اعتنى به: عمرو الشرقاوي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
بعد أن انتهينا من استعراض مسائل من مقدمة تفسير الإمام الطبري، سنبدأ بانتخاب بعض الآيات لنناقش فيها ما هو مشكل أو محتاج لإيضاح، ونحو ذلك .
ونبدأ بسورة البقرة، لمناقشة الأحرف المقطعة، لما فيها من إشكال وغموض عند من يقرأ في التفسير([1]) .
وقبل البدء يحسن بنا ذكر تنبيهات:
أولًا: قول الطبري : ((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيْهَا الْبَقَرَةُ)) [1/204]، وكأنه يذهب لرأي بعض العلماء الذين يقولون بأنه لا يقال سورة البقرة، وهكذا، ونقول - كأنه كذلك لأنها من باب الظن - لما جرى عليه الطبري في كتابه، وقد ورد في حديث لكنه ضعيف جدًا، والصحيح جواز أن يقال: سورة البقرة، وسورة آل عمران ...الخ، كما ثبت عن النبي في عدة أحاديث([2]) .
ثانيًا: وقع خلاف بين أهل العد في عد الأحرف المقطعة آية، فانفرد العد الكوفي بعدها آية، وبما أن المصحف المضبوط الذي بين أيدينا، وضبط عليه تفسير الطبري هو على رواية حفص عن عاصم، وحفص من الكوفيين، إذ (عاصم وحمزة والكسائي) من قراء الكوفة الذين انتخبهم القراء، وارتضوا قرائتهم، فهذه الأحرف المقطعة تعد عندهم آية .
وأما عند غيرهم من علماء العدد، كالعد (المدني الأول، والمدني الثاني، والمكي، والبصري، والشامي) فهؤلاء لا يعدونها آية .
[1/204]
قال الطبري : ((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ السُّورَةِ الَّتِي يُذْكَرُ فِيْهَا الْبَقَرَةُ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى الم [البقرة: 1] قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: اخْتَلَفَتْ تَرَاجِمَةُ الْقُرْآنِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: الم [البقرة: 1] فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: " الم [البقرة: 1] قَالَ: اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الم [البقرة: 1] اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، قَالَ: " الم [البقرة: 1] اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ ")).

التعليق:
وهنا فائدة وهي قوله: ((تراجمة))، ويستخدم التعبير الآخر، ((ترجمان)) كما في وصف ابن مسعود لابن عباس .
والمعنى: الذين يترجمون معاني القرآن بنقلها من الألفاظ التي نزل بها القرآن إلى معاني أخرى من كلام العرب، وعملية المفسر هي شبيهة بعملية المترجم، فالمفسر ينقل الكلام من لفظ إلى لفظ آخر لتقريب المعنى .
وقوله: (الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ) .

ولفظ التأويل عنده ، مقابلة للفظ (التفسير عنده) كما قال [1/6]: ((اللَّهُمَّ فَوَفِّقْنَا لِإِصَابَةِ صَوَابِ الْقَوْلِ فِي مُحْكَمِهِ وَمُتَشَابِهِهِ، وَحَلَالِهِ وَحَرَامِهِ، وَعَامِّهِ وَخَاصِّهِ، وَمُجْمَلِهِ وَمُفَسَّرِهِ، وَنَاسِخِهِ وَمَنْسُوخِهِ، وَظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ، وَتَأْوِيلِ آيِهِ، وَتَفْسِيرِ مُشْكِلِهِ)) .
وسبق الوقوف عند هذا، وبيان هل التفسير هو التأويل عنده، أم أن التفسير للمشكل فقط والتأويل أعم ؟ وبينا القول في ذلك .
ولكنا إذا نظرنا إلى تعبير الإمام في جميع تفسيره، سنجد أن المراد التفسير، ولا يريد ما تؤول إليه المعاني، فهو مشعر بأن المراد، هو تفسير الألفاظ .
وقوله: ((هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ.)) .
وردت الرواية بذلك في طبقة التابعين وأتباع التابعين عن (قتادة، ومجاهد، وابن جريج)، وابن جريج قد أخذ التفسير عن مجاهد فلا يبعد أن يكون قد تأثر بقول مجاهد في هذا القول التي قاله .
وهنا عدة أسئلة قبل تحليل ما ورد في الأحرف المقطعة، وهي:
1- هل الأحرف المقطعة تدخل في القسم الذي قال عنه ابن عباس: ((وتفسير لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه فقد كذب)) ؟
الجواب: أنها لا تدخل في ذلك، وحجة ذلك؛ تكلم السلف في معاني هذه الأحرف، فلو كانت من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، لما اجترأ هؤلاء الكرام في الكلام عن هذه الأحرف .
2- هل الأحرف لها في ذاتها معاني أم لا ؟
والجواب: لو تأملنا في تفسير السلف لوجدنا أن بعض هذه التفسيرات تؤول أن لها معني، والبعض الآخر يؤول إلى أنه ليس لها معنى .
وهذا سيتبين من خلال التفاسير، فمن قال أنها اسم، والاسم يدل على مسمى، والاسم إما أن يكون معلوم المعنى، وإما أن لا يكون معلوم المعنى، فما معنى أن نقول أنه اسم من اسماء القرآن ولا معنى له، فإذا قلت لك اقرأ: الم فقرأت البقرة، فقلت لك لا أنا أقصد سورة أخرى .
فهو قول معتبر لاعتبار من قال به؛ إذ من قال به من كبار طبقة التابعين، والمقصود: أنه حين نتعامل مع هذا القول، فهو له قيمة وإن لم نأخذ به .
وقول التابعي له قيمة كبيرة من جهة أنه قد يكون مما نقله التابعي عن الصحابي وإن لم ينسبه، وهذا من الطرق المعروفة عند العلماء .
ولا يبعد أن يكون هذا مما تلقوه إذ لا يقال مثل هذا بالرأي، إذا اسماء القرآن محدودة، فإن لم نرض هذا القول، فلا نستعجل في رده، ويبقى له وجهه، لأن لهؤلاء العلماء قدرهم في العلم، وفي علم التفسير عمومًا .
ومن خلال ما نعرف، أن الأسماء لها معانٍ، ولعل له وجهًا لم نعرفه، فلذلك أتوقف فيه .
[1/204 - 205]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ فَوَاتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الم [البقرة: 1] فَوَاتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " الم [البقرة: 1] فَوَاتِحُ ".
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: " الم [البقرة: 1] وَ حم [غافر: 1] وَ المص [الأعراف: 1] وَ ص [ص: 1] فَوَاتِحُ افْتَتَحَ اللَّهُ بِهَا ".)).

التعليق:
هذا القول الثاني، وفيه تعدد في الطرق عن مجاهد، وأحد هذه الطرق قريب من النقل عن مجاهد أنها اسم من أسماء القرآن .
فمجاهد له أكثر من قول، وبعض من لا يعرف منهج التفسير يظن أن مجاهد قد اضطرب في ذلك، وليس ذلك بصحيح .
فإذا جاءك أكثر من قول عن إمام من أئمة التفسير، فينبغي أولًا حمله على التنوع، واحتمال الآية للقولين جميعًا .
لكننا إذا نظرنا إلى قول مجاهد الثاني سنجد أن ما ذكره لا يعتبر من قبيل بيان المعاني، وهو صحيح إذ ترد هذه الأحرف في فواتح السور، فلا بأس من القول بأنها فواتح لها.
وتعبيره: ((فَوَاتِحُ يَفْتَحُ اللَّهُ بِهَا الْقُرْآنَ))، من باب التعبير بالكل والمراد به الجزء .
فليس هذا من قبيل التفسير، وإنما هو من قبيل الوصف، فخرج القول بذلك عن باب المعاني.
وليس بينه وبين القول الأول معارضة، فيجمع بينهما، بأنه يجوز أن يكون من باب تسمية القرآن، وأنها فواتح للسور .
[1/205 - 206]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِلسُّورَةِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده، عن عَبْد اللَّهِ بْن وَهْبٍ، قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ قَوْلِ اللَّهِ: " الم ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] وَ الم تَنْزِيلُ [السجدة: 1] وَ المر تِلْكَ [الرعد: 1] فَقَالَ: قَالَ أَبِي: إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ ".)).

التعليق:
قوله: ((إِنَّمَا هِيَ أَسْمَاءُ السُّوَرِ))، الاسم موضوع للتمييز، ولذا ورد في بعض الأحاديث: عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ، يَوْمَ الْجُمُعَةِ: الم تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ سُورَةَ الْجُمُعَةِ، وَالْمُنَافِقِينَ "([3]).
فلو قيل قرأ (الم) فقط لما اتضح المراد، فلا بد من الإضافة لاتضاح المراد، فتميزها جاء بالإضافة، وليس بمفردها، وهذا ليس فيه بيان معنى، وإنما جُعل تمييزًا للسورة .
ومن السور ما تتميز فواتحها ولا تشترك مع غيرها كــ (المر)، (كهيعص)، (المص) بخلاف نحو (الم) و (حم) .
[1/206]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده عن شُعْبَة، قَالَ: سَأَلْتُ السُّدِّيَّ عَنْ حم [غافر: 1] وَ طسم [الشعراء: 1] وَ الم [البقرة: 1] فَقَالَ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: «هُوَ اسْمُ اللَّهِ الْأَعْظَمُ».
وبإسناده، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَذَكَرَ نَحْوَهُ.
وبإسناده، عَنْ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، قَالَ: «فَوَاتِحُ السُّوَرِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ».)).
التعليق:

هذا مشكل، وكل مشكل يحتاج إلى نظر لفكه .
فهذا القول بحسب الظاهر، يمكن أن نقول: إن (الم) اسم من أسماء الله، و (حم) اسم من أسماء الله، فهل كان هذا هو مرادهم بعينه، أم لهم مراد آخر ؟
وهذا المراد إنما يتبين بمعرفة طرقهم في التعبير عن مراداتهم، وبجمع أقوالهم الأخرى .
وإذا قلنا أن مرادهم: إن اسم الله يتركب من هذه الأحرف الموجودة في أوائل السور، وليس مرادهم أن هذا بعينه هو اسم الله الأعظم، وبهذا يزول الإشكال بحمد الله .
ولعل قول الشعبي، «فَوَاتِحُ السُّوَرِ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ»: من الإشارات إلى مثل هذا التأول، إذ قد جعلها من أسماء الله دون الاسم الأعظم .
وقد نبه إلى هذا الراغب الأصفهاني في تفسيره جامع البيان ([4]).
وهنا فائدة ترتبط بالأسانيد، وهي قول السدي، ((قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ)).
ثم أورد بإسناده، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، عَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه، يعني: ابن مسعود.
وقبل أن نتهجم على مثل هذه الأقوال، لا بد من السؤال والبحث، فإن قال قائل، وما العمل في الإسناد ؟
فالجواب: أن ننظر إلى صنيع الطبري، وغيره، فسنجد أنهم أمروها كما جاءت، ولم ينتقدوا من الأسانيد إلا ما احتوى على إشكال، ولم يستشكل الطبري تعالى هذه الأقوال .
فجملة هذه الأسانيد هي التي روي بها تفسير السلف، وهي مقبولة .
[1/206]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهِيَ مِنْ أَسْمَائِهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «هُوَ قَسَمٌ أَقْسَمَ اللَّهُ بِهِ، وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ».
وبإسناده، عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ: " الم [البقرة: 1] قَسَمٌ ".)).

التعليق:
هنا رواية عن الشيخ وتلميذه، فأما رواية الشيخ فهي عن علي بن أبي طلحة، ومعروف الخلاف المشهور فيها عن ابن عباس ([5]).
وهذا من الأقوال المشكلة في تفسير الأحرف السبعة، لأن القسم عند العرب ينعقد بحروف أو بتقدير حروف، مثل: والله، تالله ..
ولم يشتهر عند العرب أن هذه الحروف كانت قسم، بل لم يشتهر عندهم استخدام هذه الحروف أصلًا .
فاستخدام الأحرف بهذه الطريقة من مفردات القرآن، ولكن الذي يجعلنا نقف - عن صح هذا عن ابن عباس - أن ابن عباس حجة في العربية .
فهل يمنع العقل أن يكون هذا قسم نزل به القرآن، فنقول: إن (الم) قسم خاص بالقرآن لم تعرفه العرب، فيكون من مفردات القرآن كما وقع في الأساليب وغيرها ؟
تنبيه:
هذه الأحرف نزلت في مكة، وبعضها نزل متقدمًا، مثل: ن والقلم وما يسطرون، وهنا سؤال: هل استشكل المشركون هذه الأحرف - مع حرصه على الطعن في الرسالة والمرسل إليه -؟
والجواب: أنهم لم يعيبوها، ولم يستشكلوها، مما يدل على أنها جرت على أسلوبهم وسننهم في الكلم وإن لم يكونوا قد جاؤوا به في كلامهم .
فالكلام الذي في القرآن؛
- إما أن يكون من جنس كلام العرب .
- وإما أن يكون جاريًا على سننهم في الكلام وإن لم يكونوا قد جاؤوا به .
فالنوع الأخير من مفردت القرآن، فيدخل فيه الأحرف المقطعة .
وأي طعن يوجه للقرآن من جهة عربيته من طاعن متأخر عن أبي جهل، وأبي لهب وأضرابهم، فاعلم أنه باطل في ذاته، إذ لو كان صحيحًا لما غفل عنه هؤلاء الأعداء، وهم أبصر الناس باللغة، وأحرصهم على الطعن في القرآن .
قاعدة:

فلو ورد عن الصحابة أمر مرتبط بالتفسير، من جهة اللغة = فالواجب علينا أن نجعله حجة عربية، وأما إن كان متعلقًا بالمعنى = فإن لم يكن هناك ما يعارضه فهو حجة أيضًا .
وإن وقع استشكال فلا بد من النظر في التوجيه، ونحو ذلك، فأحبار العلم ينقلون مثل هذا الأقوال ولا يستشكلونها .
[1/207]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنْ أَسْمَاءٍ وَأَفْعَالٍ، كُلُّ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى الْحَرْفِ الْآخَرِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ، عَنْ أَبِي الضُّحَى، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " الم [البقرة: 1]، قَالَ: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ ".
وبإسناده، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، قَالَ: قَوْلُهُ: " الم [البقرة: 1] قَالَ: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ ".
وبإسناده، عَنْ إِسْمَاعِيلَ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " الم [البقرة: 1] قَالَ: أَمَّا: الم [البقرة: 1] فَهُوَ حَرْفٌ اشْتُقَّ مِنْ حُرُوفِ هِجَاءِ أَسْمَاءِ اللَّهِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ ".
وبإسناده، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: " الم [البقرة: 1] وَ حم [غافر: 1] وَ ن [القلم: 1] ، قَالَ: اسْمٌ مُقَطَّعٌ ".)).

التعليق:
نلاحظ أن ترجمة الإمام الطبري ، تبعد عن فهم مراده - أحيانًا -.
فالمفهوم من كلام الطبري ، أن كل حرف يقصد به هذا المعنى دون غيره .
والذي يظهر أن مراد ابن عباس ، مع ما سبق ما ذكرناه أنهم قالوه أنها: أسماء الله = أنهم قصدوا التمثيل .
فهل مراد ابن عباس أن كل حرف دالٌ على ما ذكره، فالألف بمعنى أنا، واللام بمعنى لفظ الجلالة (الله)، والميم بمعنى أعلم ؟
والظاهر غير هذا، فقد ورد عنه أنه قال: ((الألف الله، واللام جبريل ، والميم محمد صلّى الله عليه وسلّم))([6]).
وقد نبه الراغب على هذا([7]) وذكر أنه إنما اختار من الألفاظ أجلها، وجعل الراغب هذا على سبيل التمثيل لكلام، وليس مرادهم أن المقصود بها عين ما ذكر، ومقصودهم أن الألف يتركب منها كلام كما يتركب (أنا) واللام يتركب منها كلام كما يتركب (لفظ الجلالة)، والميم يتركب منها كلام كما يتركب (أعلم)، وفي هذا إشارة إلى قضية التحدي بالقرآن.
يلاحظ أيضًا: أن كلام السديّ، من هذا الباب أيضًا .
وقول ابن عباس: ((الم [البقرة: 1] وَ حم [غافر: 1] وَ ن [القلم: 1] ، قَالَ: اسْمٌ مُقَطَّعٌ ")).
فكأنه جَمَّعَ هذه الحروف لتدل على اسم الله (الرحمن) .
[1/208]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ حُرُوفُ هِجَاءٍ مَوْضُوعٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: " فَوَاتِحُ السُّوَرِ كُلِّهَا ق [ق: 1] وَ ص [ص: 1] وَ حم [غافر: 1] وَ طسم [الشعراء: 1] وَ الر [يونس: 1] وَغَيْرُ ذَلِكَ، هِجَاءٌ مَوْضُوعٌ ")).

التعليق:
وهذا ليس فيه بيان معنى، وفيه فائدة: أن مصطلح ((هجاء)) مصطلح قديم، ومعنى موضوع: أنه متواضع عليه .
ولو تأملنا قول مجاهد لوجدنا أنه يلتئم فيه كل ما سبق، فالقول أنها من فواتح السور، أو القول بأنها أسماء الله ...الخ، كل ذلك يصدق عليه أنه من حروف الهجاء، وهذا إذا جعلنا أقوالهم من باب التمثيل لكلام ما .
[1/209]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ حُرُوفٌ يَشْتَمِلُ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا عَلَى مَعَانٍ شَتَّى مُخْتَلِفَةٍ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ؛
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: " الم [البقرة: 1] قَالَ: هَذِهِ الْأَحْرُفُ مِنَ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا، دَارَتْ فِيهَا الْأَلْسُنُ كُلُّهَا، لَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ فِي آلَائِهِ وَبَلَائِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مُدَّةُ قَوْمٍ وَآجَالُهُمْ. وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: وَعَجِيبٌ
([8])يَنْطِقُونَ فِي أَسْمَائِهِ، وَيَعِيشُونَ فِي رِزْقِهِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُونَ؟ قَالَ: الْأَلِفُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، وَالْمِيمُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ؛ وَالْأَلِفُ: آلَاءُ اللَّهِ، وَاللَّامُ: لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ: مَجْدُهُ؛ الْأَلِفُ: سَنَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالْمِيمُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ بِنَحْوِهِ.)).

التعليق:
هذا القول فيه أكثر من مسألة:
أولًا: قول الطبري: ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ حُرُوفٌ يَشْتَمِلُ كُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا عَلَى مَعَانٍ شَتَّى مُخْتَلِفَةٍ.)). متقارب مع قوله: ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ مِنْ أَسْمَاءٍ وَأَفْعَالٍ، كُلُّ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ لِمَعْنًى غَيْرِ مَعْنَى الْحَرْفِ الْآخَرِ.)) [1/207].
ولو تأملنا كلام الربيع بن أنس لوجدناه يضرب أمثلة .
وكلام الربيع مفيد أن الأحرف معدودة في عهدهم على أنها (29) حرف، وكلام المتأخرين على أن الحروف (28) .
وقد روى ابن أبي حاتم - قول الربيع - عن الربيع عن أبي العالية، فكأنه أخذه من شيخه .
وقوله: ((وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: وَعَجِيبٌ يَنْطِقُونَ فِي أَسْمَائِهِ، وَيَعِيشُونَ فِي رِزْقِهِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُونَ؟ قَالَ: الْأَلِفُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، وَالْمِيمُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ؛ وَالْأَلِفُ: آلَاءُ اللَّهِ، وَاللَّامُ: لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ: مَجْدُهُ؛ الْأَلِفُ: سَنَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالْمِيمُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً ".)).
وهذا مع أنه خبر عن معصوم، فقد نقله الطبري من غير استشكال .
وكلام عيسى يعجِّب كيف أن الرزق من الله والناس يكفرون .
وأما قوله: ((الْأَلِفُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، وَالْمِيمُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ؛ وَالْأَلِفُ: آلَاءُ اللَّهِ، وَاللَّامُ: لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ: مَجْدُهُ؛ الْأَلِفُ: سَنَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالْمِيمُ: أَرْبَعُونَ سَنَةً ")).
فهذا على حِسَابِ الجُمَّل ([9]).
وهذا الكلام لا إشكال فيه، بغض النظر عن نسبته إلى عيسى أو عدم نسبته .
فهي من باب أن هذه الأحرف تستخدم في دلالات متعددة، وليس مراده أن هذا يساوي هذا.
فإن قال قائل، وهل كان عيسى يتكلم العربية ؟
فالجواب([10]): من خلال المنقول عن العلماء أنه كان يتكلم هذه اللغة، ولا يلزم أنها كانت لغة النبي .
وقد سبق أن قد طرحنا أن المستشرقين أفسدوا لغة هذه المنطقة وتاريخها، حتى يبعدوا أي اتصال بين الإسلام وبين الأنبياء السابقين .
ويبعدوا أي اتصال بين عرب الجزيرة، وغيرهم من عرب العراق، ومصر وغيرها .
[1/210]
قال الطبري : ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ حُرُوفٌ مِنْ حِسَابِ الْجُمَلِ، كَرِهْنَا ذِكْرَ الَّذِي حُكِيَ ذَلِكَ عَنْهُ، إِذْ كَانَ الَّذِي رَوَاهُ مِمَّنُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ وَنَقْلِهِ، وَقَدْ مَضَتِ الرِّوَايَةُ بِنَظِيرِ ذَلِكَ مِنَ الْقَوْلِ عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِكُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ، وَسِرُّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُهُ.)).
التعليق:
القول بأنها حساب الجمل هو الذي سبق، أما قوله: ((إِذْ كَانَ الَّذِي رَوَاهُ مِمَّنُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى رِوَايَتِهِ وَنَقْلِهِ))، فيقصد ما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس([11]).
ومن باب الفائدة، فإن حساب الجمل من حساب اليهود .
وقوله: ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِكُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ، وَسِرُّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُهُ.)).
هذا القول مروي عن الشعبي، فهل معنى كلامه أنه لا يتعرض لها ؟
والجواب: لو افترضنا هذا فهذا رأي الشعبي وهو من التابعين، وأما غيره فقد تكلم فيها .
ولكن؛ لعل مراده، أن الفواتح سر القرآن إلى الآن، فمثلًا: لم خصت سورة البقرة بافتتاحها بــ (الم)، ولم جاءت بعضها على حرف، وبعضها على حرفين ؟
فهذا من سر الله، ولكنه ليس من باب المعاني، وإنما من باب الحكم .
وأهم شيء أن ندرك أن هذه الأحرف لا معاني لها، لأن الحرف في لغة العرب لا معنى له، أما البحث عن الحكم، فقد نصل إليها، وقد لا نصل .





ملحق في الأحرف المقطعة
القول في الأحرف المقطعة([12]):
هل الأحرف المقطعة من المتشابه؟.
الجواب: فيه تفصيل، فإن كان المراد أنها من المتشابه النسبي الذي قد يخفى على قوم، فنعم.
وإن كان المراد أنها من المتشابه الكلي، فلا، ومن أدخلها في المتشابه الكلي، فقد أخطأ، لأن السلف قد تعرَّضوا للقول فيها، ولو كانت من المتشابه الكلي لما قالوا فيها شيئًا، وهذا من أدلِّ الدليل على خروجها عن أن تكون من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله.
ويورد بعض أعلام المتكلِّمين هنا سؤالًا:
هل يجوز أن يخاطبنا الله بما لا نعلم معناه؟.
أو هل في القرآن ما لا نعلم تأويله؟ ([13]).
وبعضهم يبنون على هذا أنَّ الأحرف المقطعة، وغيرها من المتشابه الكلي الذي لا يعلمه إلا الله، لذا يقولون في تفسيرها: الله أعلم بمراده بها.
وتركيب السؤال غلط، لأنه لا يوجد في القرآن ما لا يُعلمُ معناه، حتى يخفى على الجميع، وما يوجد فيه مما لا يصل إليه علم البشر هو خارج عن المعنى وداخل في أمر آخر، وهو أمر الغيبيات التي سبق الإشارة إليها من وقت وقوعها وكيفياتها، وكذا بعض الحِكِمِ التي أخفاها الله على عباده، فكل هذه لا علاقة لها بفهم المعنى، بل هي خارجة عنه.
وإذا تأملت الأحرف المقطعة وما قال العلماء فيها، وجدتهم فريقين:
الفريق الأول: من قال: إن الله استأثر بعلمها، وفحوى قولهم أن لها معنى، لكن لا يعلمه إلاَّ الله.
الفريق الثاني: من تعرَّض للحديث عنها، وذكر فيها كلامًا، وهم على قسمين:
قسم يظهر من كلامهم أن لها معنى، ولها تفسير يعلمُ معناه.
وقسم يجعلها حروفًا لا معنى لها، لأن الحرف في لغة العرب لا معنى له.
والصحيح في ذلك - والله أعلم - ما لخَّصه العلاَّمةُ أبو عبد الله محمد بن صالح العثيمين تعالى (ت: 1421)، فقد قال في جواب له عنها: ((هذه الحروف ليس لها معنى، ولها مغزى)) .
وهذا الجواب مبني على أنَّ الحرف في لغة العرب لا معنى له، والقرآن نزل بلغتهم، كما قال تعالى: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) [يوسف: 2]، والعرب لم تجعل للحرف المفرد معنى، فحرف الصاد بمفرده لا معنى له، وكذا حرف الدال، وحرف القاف، لكن إذا جمعتها إلى بعضها تركَّب منها كلمة لها مدلول، وهي ((صدق))، وهكذا غيرها من الأحرف التي هي مباني الكلام.
ولما كان الحرف لا معنى له في لغتهم، فإنه لا يُتطلَّب لهذه الأحرف معنى محدَّدًا تدلُّ عليه.
وإذا تأمَّلت جمهور تفسير السلف، وجدته راجعًا إلى هذا التحرير الذي ذكرته لك، وقد أشار إلى ذلك بعض المحققين.
قال الراغب الأصفهاني (ت: بعد 400) : (( ... وقال: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ) [البقرة: 1- 2] تنبيهًا على أن هذا الكتاب مركب من هذه الحروف التي هي مادة الكلام))([14]).
وقال: ((إن المفهوم من هذه الحروف، الأظهر بلا واسطة، ما ذهب إليه المحققون من أهل اللغة، كالفراء وقطرب - وهو قول ابن عباس وكثير من التابعين على ما نبينه من بعد - وهو أن هذه الحروف لما كانت عنصر الكلام ومادته التي يتركب منها، بيَّن تعالى أنَّ هذا الكتاب من هذه
الحروف التي أصلها عندكم، تنبيهًا على إعجازهم، وأنه لو كان من عند البشر لما عجزتم - مع تظاهركم - عن معارضته))([15]).
وقال: ((وما روي عن ابن عباس أن هذه الحروف اختصار من كلمات، فمعنى: ((ألم)) : أنا الله أعلم، ومعنى ((ألمر)) : أنا الله أعلم وأرى، فإشارة منه إلى ما تقدم. وبيان ذلك ما ذكره بعض المفسرين أنَّ قصده بهذا التفسير ليس أن هذه الحروف مختصة بهذه المعاني دون غيرها، وإنما أشار بذلك إلى ما فيه الألف واللام والميم من الكلمات تنبيهًا أن هذه الحروف منبع هذه الأسماء، ولو قال: إنَّ اللام يدل على اللعن، والميم على المكر، لكان يُحمل، ولكن تحرَّى في المثال اللفظ الأحسن، كأنه قال: هذه الحروف هي أجزاء ذلك الكتاب.
ومثل هذا في ذكر نُبَذٍ تنبيهًا على نوعه، قول ابن عباس في قوله تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: 8] أنه الماء الحار في الشتاء، ولم يُرِدْ به أن النعيم ليس إلا هذا، بل أشار إلى بعض ما هو نعيم تنبيهًا على سائره، فكذلك أشار بهذه الحروف إلى ما يتركب منها، وعلى ذلك ما رواه السُّدِّيُّ عنه أن ذلك حروف إذا رُكِّبت يحصل منها اسم الله.
وكذلك ما روي عنه أنه قال: هي أقسام = غير مخالف لهذا القول، وذلك أن الأقسام الواردة في فواتح السور إنما هي بنعم، وأجوبتها تنبيه عليها، - فيكون قوله: (الم ذَلِكَ الْكِتَابُ) [البقرة: 1- 2] جملة في تقدير مقسم به. وقوله: (لاَ رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: 2] جوابها، ويكون إقسامه بها تنبيهًا على عِظَمِ موقعها، وعلى عجزنا عن معارضة كتابه المؤلف منها.
فإن قيل: لو كان قسمًا، لكان فيه حرف القسم.
قيل: إن حرف القسم يُحتاج إليه إذا كان المقسم به مجرورًا. فأما إذا كان مرفوعًا نحو: ((ويمُ الله)) ، أو منصوبًا نحو: ((يمينَ الله)) ، فليس بمحتاج إلى ذلك.
وما قاله زيد بن أسلم والحسن ومجاهد وابن جريج أنها أسماء للسور، فليس بمناف للأول، فكل سورة سُمِّيت بلفظ متلو منها، فله في السورة معنى معلوم. وعلى هذا القصائد والخطب المسماة بلفظ منها ما يفيد معنى فيها.
وكذلك ما قاله أبو عبيدة، وروي أيضًا عن مجاهد وحكاه قطرب والأخفش: أن هذه الفواتح دلائل على انتهاء السورة التي قبلها، وافتتاح ما بعدها، فإن ذلك يقتضي من حيث إنها لم تقع إلاَّ([16]) في أوائل السور = يقتضي ما قالوه، ولا يوجب ذلك أن لا معنى سواه ... ))([17]) .
ومن هذا يتبين أن هذه الأحرف تخرج عن المتشابه الكلي، كما لا تدخل في السؤال الذي يطرحه بعض العلماء، وهو هل في القرآن ما لا يعلم معناه؟ لأنها أحرف لا تحتوي على معنى بذاتها فيطلب منها، أما إذا تركب منها الكلام، فلا يمكن أن يكون في القرآن كلام لا يعرف معناه، والله الموفق.
وبقي في هذه الأحرف مسألة، وهي المغزى من هذه الأحرف، وهو على التحقيق: ما ذكر ابن كثير (ت: 774)، قال: ((وقال آخرون: بل إنما ذكرت هذه الحروف في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله، هذا مع أنه مُرَكَّبٌ من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها.
وقد حَكَىَ هذا المذهب الرازيُّ في تفسيره عن المبرد وجمع من المحققين، وحكى القرطبي عن الفراء وقطرب نحو هذا، وقرَّره الزمخشريُّ في كشافه، ونصره أتم نصر، وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.
قال الزمخشري: ولم ترد كلها مجموعة في أول القرآن، وإنما كررت ليكون أبلغ في التحدي والتبكيت كما كررت قصص كثيرة، وكرر التحدي بالصريح في أماكن.
قال: وجاء منها على حرف واحد، كقوله: (ص) (ن) (ق)، وحرفين مثل: (حم)، وثلاثة مثل: (الم)، وأربعة مثل: (المر) و (المص)، وخمسة مثل: (كهيعص) و (حمعسق)، لأن أساليب كلامهم على هذا: من الكلمات ما هو على حرف وعلى حرفين وعلى ثلاثة وعلى أربعة وعلى خمسة لا أكثر من ذلك.
قلت: ولهذا كل سورة افتتحت بالحروف، فلا بد أن يذكر فيها الانتصار للقرآن، وبيان إعجازه وعظمته، وهذا معلوم بالاستقراء، وهو الواقع في تسع وعشرين سورة، ولهذا يقول تعالى: (الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ) [البقرة: 1- 2] .
(الم * اللهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) [آل عمران: 1- 2] .
(المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلاَ يَكُن فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِّنْهُ) [الأعراف: 1- 2] .
(الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ) [إبراهيم: 1] .
(الم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ لا رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ الْعَالَمِينَ) [السجدة: 1- 2] .
(حم * تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) [فصلت: 1- 2] .
(حم * عسق * كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [الشورى: 1- 3] .
وغير ذلك من الآيات الدالة على صحة ما ذهب إليه هؤلاء لمن أمعن النظر والله أعلم))([18]).
وبهذا ينتهي الحديث عن الأحرف المقطعة، وبالله التوفيق.


(*) يمكن الاستماع للمحاضرة صوتيًا على هذا الرابط .
(1) عرض الشيخ لمسألة الأحرف المقطعة، في كتابه: مفهوم التفسير والتأويل ..، (147)، وسنلحقه في آخر هذه الورقات بإذن الله .
(2) انظر في هذه المسألة: التبيان في آداب حملة القرآن: (170)، وفضائل القرآن، لابن كثير: (231)، وقال: وكره بعض السلف ذلك، ولم يروا أن يُقَال إلا السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، ولا شكَّ أن هذا أحوط وأولى، ولكن قد صحَّت الأحاديث بالرخصة في الآخر، وعليه عمل الناس اليوم ترجمة السور في مصاحفهم، وبالله التوفيق.
وأما الحديث فروى عن أنس مرفوعا: «لا تقولوا سورة البقرة ولا سورة آل عمران ولا سورة النساء، وكذلك القرآن كله، ولكن قولوا: السورة التي يذكر فيها البقرة، والتي يذكر فيها آل عمران، وكذلك القرآن كله»، رواه الطبراني في «الأوسط» وقال الهيثمي: فيه عبيس بن ميمون وهو متروك.
انظر: مجمع الزوائد، (7/ 157). وقال ابن كثير: لا يصح رفعه. انظر: التحبير في علم التفسير، للسيوطي (ص 633، 634).
وبوب البخاري في صحيحه: بَابُ مَنْ لَمْ يَرَ بَأْسًا أَنْ يَقُولَ: سُورَةُ البَقَرَةِ، وَسُورَةُ كَذَا وَكَذَا، (6/194)، وأورد فيه عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الآيَتَانِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ مَنْ قَرَأَ بِهِمَا فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ»، (5040) .
(3) رواه البخاري: (1068)، ومسلم: (879) .
(4) سيأتي قوله في الملحق .
(5) انظر مقال الشيخ د. مساعد الطيار، أسانيد التفسير (إجابة على سؤال عن صحيفة ابن أبي طلحة)، على هذا الرابط:((http://vb.tafsir.net/tafsir244/)) .
(6) ذكره عنه: التستري في تفسيره: (1/25)، والماتريدي في تأويلات أهل السنة: (1/370)، وذكره في زاد المسير: (1/26)، ونقله القرطبي: (1/155) .
وروي عن عطاء كما في بلوغ النهاية لمكي: (1/119) .
فائدة: قال السيوطي في نواهد الأبكار، (1/265): قوله - أي: البيضاوي -: (وعنه أن الألف من الله، واللام من جبريل، والميم من محمد)، ومثله المناوي في الفتح السماوي: (1/126) .
هذا لا يعرف عن ابن عباس، ولا غيره من السلف!.
وانظر: كلام الشاطبي في الموافقات: (4/235).
(7) سيأتي كلام الراغب في الملحق بإذن الله تعالى .
(8) ضبطها الشيخ: (وعجَّب) .
(9) حسَابُ الجُمَّل طريقةٌ حسابية تُوضَع فيها أحرف الهجاء العربية مقابل الأرقام، بمعنى أن يأخذ الحرف الهجائي القيمة الحسابية للعدد الذي يقابله وفق جدول معلوم.
يقوم حساب الجُمَّل، الذي يسمّى أيضًا حساب الأبجدية، على حروف أبْجَدْ أو الحروف الأبجدية، وهي: أبْجَدْ، هوز، حطِّي، كَلَمُنْ، سَعْفَص، قَرَشَتْ، ثَخَذْ، ضَظَغٌ.
ومجموعها ثمانية وعشرون حرفًا؛ تسعة منها للآحاد، وتسعة للعشرات، و تسعة للمئات، وحرف للألْف. والجدول التالي يبيّن طريقة المقابلة بين الحروف والأرقام في حساب الجمّل.
وتتميز هذه الطريقة بالاختصار وجمع الأعداد الكثيرة في كلمة واحدة أو كلمات، وهذا ما جعل حساب الجمّل سهل الاستخدام في نَظْم العلوم والمعارف وتاريخ الأحداث. كما يمكن أن يكون نوعًا من التَّعْمية أو التَّشْفير بتحليل الأعداد المعطاة إلى مجموعة حروف مكونة بذلك لُغْزًا أو شفرة.
وهى كالآتي:
أ=1 ، ب=2 ، ج=3 ، د=4 ، ه=5 ، و=6 ، ز=7 ، ح=8 ، ط=9 .
ي=10 ، ك=20 ، ل=30 ، م=40 ، ن=50 ، س=60 ، ع=70 ، ف=80 ، ص=90 .
ق=100 ، ر=200 ، ش=300 ، ت=400 ، ث=500 ، خ=600 ، ذ=700 ، ض=800 ، ظ=900 .
غ=1000 .
(10) انظر في هذه القضية، مقالات المعرب للشيخ د. مساعد الطيار، وهي منشورة على الشبكة .
وستطبع قريبًا إن شاء الله .
(11) أورده الكرماني في الغرائب: (1/110)، وانظر: سيرة ابن هشام: (1/545) .
(12) نقل هذا الملحق من كتاب: مفهوم التفسير، والتأويل، ...، د. مساعد الطيار: (ص 147) .
(13) ينظر على سبيل المثال: مقدمة جامع التفاسير للراغب الأصفهاني، تحقيق: أحمد حسن فرحات (ص: 86) .
(14) مقدمة جامع التفاسير (ص: 105) .
(15) مقدمة جامع التفاسير (ص: 142) .
(16) ليس في الأصل ((إلَّا)) ، وقد زدتها لأن المقام يقتضيها.
(17) مقدمة جامع التفاسير (ص: 147- 148) .
(18) تفسير القرآن العظيم، لابن كثير، ط: 3 (1: 38) . وقد نصر هذا القول الشنقيطي في أضواء البيان واستدل بالاستقراء الذي أشار إليه ابن كثير، ينظر: أضواء البيان (3: 5- 7) .