الحضن المجاني .. لم ينجح أحد !
قال صديقي إنه قابل البارحة شاباً يحمل لافتةً بيضاء مرقوم عليها عبارة : ( hug free ) احضني مجاناً ، فقلتُ وماذا فعلتَ معه ؟ قال : عبستُ في وجهه وأكملتُ طريقي ! . فقلتُ : لو كنتُ مكانك لحضنته وقبَّلتُ رأسه وابتسمتُ معه وقلت له : ما هكذا تورد يا سعد الإبل ؟! ، أما نهره وتعنيفه فهو محل نظر عندي ، لأن هذا جاهل ، وقد تنقصه العاطفة فلا يجوز عقابه لئلا يحنق على مجتمعه ووطنه وبني جنسه . وهو مخطىء في هذا الفعل بلا شك ، لكن لو سقيتَه عسلاً لكان أحب إليه من تعنيفه أو تأديبه وزجره .


والشرع أذن في حبسه ، لكن العقوبة قد تسقط عنه لجهله وتأويله ، وكذلك قد يندب لإطلاق سراحه إن لم يكن صاحب زلات ولم تعرف له فلتة في ماضيه .

مخالفة النظام العام أو العادات خطأ شرعي وخلقي ، وإنكار المنكر بمفسدة مثله أو أعلى منه خطأ يجب توضيحه وإصلاحه أو تهذيبه .
وهذه المسألة لها تعلق أصولي يعرفه أرباب الأصول : هل التحسين والتقبيح يمكن إدراكه بالعقل أم أنه يفتقر لخبر الوحي ؟ ليس هذا محل بسطها ! .


الشباب يعانون من فراغ عاطفي شديد في مجتمعنا من جهة الإحتواء والمحبة والكلام معهم بمستواهم وبثقافتهم ، والدعاة الذين جذبوا الشباب وتلقَّفوهم من ساحات المخدِّرات والمنكرات والمحرمات ، كان ذلك بفضل الله ثم بفضل المحبة والعطف ولين الجانب . وهذه الخصلة غائبة نوعًا ما في مؤسساتنا الإجتماعية والتأديبية .
والرحمة مطلوبة مع المؤمن والفاسق ، إلا في حدود ضيِّقة بيَّنها الشرع الحنيف .


و" الراحمون ي ، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء " أخرجه الترمذي بإسناد صحيح . والأعرابي الذي قال لرسول الله : " إن لي عشرة من الولد ما قبَّلتهم " فقال له الحبيب : " أو أملك إن نزع الله الرحمة من قلبك ، من لا يَرحم لا يُرحم " أخرجه البخاري .

تردني أسئلة كثيرة من الطلبة : لماذا لا يُحَاور الشباب في مجتمعاتنا ؟ أين دور النصح التربوبي في المؤسسات التأديبية ؟ لماذا غاب الجانب الإيماني في الدروس الوعظية ؟ أين منهج الصحابة في التنبيه على أخطاء الشباب ؟ متى ينضج الدعاة المعاصرون لفهم حاجات الشباب وطرق احتوائهم ؟ لماذا يبدأ صاحب الصلاحية التأديبية بالزجر والتعنيف قبل الوعظ والإرشاد ؟ أين دور الِّلين والرفق في أساليب الإصلاح ؟ لماذا المشايخ لا يبتسمون عند إنكار المنكر ؟ وهلمَّ جراً من هذه المعضلات التي تسيل في عقولهم بلا وعي واضح من المربين والإصلاحيين .


بعض هذه الأسئلة من الناحية الشرعية قد يكون مأذوناً فيه ، لكن من الناحية التطبيقية العملية قد يكون عسيراً أو صعب المنال في ظل العولمة واختلاط الحابل مع النابل ! . فلن يستطيع المؤدِّب أو المربِّي أو المصلح تمييز الناس حين وقوع المعصية أو المنكر أو الفعل المخالف لعرف الناس .


وإذا أردتَ أن تفهم هذا المعنى بحذافيره ، فانظر إلى الناس في طوافهم للبيت الحرام ، ستجد من بصره مُعلَّق بذنوبه ، وآخر يتأمل الحسناء والجميلة ، وآخر ساهي في غمرات الدنيا ، ورابع خاشع لا يأبه بأحد ممن حوله . فلن يستطيع أحد مهما أوتي من حول وسلطان أن يتهمهم بأمر فيه تهمة أو جناية إلا ببيِّنة واضحة كالشمس في رابعة النهار .


والمحاضن التربوية وكذلك المؤسسات والهيئات التأديبية مُقصِّرة في احتواء الشباب ومناقشتهم وتطوير قدراتهم وامتصاص حنقهم وغضبهم من واقعهم المعيشي .


فمن الغلط الظن بأن بالحدود والعقوبة فقط يمكن ضبط سلوك الناس ، فلن يرتدع الناس بحدود الله فحسب ، وإلا لبادت الجرائم وفنيت منذ قرون ، نعم هي طاعة تعبدية ، لكن لا بد معها من التواصل العاطفي والتربوي وحسن الخلق ولين الجانب وتزكية النفوس ، ومداراة الناس لتقوى الرابطة بين المجتمع الواحد . وأهل الإصلاح يعرفون قيمة هذه المعاني .


وانظر إلى المريض المحروم حينما تزوره كيف تتبدَّل نفسه فرحاً ويشعر بالعافية والسرور بلقاء الناس وتفقدهم له .


وقد أعجبتني عبارة سمعتها من أحد مشايخي قديماً قال : ليس بالحدود تقام الشريعة ، لأن الحدود جزء من المعاملات ، والمعاملات هي الطابق االرابع فكيف تقيم بنياناً وليس أسفله إلا الهواء ؟! فهذا ضرب من الجنون والهذيان ، فلا بد من التعليم ثم العبادة ثم الترهيب ثم إقامة حدود الله . وهذا من الكلام الذي يكتب بماء العين . فالحمد لله على نعمة الإسلام .


ولو تأمل العاقل سيرة الرسول من بعثته إلى وفاته لعلم أنه كان يحرص على الثواب قبل العقاب ، فلم يكن الإنتقام ولا التشفِّي ولا الغضب هي غايته ومرامه .


لعل من أخطاء الشباب الظاهرة في المجتمع المسلم عدم التفريق بين مخالفة العرف والتعبير عن المشاعر النفسية . فللمسلم أن يُعبِّر عن مشاعره مع أصدقائه أو زملائه أو أقربائه ، لكن ليس على حساب العرف العام الذي ربما يكون يتساوى مع الشرع في منع الفعل أو كراهته لأسباب قد يفهمها المسلم وقد تكون خفية لقلة علمه أو لضعف بصيرته .


ولو اعترض معترض أن الحضن المجاني سرور وبهجة ، والشرع لا يخالف هذا الباب ، فيقال له : لقد فتح الصحابة الأمصار وأخذوا أحسن ما فيها من أعراف وعملوا بها وأقرَّهم الرسول عليها مما أدركه منها ، والرسول لا يقر على باطل . ومن ذلك ضرب النقود وديوان الجيش والدواوين والخراج وأمور اللباس وطريقة الزواج ومظاهره ، وغيرها من الأعراف المقبولة .


والإمام الشافعي تعالى في كثير من فتاويه لما استقر في مصر نقَّحها لقوة أدلة ظهرت له ، وفي بعضها مراعاة للعرف في وجه من وجوهها ، بل إن الإمام مالك تعالى أسقط الرضاع عن المرأة الشريفة مع الإقرار بأمومتها نظراً لعرف الناس في زمنه ومراعاة لحالهم .


والمقصود أنه لم ينجح أحد !.. فالشباب لم تُفهم أحوالهم ولم تراع مصالحهم، لأن بعضهم كبير بعمره لكن صغير بعقله وتفكيره ، وبدائل المنع في مجتمعنا ضئيلة ،ولم تلق من يعنى بها عناية كاملة في إطار الشريعة .



نجح التجار في تسويق منتجاتهم وبضائعهم ، وفشل المربون والمصلحون في احتواء الشباب إلا من رحم الله ، ولهذا حُقَّ لنا أن نقول : ماذا خسر الشباب بفشل المربين في إنقاذهم من غفلتهم ؟!
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة


(منقول )