التوكل من أوسع العبادات ؛ لسعة متعلقه ؛ ووقوعه من الأبرار والفجار ؛ فالخلق كلهم في مقام التوكل ، وإن تباين متعلق توكلهم ؛ فخاصة الله من أوليائه يتوكلون عليه في نصرة دينه ، وإعلاء كلمته ، وجهاد أعدائه . ودون هؤلاء من يتوكل على الله في استقامة نفسه ، وحفظ حاله مـع الله . ودون ذلك من يتوكل على الله في حصول رزق ، أو عافية ، أو زوجة ، أو ولد . وأفضل التوكل توكل الأنبياء وورثتهم ؛ وهو التوكل على الله في إقامة دينه ، ودفع فساد المفسدين . قال ابن القيم : ( حال النبي r وحال أصحابه محك الأحوال وميزانها ، بها يعلم صحيحها من سقيمها ؛ فإن هممهم كانت في التوكل أعلى من همم من بعدهم ؛ فإن توكلهم كان في فتح بصائر القلوب ، وأن يعبد الله في جميع البلاد ، وأن يوحده جميع العباد ، وأن تشرق شموس الدين الحق على قلوب العباد ، فملؤا بذلك التوكل القلوب هدى وإيمانا ، وفتحوا بلاد الكفر ، وجعلوها دار إيمان ، وهبت رياح روح نسمات التوكل على قلوب أتباعهم ، فملأتها يقينـا وإيمانا ، فكـانت همم الصحابة رضى الله عنهم أعلى وأجل من أن يصرف أحدهم قوة توكله واعتماده على الله في شيء يحصل بأدنى حيلة وسعى ، فيجعله نصب عينيه ويحمل عليه قوى توكله )؛ ولهذا فكثير من المتوكلين يكون مغبونا في توكله ؛ كمن يصرف كبر توكله في وجـع ، أو جوع ، أورزق مضمون ، ويدع التوكل في زيادة الإيمان والعلم ، ونصرة الدين وقمع المبتدعين ، وتحقيق مصالح المسلمين . والله أعلم. انظر : مدارج السالكين 2/ 135 وأيضا 112- 138 .