كتب الأستاذ الدكتور حاكم المطيري وفقه الله تغريدة في صفحته في تويتر نقل فيها كلامًا لابن تيمية في شرط انعقاد البيعة للإمام ، وقد علقت على هذه التغريدة وجرى حوار أرجو أن يكون مفيدًا للقارىء المهتم بهذه المباحث . .

تغريدة الدكتور حاكم : الولاية العامة على الأمة أو على أهل مصر من أمصارها لا تكون إلا ببيعة الجمهور فيها وهم الأكثرية كما قال ابن تيمية في منهاج السنة (1 / 530 ) : " ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماما بذلك، وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة، الذين هم أهل القدرة والشوكة. ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك. " .
محمد براء : ليس مناط انعقاد البيعة لدى شيخ الإسلام كونهم أكثرية ولا أقلية، وإنما العبرة بحصول الشوكة والقدرة .
الأخ الموفق : لعلها الاثنتين جمهور اهل الحل والعقد الذين تحصل بهم الشوكة والتمكين.
محمد براء : لو لم يبايع الجمهور انعقدت الولاية ما دامت الشوكة متحققة، لأن مقاصد الولاية لا تحصل إلا بالقدرة والسلطان ، وقد تحقق ذلك .
الأخ الموفق : الكلام شيخنا فيما قرره شيخ الاسلام .
محمد براء : طبعًا ، وفهمك وفهم الدكتور حاكم لكلامه غير صحيح ، وهو عند ذكره لقضية الجمهور حكى واقع الحال في بيعة أبي بكر ، ولم يذكر ذلك على سبيل الاشتراط .
الأخ الموفق : شيخنا محمد ، قال ابن تيمية: " فإنه لا يشترط في الخلافة الا اتفاق أهل الشوكة والجمهور الذين يقام بهم الأمر بحيث يمكن أن تقام بهم مقاصد الإمامة " .
محمد براء : أحسن الله إليك ، ابن تيمية لا يذكر الجمهور إلا من حيث كونهم مقوِّمًا من مقومات الشوكة التي تحصل بها مقاصد الإمامة ، فليس وصف الكثرة مقصودًا بنفسه عنده ، وهذا ما يدل عليه مجموع كلامه.
ثم كتب الدكتور حاتم معلقًا : الحق في اختيار الإمام لمجموع الأمة ويمثلها أهل الحل والعقد (وأمرهم شورى بينهم) (الإمارة شورى بين المسلمين) ، ولهذا أجمع الصحابة على قول عمر كما في البخاري (من بايع رجلا دون شورى المسلمين فلا بيعة له ولا الذي بايعه) ، وأهل الحل والعقد إنما تأهلوا للحل والعقد بتمثيلهم للأمة فلو فرض أنها لا تعبأ بهم ولا تعترف لهم لم يكونوا كذلك .
ومعلوم اليوم أن الشوكة والعصبية تتمثل في الشعوب وتنظيماتها ومكوناتها ولهذا أسقطت حسني وبن علي والقذافي الخ ، فمن أراد حكم الشعوب بالقوة كالسيسي وبشار ستواجهه الشعوب بالثورة وهي الأقدر على إسقاطه وليس الفصائل وحدها
فقلتُ ( محمد براء ) : أهل الحل والعقد يكونون كذلك بتوفر الصفات والشرائط فيهم ، لا أنهم يستمدون أهليتهم وشرعيتهم من كونهم (ممثلين) للأمة ، وقضية (تمثيل) أهل الحل والعقد للأمة بالمفهوم الموجود في نظرية سيادة الأمة ليس له أصل شرعي في ما أعلم ، نعم الإمام ينوب عن الأمة في القيام ببعض الفرائض التي أمرهم الله بها ، لا أنه ينوب عنهم في تحقيق رغباتهم وأهوائهم .
الدكتور حاكم : أهم الشروط في أهل الحل والعقد قدرتهم فعلا على الحل والعقد نيابة عن الأمة فإذا لم يتوفر فيهم فلا عبرة بغيره .
محمد براء : نعم توفر القدرة شرط ، ولم أذكر أنه محل نزاع .
الدكتور حاكم : والإمام والأمة كلاهما مخاطب بأحكام الشرع وتحت حكمه وأمره ونهيه وأمر الجميع شورى بينهم بحكم الشرع نفسه أيضا .
محمد براء : نعم ، لكن هذا فيه تفصيل ، والضابط في ذلك أن الشورى واجبة حيث كان مقصود الشارع لا يتحقق إلا بها .
وثمة أمر مهم، وهو ضرورة تحرير مفهوم الأمة، وعدم الخلط بين المفهوم الشرعي للأمة، ومفهوم الأمة في النظريات السياسة الحديثة .
ولا شك أن الشعوب قوة، لكنها قد تقهر بحكم الأفراد، وهذا ثابت في الواقع والتاريخ، وحينئذ لا يمكن ادعاء أنها المقوم الوحيد من مقومات القدرة ، بل قد تحصل الولاية وتتم مقاصدها والقوة بيد أفراد لا بيد الشعب .
الأخ الموفق : شيخنا : قهر الأفراد للشعب طريق الغلبة وهو غير شرعي !
محمد براء : أنا حكيت حالا من الأحوال فقط ، ويمكن أن لا تكون القوة بيد الشعب ومع ذلك لا يكون مقهورا بل يكون راضيًا محبًّا لإمامه ، كما كان أهل الشام يحبون معاوية مع طول مدة حكمه لهم .
الأخ الموفق : نحتاج تحرير محل النزاع وحصره ؟
محمد براء : محل النزاع في اشتراط رضا أكثرية الشعب في صحة انعقاد الإمامة .
الدكتور حاكم : على هذا القول وإذا لم نعتبر رضا الأمة وشوراها فما يفعله السيسي يجعل من العسكر والأزهر هم أهل الشوكة والحل!
محمد براء : بل على أصلك يا دكتور يكون خلعه لمرسي صحيحًا ، لأنه فعل ذلك تحقيقًا لرضا الشعب الذي نزل في 30 / 6 مطالبًا بإسقاطه .
الدكتور حاكم : التحقق من رضا الجمهور والأكثر لا يكون بالانقلابات وإنما بالانتخابات التي تعبر عن إرادة الشعوب فعلا
محمد براء : قد ينازعك منازع بأن الانتخابات لا تعبر عن إرادة الشعوب المحضة وإنما إرادة متأثرة بنفوذ أصحاب الأموال والقوى المؤثرة في المجتمع .
الدكتور حاكم : الحديث عن انتخابات في ظل نظام شرعي تتحقق فيه الشوكة للأمة وليس في ظل دول فاقدة أصلا للاستقلال خارجيا وداخليا .
محمد براء : أنت يا دكتور من حول الكلام من التأصيل إلى التنزيل على الدول التي تتحدث عنها .
الأخ الموفق : أظن رضا الأكثرية مع جمهور اهل الحل والعقد متلازمان! فهم ما اكتسبوا هذه الصفة (اهل ألحل والعقد) الا بانقياد الغالبية لهم ؟
الدكتور حاكم : أهل الحل والعقد مصطلح حادث في العصر العباسي تم تجريده من مضامينه الصحيحة فلا يبنى عليه أحكام شرعية قبل تحريره .
الأخ الموفق : ومالذي تحرر عندكم يا دكتور؟
الدكتور حاكم : هو ما حررته في كتابي تحرير الإنسان فالحق أصلا لمجموع الأمة فإذا ثبت رضاها أو أكثرها مباشرة أو بنوابها فذاك .
وهذا مبني على أصول :
أصل الأخوة (إنما المؤمنون أخوة)
وأصل الولاية (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)
والولاية العامة للمؤمنين كافة(إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا) وبحكم هذه الولاية جعل الأمر لهم شورى بينهم
ولهذا قال عبد الرحمن بن عوف لعلي في البخاري (إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا) وقصد الأكثر
الأخ الموفق : كلامك يادكتور وجيه وسأحرص على قراءة الكتاب ، لكن يشكل علي ولاية المتغلب بغير رضا الامة ان عدل او جار ما رأي؟ مع الاجماع المحكي على عدم جواز الخروج عليه ان عدل ، واستقرار مذهب اهل السنة على عدم الخروج على الجائر
الدكتور حاكم : الصحيح الذي أجمع عليه الصحابة في عهد عمر أنه لا بيعة إلا عن شورى ورضا وأنه لا بيعة لمن اغتصبها كما في البخاري .
الأخ الموفق : جزاك الله خيرا يا دكتور .
قلتُ معلقًا على قول الدكتور : " ولهذا قال عبد الرحمن بن عوف لعلي في البخاري (إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا) وقصد الأكثر " ، قلت : ليس في قوله دليل على اشتراط النظر في أمر الناس لصحة الولاية.
وقولكم (قصد الأكثر) غير ممكن لأنه ما سأل أهل الأمصار.
الدكتور حاكم : هذا هو الممكن المقدور لهم آنذاك إذ كانت المدينة مهاجر كل العرب ورؤس الناس وعاصمة الدولة والناس تبع للصحابة .
محمد براء : هذه النقطة الثانية فما جوابكم عن الأولى ؟
الدكتور حاكم : ذكرني بها مشكورًا .
محمد براء : شكر الله لكم . قلت : ليس في قوله (إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا) دليل على اشتراط (النظر في أمر الناس) لصحة الإمامة.
الدكتور حاكم : لولا أنه حق للناس يجب الرجوع إليهم فيه لما احتج عبدالرحمن بن عوف به ولما حسم التنافس فيها به بين عثمان وعلي ، ولهذا حذر عمر كما في البخاري (إني محذر الناس هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم حقهم) في الشورى واختيار الإمام ، والناس هم المسلمون الذين جعل الله الأمر شورى بينهم فكما أوجب عليهم الزكاة والجهاد أثبت لهم الحق في الشورى ، وحقهم في الشورى فرع لمبدأ الأخوة ولمبدأ الولاية التي تشملهم جميعا وبموجبها يقوّمون الإمام (أن نقوم بالحق) .
محمد براء : لو سلمنا أنه جعل قول الناس هو المرجح ، الستة أصلا لم يكونوا باختيار الناس كانوا باختيار عمر ، فهو اختيار مقيد ، والنزاع في جعل رضا أغلبية الناس أصلا في اختيار الإمام ، لا يتم بدونه ، لا في التماس رأي الناس في بعض الأمور .
الدكتور حاكم : الستة رشحهم الناس لعمر بعد أن أصروا عليه بأن يرشح لهم ويعهد بالأمر فرفض ثم نزل على رأيهم مع رغبته بترك الأمر ، وعمر الذي أمر بالرجوع في الحكم بين الستة للمسلمين فمن رضوه فهو الإمام وقد جمعت كل تلك الروايات في التحرير .
محمد براء : رشحهم الناس لعمر ؟!
الدكتور حاكم : من الذي حمل عمر على ترشيح الستة مع قوله (وإن أترك فقد ترك رسول الله) وما أن ذكره حتى عُلم أنه لن يخالف سنته؟
محمد براء : كان يرى الاستخلاف والترك أمرين سائغين له فيهما سلف وقدوة ، وليس في الحديث ما يدل على سبب ترجيحه أحد الأمرين .
الدكتور حاكم : سبب ترجيحه هو الصحابة أنفسهم الذين هم أصحاب الحق أصلا حين أصروا عليه بترشيح من خبره منهم لها فنزل على إرادتهم .
محمد براء : النص الذي في الصحيح لا يدل على هذا المعنى بوجه ، وغاية ما فيه أنه قيل له : ( ألا تستخلف ؟ ) وجوابه يدل على سواغ الأمرين ، ولو كان قول ذلك القائل : ( ألا تستخلف ) ملزمًا له ، لما ذكر سواغ الأمرين ، وانحصر الاختيار عنده بما اقترحه هذا القائل .
الدكتور حاكم : إن ترك الأمر مطلقا فهو شورى بين المسلمين وإن تركه مقيدا بالستة فهو رشح لهم ليختاروا هم واحدا منهم فهو لم يعهد ، الاستخلاف يصدق لو عهد لواحد منهم أما جعله الأمر في ستة فهو ترشيح والذي حسمه بالنهاية هم الصحابة أنفسهم .
محمد براء : لعله يلزمني إيضاح أمر ، وهو أنني لا أقول بإن إمامة عثمان لم تثبت بالاختيار ، فهذا لم يقل به أحد من أهل السنة ، وإنما محل النزاع في الاستدلال بطريقة توليته على اشتراط رضا أغلبية الناس لصحة انعقاد الإمامة .
ثم أعاد الدكتور نقل النص الذي دار حوله أول النقاش ، ونقل نقلين آخرين عن ابن تيمية .
الدكتور حاكم : تأمل قول ابن تيمية هنا بأن عمر صار خليفة ببيعة الصحابة لا بمجرد عهد أبي بكر فهو ترشيح : " وكذلك عمر لما عهد إليه أبو بكر، إنما صار إماما لما بايعوه وأطاعوه، ولو قدر أنهم لم ينفذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يصر إماما، سواء كان ذلك جائزا أو غير جائز " منهاج السنة ( 1 /530 ) .
وهنا يقرر ابن تيمية بأن أبا بكر لم يصبح خليفة بمجرد بيعة عمر والمهاجرين بل بالجمهور : " " ولو قدر أن عمر وطائفة معه بايعوه، وامتنع سائر الصحابة عن البيعة، لم يصر إماما بذلك، وإنما صار إماما بمبايعة جمهور الصحابة، الذين هم أهل القدرة والشوكة. ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك " .
هنا يقرر ابن تيمية أن عثمان لم يصبح خليفة بمجرد عهد عمر للستة ولا ببيعة البعض بل كلهم : " عثمان لم يصر إماما باختيار بعضهم، بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان ، ولم يتخلف عن بيعته أحد " . منهاج السنة (1 532)
محمد براء : نصوص ابن تيمية تحتاج إلى تعليقات تفصيلية لكن هذا تعليق جيد منهجي للدكتور حسن كوناكاتا في كتابه النظرية السياسية عند ابن تيمية : " وكثير من الباحثين المحدثين يؤلون نصوص ابن تيمية عن البيعة على نحو فكرة سيادة الأمة ، ولكن مفهوم البيعة عند ابن تيمية لا ينبغي فهمه في المنظور الديمقراطي الحديث ، ولكنه مفهوم واقعي بحت لا يشير إلا إلى واقع حصول القوة كما هو واضح في اختيارة للفظ الشوكة " .
الدكتور حاكم : شكر الله لكما حيث كنتما سببا في فتح باب المحاورة في هذا الأصل العظيم من سنن الخلافة الراشدة التي تحتاجه الأمة .
محمد براء : والشكر لك دكتور على سعة صدرك للحوار ، رفع الله قدرك ..
الأخ الموفق : جزاك الله خيرا وبيض وجهك يادكتور ، وشكر الله للشيخ محمد هذا الأدب في الحوار ، أمتعتونا .