يتمحور بحثنا في الدكتوراه حول الأحداث التي جمعت نوح وقومه في القرآن. من هنا أشرنا إلى مفهوم التقاول الذي نحتناه انطلاقا من النص القرآني، حيث الإحالة إلى نشاط القول الذي تحقّق من نوح تجاه قومه ومن هذا الطرف تجاه ذاك. من جهة أخرى مفهوم التقاول هو على وزن تفاعل، أي تأثِير وتَأَثُّر من خلال قول متبادل بين طرفين أو خصمين. أما دلالة الجذر اللغوي (ق و ل) فتحيل إلى الخفوف والحركة. وقد سمّي ما يَتَلَفَّظ به الإنسان قولا لأن الفم واللسان يخِفَّان له (أنظر: ابن جنّي "الخصائص" ج 1، ص.ص. 5-19). من هنا نلتمس البعد الحركي والنَّشِط والدينامي لفعل القول. فأصل القول هو كل لفظ مَذِل به اللسان (أي قلق به) (أنظر: ابن جنّي؛ ص.ص. 5-19). كما أن دلالة القول لا تطلق على اللفظ المفرد بل على الجملة (أنظر سيبويه في ابن منظور، ج11، ص.572). نحيل هنا إلى المخبر عنه وإلى المخبر به باعتباره تابع ومرتبط ومُكَمِّل لذاك. فظهور موضوع التبادل الكلامي [المخبر عنه] يستدعي بروز المخبر به، مجيبا عن الموضوع المطروح، أي كيف ولماذا يكون المخبر عنه. فمثلا نلاحظ أن التفاعل اللفظي، بين نوح وقومه، يتخلّله موضوع واحد "الله" يتناوله الطرفين المتقاولين من خلال تعليقات (محمولات) متنوّعة ومختلفة تتمحور حول "التوحيد" (بالنسبة لنوح) بمقابل "الشرك" (حسب قومه).
من جهة أخرى، ففي متننا هناك إحالة إلى نشاط أو فعل القول لهذا نتكلّم عن التَقَاوُل، على اعتبار أن نشاط القول قد تحقق من نوح ومن قومه فأشرنا إلى مفهوم التقاول. إن هذا النشاط التفاعلي، ذو الصياغة اللفظية، يمثّل الرهان المركزي الذي جمع بين نوح وقومه (وملئهم) في القرآن. إن قول نوح لقومه [إضافة إلى الخصائص المذكورة] يتطلّب فعل استجابتهم لله وحده. لهذا السبب كان نوح هو السبّاق في قوله لقومه لأن عبادة الله وحده لا تمثّل المنظومة الاعتقادية لقوم نوح؛ كما أن نوح قال لقومه أكثر ممّا قال هؤلاء له. إن رهان المفارقة الكمية التي نشير إليها الآن هدفها، من زاوية نوح، هو مواجهة وزن التمثّلات الخاصة بالشرك (الممتدّة تاريخيا) والتي تمثل الرؤية الكونية لقوم نوح. بمقابل قول نوح، يظهر أن قول قومه له يعبّر عن مقاومتهم لقوله (من حيث أنهم يستجيبون لآلهتهم). لهذا هم يُصَوِّبون اهتمامهم على الطبيعة البشرية لنوح وعلى أراذل القوم الذين "اتّبعوه" حسب قولهم...وهذا بدلا عن التفاتهم إلى قول نوح المتمحور حول عبادة "الله" وحده وحول أن يكونوا مؤمنين كأولئك الذين هم "مع نوح"، كما نعتهم الرسول نوح بتلك الصفة في قوله. لهذا الغرض ملأ قوم نوح لم يقبلوا نوح كرسول، مما يعني أنهم رفضوا قوله، هذا الرفض تجلّى، في قولهم، من خلال طرق متنوّعة (التكذيب والذي يعني الرفض المباشر وقولا لقول نوح؛ أمر الملأ باقي القوم: انتظار فرصة لمواجهة الرسول نوح (التربّص: إلحاق الأذى به)؛ تعنيفه (زجره)...)