَّ أن يفطر فليفطر" متفق عليه . فلا يجوز القول بوجوب صيام عاشوراء بإطلاق ، استدلالاً بأحاديث أخرى مقيدة كما مال إليه بعض أهل العلم .

10- الإحتياط مندوب إليه في تحرِّي العبادات :
ويستفاد هذا من قول الرسول : " لئن عشتُ إلى قابل لأصومنَّ التاسع " أخرجه مسلم . وقد يكون دخول الشهر غير صحيح أو يكون الهلال ناقصًا ، فيكون صيام التاسع موافقاً للعاشر، فتبرأ الذمة بصيامه ويكون الإتباع للسنة أكمل .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة


(منقول )