أحكام الكيمتريل ( تغيِّير الطقس )
لا يختلف اثنان أن التقدُّم العلمي والتقني في هذا العصر أحدث ثورة عظيمة في العالم . وهو من قدر الله الذي لا يمكن دفعه إلا بقدر مثله. والفتوحات الربانية لا يمكن تغيِّيرها بالجهد البشري لقول الله تعالى :" ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم " ( فاطر : 2 ) . فهي من سنن الله التي قدَّرها للتدافع وابتلاء الخلق .
والاختراعات العصرية الدقيقة لا يمكن تخريجها على المباحات بعمومها ، ولهذا قرَّر الأصوليون أنه يجب الإلتفات في المباحات إلى المقاصد كما قرَّروا أن المباح غير مأمور به .


وفي هذا العصر ظهر ما يُسمَّى بالكيمتريل . وهو غاز تم تركيبه بطريقة علمية لأهداف بعضها مشروع وبعضها ممنوع لأدلة قطعية .
وفي الغرب يستخدم الكيمتريل لاستحداث الظواهر الطبيعيةكالبرق والرعد والعواصف والأعاصير‏ والزلازل بشكل اصطناعي . ويمكنه بأمر الله إنشاء الجفاف والتصحُّر وإيقاف هطول الأمطار وإحداث الأضرار البشعة بالدول والأماكن غيرالمرغوب فيها .

وهو عبارة عن مركبات كيمائية يمكن نشرها علي ارتفاعات جوية مُحدَّدة لاستحداث ظواهر جويةمستهدفة . وتختلف هذه الكيمائيات طبقًا للأهداف ، فمثلاً عندما يكون الهدف هو "الاستمطار" أي جلب الأمطار ، يتم استخدام خليط من أيوديد الفضة علي بيركلوراتالبوتاسيوم ليتم رشُّها مباشرة فوق السحب فيثقل وزنها ولا يستطيع الهواء حملها فَتُسقطأمطارًا ، كما تستخدم هذه التقنية مع تغيير المركبات الكيمائية فتؤدِّي إلى الجفاف– بقدرة الله - والمجاعات والأمراض والأعاصير والزلازل .

والتخريج الفقهي والأصولي لهذه النازلة يمكن تحريره في عشر نقاط :
1- الكيمتريل في عمومه يجوز امتلاكه مُلكًا عاماً لا خاصًا ، حتى يمكن الاشراف عليه من جهات قادرة على حمايته ومتابعته ومراقبته لاستعماله عند الضرورة فيما لا يمكن خروجه عنها .وعند الأصوليين الملكية مقيدة بالنفع لا بالضرر . وهذا شرط محصور بلفظ الشرع ، فالمخاطرة تمنع من ارتكاب الفعل إلا بحدود معينة . وقد ورد في الشرع النهي عن ركوب البحر ، بسبب مظنة الغرق والهلكة ، والفقهاء منعوا اشعال النار في مهبِّ الريح ، لكن لو أشرف على إشعالها من يمكنه مراقبتها وتدبيرها ، فالمنع يضيق ويقيد بحال يناسب الوسيلة والمقصد .

2- الكيمتريل نفعه وضرره متساويان في الغالب ، فهو بقدرة الله يجعل الأرض اليابسة خضراء والأرض اليانعة قاحلة صفراء . فلا يمكن الجزم بتحريم استعماله مطلقًا، إلا إذا عمَّ فساده الإنسان والبيئة وتسبب في شيوع الأمراض القاتلة للآدمي ، وهذا لم يحدث كما تدلُّ عليه شواهد العلم والحال . وقد تقرر عند الأصوليين أن التحريم يستفاد من الوصف بالفساد ، فإن غلبت علة الفساد عموم هذه النازلة فيثبت تحريمها .

3- هذه المركبات الكيمائية لا يمكن الجزم بتأثيرها في مطلق الأحوال ، فقد تؤثِّر في منطقة جغرافية وتفشل في غيرها لأسباب بيئية وكونية أرادها الله تعالى . فالنفع والضرر متحقِّقان ، لكن التأثير قد يتخَّلف ويفشل لأسباب قد يدركها الإنسان وقد يجهلها .
وقد حدثني خبير بعلم الكيمتريل أن تلقيح السحب في بعض الدول العربية فشلت التجارب عليه فتم إيقافه في كثير من الدول . وهذا من تدبير الله وإعجازه في خلقه .وقد تقرر عند الأصوليين أن الإجتهاد الناقص حده عدم بذل الوسع وتقصي عموم جزيئات المسألة . وهذه النازلة حادثة ولم تستوعب الأدلة كل أطرافها ، لندرة الدراسات الإسلامية حولها . فلا يصح الحكم عليها بحكم واحد .

4- هذه المركبات الكيمائية يتحقق استعمالها في حالات الحرب ودفع الإعتداء على البلد المسلم وخدمة الأغراض العسكرية الحديثة التي تتطلَّب مثل هذه المركبات ، كما يدل عليه قول الله تعالى : " تُرهبون به عدو الله وعدوكم " ( الأنفال : 60) . وإذا كان امتلاكها يرهب العدو فيتحقق استعمالهما لعلة الضرورة والحاجة . ويمكن العمل بها في التجارب البيئية في المناطق الجافة أو قليلة المحاصيل ، فتكون من النفع العام المأجور عليه .
ومن فائدة هذه المركبات التقليل بشكل كبير من ظاهرة الاحتباس الحراري التي تُهدِّد بغرق الكرة الأرضية وفناءالكون في المستقبل ، فهي تستخدم لحجب أشعة الشمس عن الأرض واستخدام جزئياتدقيقة من أكسيد الألمونيوم كمرآة تعكس أشعة الشمس للفضاء الخارجي ، فتنخفض درجة حرارةالهواء على الأرض بقدرة الله تعالى .

5- تغيِّير الطقس في عمومه ليس شرًا محضًا ، فقد يكون دفعاً لمفاسد بيئية محتملة أو راجحة رصدتها أجهزة آلية دقيقة ، وقد يؤثِّر الطقس على الممتلكات العامة والخاصة وقد يزهق أرواح الآف البشر ويخلِّف الخسائر المادية التي بنتها الأمة بعد جهد شاق كلَّفها الكثير ، وقد ظهر هذا في نكبة الفلبين الأخيرة في هذا العام بعد هلاك الآف الأنفس .
ورفع البلاء قد يكون بالعلم وقد يكون بالعبادة .وصلاة الإستسقاء إنما شرعت لدفع القحط والجدب والبلاء عن الناس ونزول رحمة الله عليهم ، ولم تشرع لجلب البلاء والإتلاف على أموالهم . وفي هذا دلالة أن المخترعات الحديثة قد يكون استعمالها واجباً إذا تحققت مصلحة البشرية بها .

6- استعمال الكيمتريل لتفريق السُّحب ومنع نزول القطر من السماء لا يجوز لاستصحاب أصل الدليل وهو لجوء العبد لمولاه لكشف الضر ورفع البأس والاستسقاء بالصلاة والدعاء إليه ، ولم يخصص الشرع هذا الأصل في عامة النصوص في هذا الباب . ويستثنى من ذلك إذا دلَّت الشواهد والقرائن القوية على افساد ماء السماء للأراضي والخلق . وهذه لا يمكن ضبطها في كل الأحوال والبيئات ، فتكون متوقفة على تحقق المفسدة والمصلحة الراجحة ، والأولى المنع لأن الغيث في الغالب ينفع ولا يضر ، وضرره ضئيل مساواة بنفعه ، فالحكم للغالب . والحكم بالظن في الأمور الغيبية لا يمكن الجزم بوقوعه بالأجهزة الحديثة . ولا يخفى أن السحب الممطرة والرعدية فوق قدرة الإنسان ويستحيل تفريقها في وقت قصير .
أما الأعاصير والزلازل والفيضانات فالأولى استعمال ما يُقلِّل من خسائرها إن أمكن بهذه المركبات المادية .

7- رفض مصطلح غزو الفضاء والحرب الكونية التي يتسبَّب فيها الإنسان ، لأن الوجود مُسخَّر للبشر بتدبير الله ، فكيف يكون محلَّا لغزوه والعبث به . والتعدِّي على ذلك من الفساد الذي أخبر الله بوقوعه في قوله : " ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس ليذيقهم بعض الذي عملوا لعلهم يرجعون " ( الروم : 41 ) .
8- التحكم في المناخ وتدبيره من خصائص الله تعالى ، ولا يمكن للفتوحات البشرية المادية أن تُغيِّر من تسخير الله وصنعه في الكون والأفق ولو بمثقال ذرة ، وما يظهر للناس بخلاف ذلك إنما هو من العلم الظاهري الذي هو من قدر الله الذي سخَّره للناس لمحض الإبتلاء والتدافع . وقد يُقدِّر الله في الكون ما يضعف أو يفني هذه الفتوحات الكونية لحكمة سبقت في علمه . وقد رأينا ذلك عياناً في رحلات القمر المكوكية بين روسيا وأمريكا .

9- حكم هذه المركبات الكيمائية كحكم أسلحة الدمار الشامل ، فهي في الغالب تهلك الحرث والنسل ، والضرر لا يزال بغيره . فيجب الاحتراس عند الحاجة إليها وقصر استخدامها للأغراض الدِّفاعية ، ولإرهاب من يتربَّص بالبلد المسلم. وقد عانت ألمانيا واليابان وفيتنام من آثار هذه المركبات القوية إلى هذه الساعة ، فيكون استخدامها في حال السِّلم في دائرة ضيقة لحفظ حياة الناس ولعمارة الأرض بالخير لا بالفساد.

10- الكيمتريل من آيات الله التي يُصرِّفها سبحانه في الُأفق ، وقد أشار الله أنها من بديع صُنعه كما في قوله : " وتصريف الرياح والسحاب المسخَّر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون " ( البقرة : 164) ففي تدبير الله لها في الأرض إقامة الحجة على الخلق بعظمة الله ووجوب الإيمان به كما قال سبحانه : " سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبيَّن لهم أنه الحق أولم يكفي بربِّك أنه على كل شي شهيد " ( فصلت : 53) .
وختاماً فإن أيوديد الفضة والنتروجين ومسحوق الأسمنت وهي مكونات الكيمتريل لا تؤثر إلا بمشيئة الله وقدرته . والله الهادي .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/ أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول )