هذا توجيه لقراءة الإمام حمزة في قوله تعالى: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام) بجر "الأرحام"، ورد ما ذكر فيها من طعن بشيء من التفصيل، فهذا من أكثر المواضع في القراءات تعرضًا للطعن، نسأل الله التوفيق والسداد.

﴿ ﭦ ﭧ ﭨ [النساء: ١]قرأ حمزة بخفض الميم (وَالأرْحَامِ)، وقد انفرد حمزة بها من القراء العشرة.
في توجيهها أربعة أوجه:
الأول: وهو الظاهر، أنه معطوفٌ على الضمير المجرور - أي الهاء في >بـ(ـهِ)<- من غير إعادة الجارّ، وعلى هذا فسرها الحسنُ والنخعي ومجاهد، ويؤيده قراءة عبدِ الله: >وِبِالأرحَامِ<. وكانوا يتناشدون بذكر الله والرحم، يقول الرجل: سألتك باللهِ والرَّحِمِ.
الثاني: أنه مجرور بباء مُقدَّرَة، أي: تساءَلون بِهِ و(بِـ)ـالأرحام، وحُذِفَ حرف الجر للعِلم به ولتقدم ذِكره، وإليه ذهب ابنُ جني، ونحوه قولهم : >بِمَنْ تَـمْـرُرْ أَمْرُرْ، وعلى مَن تَنزِلْ أَنزِلْ<، ولم يقولوا : >أمْرُر (به)<، ولا : >أنزِل (عليه)<([1])، فقد حذفوا الجار والمجرور للعلم بهما، ولدلالة ما قبلهما عليهما.
وعلى هذين الوجهين يكون المعنى - والله تعالى أعلم -: اتقوا اللهَ الذي من تعظيمكم له أنكم تتساءلون به، فسؤالُكم به الدالُّ على تعظيمكم له مُوجِبٌ لأن تتقوه، إذا كان كذلك فإنَّ الأرحام التي تتساءلون بها تعظيمًا لها فإن ذلك مُوجِبٌ أيضًا لأن تتقوها، فتؤدُّوا حقها، وتَصِلوها ولا تقطعوها.
وفي هذا معنى زائد على القراءة بالنصب، والتي فيها أمرٌ باتقائها مباشرةً، دون الالتفات لذلك المعنى، وهو أن سؤالكم بها مُوجِبٌ لأن تتقوها، كما أن سؤالكم بالله موجب لأن تتقوه، إلا أن يُقدَّر في قراءة النصب: >واتقوا الأرحامَ التي تتساءلون بها كذلك<، فيكون في كلا القراءتين تقدير. قال أبو شامة: >قراءة النصب على تقدير: >واتقوا الأرحامَ التي تتساءلون بها<، فحذف استغناءً بما قبله عنه، وفي قراءة الخفض حذف: >واتقوا الأرحامَ<، ونبَّه بأنهم يتساءلون بها على ذلك<([2]).
وعلى هذين الوجهين من توجيه القراءة بالجر يكون الوقفُ على >والأرحام< كافيًا، فيحسن الوقف عليها، والابتداء بما بعدها([3]).
قال ابن عاشور - - عن قراءة حمزة: >... فتكون تعريضًا بعوائد الجاهلية، إذ يتساءلون بينهم بالرحم وأواصر القرابة ثم يهملون حقوقَها ولا يصلونها، ويعتدون على الأيتام من إخوتهم وأبناء أعمامهم، فناقضَتْ أفعالُهم أقوالَهم، وأيضًا هم قد آذَوا النبيءَ ﷺ وظلموه، وهو من ذوي رحمهم وأحق الناس بصلتهم، كما قال تعالى: ﴿ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ[التوبة: 128]، وقال: ﴿ ﯣ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ [آل عمران: 164]، وقال: ﴿ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ[الشورى: 23]، وعلى قراءة حمزة يكون معنى الآية تتمة لمعنى التي قبلها<([4]). ا.هـ ، ولعلَّه يعني بداية الآية، وإلا فهي آيةٌ واحدة.
الثالث: أنه مجرور على القسَم، فالواو للقسم، واختلف في المقسَم به، فقيل: إنه >الأرحام<، وهو الظاهر، وقيل: على تقدير: >ورَبِّ الأرحام<، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه.
وعلى وجه القسم يُحتمَل معنيان:
أحدهما: ما ذكره القرطبي: >قال القشيري: وقد قيل: هذا إقسام بالرحم، أي: اتقوا الله وحقِّ الرحم، كما تقول: افعل كذا وحَقِّ أبيك، وقد جاء في التنزيل: ﴿، ﴿ ، ﴿ ، ﴿، وهذا تكلُّف.
قلت: لا تكلُّفَ فيه؛ فإنه لا يبعد أن يكون >والأرحامِ< من هذا القبيل، فيكون أقسَم بها كما أقسم بمخلوقاته الدالة على وحدانيته وقدرته تأكيدًا لها حتى قرنها بنفسه، والله أعلم. ولله أن يُقسِمَ بما شاء، ويمنع ما شاء، ويبيح ما شاء، فلا يبعد أن يكون قَسَمًا، والعربُ تُقسِم بالرحم<([5]).
وعلى هذا الوجه يكون الوقف على >والأرحامِ< كافيًا، ولا يُوقف معه على ﴿ﭦ ﭧ.
والثاني: أن يكون جواب القسم (أو المقسم عليه) قوله : ﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ، وعلى هذا يكون الوقف على >به< تامًّا، ثم يُبدَأُ بقوله: ﴿وَالأَرحَامِ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ؛ لأن القسم موضع استئناف([6]).
واستبعد أبو شامة وجهَ الجر على القسم فقال: >والوجه الثاني في تعليل قراءة الخفض في الأرحام أنها على القسم، وجوابه: ﴿ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ، أقسم سبحانه بذلك كما أقسم بما شاء من مخلوقاته من نحو: ﴿ ﭑ ﭒ ، ﴿ ، ﴿، ﴿ ، إما بها أنفسها، أو على إضمار خالقها ، وهو كإقسامه بالصافات وما بعدها على أن إلهكم لواحد، وهذا الوجه وإن كان لا مطعن عليه من جهة العربية فهو بعيد؛ لأن قراءة النصب وقراءة ابن مسعود بالباء [وبالأرحام] مصرحتان بالوصاة بالأرحام على ما قررناه<([7]).
والوجه الرابع: قيل: معناه: واتقوه في الأرحامِ أن تقطعوها([8]).

وقد تكلم في هذه القراءة قديمًا بعض النحاة وغيرهم غفر الله لهم -، وقد اعترضوا عليها من جهتين، من جهة النحو، ومن جهة المعنى:
فمن جهة النحو قالوا:
لا يجوز عطفُ الاسم الظاهر (وهو هنا >الأرحَامِ<) على الضمير المجرور (وهو هنا الهاء في >بِهِ<) إلا بعد إعادة الخافض (أي >به وَبالأرحامِ<)([9]).
وعلَّلوا ذلك بما يلي:
1- قالوا: اتصال الضمير المجرور بالحرف أشد من اتصال الفاعل بالفعل؛ لأنهما كالكلمة الواحدة، وليس للمجرور متصل يؤكَّد به كالمرفوع، فأعيد الجار.
ووجه الاتصال أن ضمير الجر مُنزَّل منزلة المضاف إليه، والمضاف إليه معاقب للتنوين، والتنوين بعضُ الكلمة، وبعضُ الكلمة لا يصلح للعطف عليه، ولذلك لم يفصل بينهما، فأعيد الخافض ليكون المعطوف كالمستقل بنفسه، ولذلك ذهب الـجَرْمي والزيادي إلى الجواز عند تأكيد المجرور بظاهر، نحو: مررت بك أنت وزيدٍ، وحاصل كلام الفراء فإنه أجاز: مررت به نفسِه وزيدٍ، ومررت بهم كلِّهم وزيدٍ([10]).
2- وعللوا أيضًا بأن قالوا: الثاني في باب العطف شريك للأول، وحقُّ الشريكين أن يصلح كل واحد منهما لأن يحل محل الآخر، وضمير الجر غير صالح لحلوله محل المعطوف عليه، فكما لم يَـجُز: مررت بزيدٍ وك، لم يجز: مررت بك وزيدٍ.
3- قالوا: ولم يجئ ذلك إلا في الشعر، والشعر موضعُ ضرورة.
انتهى قولهم، وفيه نظر. وقبل أن أذكر ما أُجيب به على ما قالوه من حُجَج نظرية أذكر ما قاله الدكتور عبد القادر الهيتي: >وقد منع ذلك البصريون [أي: العطف المذكور من غير إعادة الجار]، ولا ينظر إلى منعهم ذلك؛ لأن قواعدهم قائمة على حجج نظرية، والعربية كغيرها من اللغات الأخرى لا تقيمُها القواعدُ والحججُ النظرية، وإنما هي عبارة عن استعمالها من قِبـَل الناطقين بها([11])، وليست هي مجرد نظريات متكلفة قائمة على التقدير والتأويل<([12]).
وفي الجواب عما قالوه يقال:
أمَّا حملهم إيَّاه على المرفوع ولا منفصل للمجرور فلا يلزم؛ لأن المرفوع إنما ينزل منزلة الجزء لاستتاره في الفعل، بخلاف المجرور، ولو امتنع في المجرور بهذا التعليل لامتنع في المنصوب، نحو: >رأيتك وزيدًا<، وهو جائز باتفاقهم، وقد جاز عطف الاسم الظاهر (زيدًا) على الضمير المنصوب (الكاف)، فالمجرور كذلك، مع أن إعادة الجار لا تغني عن تأكيد المرفوع؛ لأن حلول الشيء محل غيره على غير وجه النيابة لا يعطيه شيئًا من أحكامه.
وأما تنزيلهم إيَّاه منزلةَ التنوين فغيرُ جيد؛ لأنه لو كان بمنزلة التنوين لم يجز العطف عليه البتة؛ لأن التنوين لا يُعطف عليه، ولم يجز الإبدال منه، ولم يجز تأكيده، وكلاهما جائز بالاتفاق([13]).
قال ابن مالك عن جواز هذا العطف: >والجواز أصحُّ من المنع، لضعف احتجاج المانعين، وصحة استعمله نثرًا ونظمًا.
أمَّا ضعفُ احتجاجهم فبيِّن، وذلك أن لهم حجتين<. وذكر ما تقدَّم مما قالوه،
ثم قال: >والحجتان ضعيفتان. أما الأولى فيدلُّ على ضعفها أن شبه الضمير بالتنوين ضعيف، فلا يترتب عليه إيجابٌ ولا منع، ولو منع من العطف عليه لمنع من توكيده، ومن الإبدال منه؛ لأن التنوين لا يؤكد، ولا يُبدل منه، وضمير الجر يؤكد ويبدل منه بإجماع، فللعطف عليه أسوةٌ بهما.
وأما الثانية فيدل على ضعفها أنه لو كان حلول كلِّ واحد من المعطوف والمعطوف عليه محل الآخر شرطًا في صحة العطف لم يجُز: رُبَّ رجلٍ وأخيه، ولا:

أي فتى هيجاءَ أنت وجارِها

ولا: كم ناقة لك وفصيلها، ولا: الواهبُ الأمةِ وولدِها، ولا: زيدٌ وأخوه منطلقان.
وأمثالُ ذلك من المعطوفات الممتنع تقدمها وتأخر ما عُطفت عليه كثيرة، فكما لم يمتنع فيها العطف - لا يمتنع في: مررت بك وزيدٍ، ونحوه<([14]).
وقال أبو شامة: >وكل ما يُذكر من أسباب المنع فموجود في الضمير المنصوب مثلُه، وقد أجازوا العطفَ عليه، فالمجرور كذلك قياسًا صحيحًا<([15]).
وقال السَّمين: >وأما ضعف الدليل: فهو أنهم منعوا ذلك لأن الضمير كالتنوين، فكما لا يُعطَف على التنوين لا يُعطف عليه إلا بإعادة الجار.
ووجه ضعفه أنه كان بمقتضى هذه العِلَّة ألا يُعطَف على الضمير مُطلقًا، أعني سواء كان مرفوعَ الموضعِ، أو منصوبَه، أو مجرورَه، وسواء أُعيد معه الخافضُ أم لا كالتنوين.
وأمَّا القياس فلأنه تابع من التوابع الخمسة، فكما يُؤكَّد الضميرُ المجرورُ ويُبدَل منه فكذلك يُعطَف عليه<([16]).
وقال المنتجب الهمذاني نقلًا عن بعض أهل العربية: >إن ضمير المجرور وإن اشتد اتصاله بالجار، وأنه لا ينفصل، فشبه بالتنوين من هذين الوجهين من حيث لا يقوم بنفسه كما لا يقوم التنوينُ بنفسه، فلما كان العطف على التنوين لا يجوز، كان العطف على ما هو بسبيله بمنزلته، فإن له بحق الاسمية مزية، بدليل توكيده، والبدلِ منه، والإخبارِ عنه، وتثنيته وجمعه، فله هذه الأحكام من الاسمية، وله الشَّبَهُ المذكور بالتنوين، فنُعطيه تارةً بالاسمية حكم الاسم فنعطف عليه، وتارة بالشَّبه حكم التنوين فنمنع من العطف عليه<([17]).ا.هـ
وقيل أيضًا: إن الظاهر والمضمر في الآية الكريمة سواء؛ لأن الظاهر هو اسمُ الله تعالى، ولا يجوز تنكيره أبدًا، بخلاف >زيد< و>عمرو< وشبههما مما يجوز تنكيره، والمضمر كذلك لا يجوز تنكيره، فساوى المضمر الظاهر، والظاهر المضمر في هذا المكان، فكما يجوز أن يقال: سألتك بالله والرحمِ، يجوز أن يقال: سألتك به والرحمِ([18]).
وعطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار جائز عند جمهور الكوفيين، وعند يونس، والأخفش، وقطرب، وتبعهم الأستاذ أبو علي الشلوبين، وابن مالك، وأبو حيان، والسمين الحلبي، وابن هشام، وابن القيم، ومعظم المتأخرين.
قال ابنُ مالك :
وَعَوْدُ خَافِضٍ لَدَى عَطْفٍ عَلَى



ضَمِيرِ خَفْضٍ لَازِمًا قَدْ جُعِلَا


وَلَيْسَ عِندِي لَازِمًا إِذْ قَدْ أَتَى



فِي النَّظْمِ وَالنَّثْرِ الصَّحِيحِ مُثْبَتًا([19])



وقال أبو حيان: >وما ذهب إليه أهلُ البصرة وتبعهم فيه الزمخشري وابنُ عطية من امتناع العطف على الضمير المجرور إلا بإعادة الجارِّ ومن اعتلالهم لذلك غيرُ صحيح، بل الصحيح مذهبُ الكوفيين في ذلك وأنه يجوز<([20]).
وقال أبو زرعة: >... وأنكروا أيضًا أن الظاهر لا يعطف على المضمر المجرور إلا بإظهار الخافض، وليس بمنكر، وإنما المنكر أن يعطف الظاهر على المضمر الذي لم يجر له ذكر، فتقول: مررت به وزيدٍ، وليس هذا بحسن، فأما أن يتقدم للهاء ذِكْرٌ فهو حسن، فكذلك الهاء في ﴿ ﭦ ﭧ، وتقدم ذكرها، وهو قوله: ﴿ ﭣ ﭤ <([21]).
وقال السمين: >والذي ينبغي أنه يجوز مطلقًا؛ لكثرة السماع الوارد به، وضعف دليل المانعين، واعتضاده بالقياس<([22]).
وقال ابن القيم : >ويجوز العطف على الضمير المجرور بدون إعادة الجار على المذهب المختار، وشواهدُه كثيرة، وشُبَهُ المنع منه واهية<([23]).
وجاء ذلك كثيرًا في أشعار العرب، من ذلك ما أنشده سيبويه :
فَاليَوْمَ قرَّبْتَ تهْجُونـَا وتَشْتِمُنَا



فَاذهَبْ فمَا بكَ والأيامِ مِن عَجَب([24])

وأنشد أيضًا قول الراجز:
آبَكَ أيِّهْ بيَ أو مُصَدَّرِ



من حُمُرِ الجِلَّة جأبٍ حَشْوَرِ([25])



وأنشد الفرَّاء :
نُعَلِّقُ في مِثْلِ السَّوَارِي سُيُوفَنَا



وما بيْنَهَا والكَعْبِ غَوْطٌ نَفَانِفُ([26])



وأنشد الفراء أيضًا:
هَلَّا سَأْلْتِ بِذِي الـجَمَاجِمِ عَنْهُمُ



وأَبي نُعَيْمٍ ذِي اللِّوَاءِ المُحرقِ([27])



ومما أُنشِدَ على ذلك قول الشاعر:
إذَا أَوْقَدُوا نَارًا لـحَرْبِ عَدُوِّهمْ



فَقَدْ خَابَ مَن يَصْلَى بِها وَسَعِيرِهَا([28])



وقول العباس بن مرداس:
أَكُرُّ عَلى الكَتِيبَةِ لَا أُبَالِي



أَحَتْفي كَانَ فيهَا أَمْ سِوَاهَا([29])



وقول الآخر:
أَرِيحُوا البِلَادَ مِنكُمُ وَدَبِيبِكُم



بِأَعْرَاضِكُم مِثْلَ الإِمَاءِ الوَلَائِدِ([30])



وقول الآخر:
لو كَانَ لِي وَزُهَيْرٍ ثَالِثُ وَرَدَتْ



مِنَ الحِمَامِ عِدَانَا شَرَّ مَوْرُودِ([31])



وقول الآخر:
بِنَا أَبَدًا لا غَيْرِنَا يُدْرَكُ المُنَى



وَتُكْشَفُ غَمَّاءُ الخُطُوبِ الفَوَادِح([32])



وقول الآخر:
إِذَا بِنَا بَل أُبَيْنِينَا التَقَتْ فِئَةٌ



ظَلَّتْ مُؤَمّنَةً مِمَّن يُعَادِيهَا([33])



وقول الآخر:
وَقَدْ رَامَ أفَاقَ السَّمَاءِ فَلَمْ يَجِدْ



لَهُ مَصْعَدًا فِيهَا وَلا الأَرْضِ مَقْعَدًا([34])



وقول الآخر:
مَا إِنْ بِهَا وَالأُمُورِ مِنْ تَلَف



مَا حُمَّ مِنْ أَمْر غَيْبَةٍ وَقَعَا([35])



وقول الآخر:
أَوْ بَيْنَ مَمْنُونٍ عَلَيْهِ وَقَوْمِهِ



إِنْ كَانَ شَاكِرَهَا وَإِنْ لَمْ يَشْكُرِ([36])



وقول الآخر:
إِذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وَانشَقَّتِ العَصَا



فَحَسْبُكَ وَالضَّحَّاكِـُـَ سَيْفٌ مُهَنَّدُ



على رواية الجر في >والضحاكِ<([37]).
وقول الآخر:
بِهِ اعْتَضِدْ أَوْ مِثْلِهِ تَكُ ظَافِرًا



فمَا زَالَ مُعْتَزًّا بِهِ مَنْ يُظَاهِرُه([38])



وقول حسان بن ثابت :
............................................



فَانظُرْ بِنَا وَالـحَقِّ كَيْفَ نُوَافِقُه([39])



ويذكر الدكتور سليمان خاطر أن ورود ذلك العطف في الشعر - وإن كثر - لا يكفي لأن يُخرجه عن الضرورة، حتى يرد في النثر كذلك([40]).
ويقول الدكتور سامي هلال: >... ونختم الكلام في هذه المسألة بالرد على دعوى الضرورة التي يتعلَّلُون بها بما قاله الشيخ الموصلي: ولا يقال: ورد في الشعر ضرورةً؛ لأن ذلك دعوى بلا دليل، ولو فُتِح بابُ الضرورة في الشعر لبَطَل أكثرُ استشهاداتهم<([41]).
ويقول عبد الوهاب المزي بعد سرده لما تقدم من شواهد شعرية: >ومثلُ هذه الكثرة لا يُمكن حملها على شذوذ ولا ضرورة، بل يكون فصيحًا في الكلام.
ومما يدلُّ على فصاحَته تنوعهم في تغير حرف الجر، لم يلتزموا حرفًا واحدًا، بل عطفوا تارةً بالواو، وتارة بـ >بل<، وتارةً بـ >لا<، وتارةً بـ >أَمْ<، وتارةً بـ >أَوْ<.
ومما يدل أيضًا على ذلك أنهم لم يلتزموا فيه طريقةً واحدة، بل عطفوا على المجرور بالباء، وعلى المجرور باللام، وعلى المجرور بـ >في<، وعلى المجرور بالإضافة<([42]).
على أنه مع ذلك قد ورد في النثر أيضًا:
فقد حكى قطرب عن العرب: >ما فيها غيرُه وفَرَسِه<([43])، بجر >فرسِهِ< عطفًا على الهاء المجرورة في >غيره<، من غير إعادة الخافض، وهو المضاف (غَير).
وفي كلام النبي ﷺ: >إنما مَثَلُكم واليهود والنصارى ...< الحديث([44]).
وهناك آيات من القرآن الكريم حُمِلت على عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجارِّ في بعض أوجه إعرابها، ومنها:
قوله تعالى: ﴿ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ[البقرة: 217]، فقوله تعالى: >والمسجدِ< حُمل على أنه معطوف على الهاء في >به<([45])، قالوا: ولا يُعطَفُ على >سبيل الله< لأنه يستلزم الفصل بين المصدر ومعموه بأجنبي؛ لأن المعطوف بمنزلة المعطوف عليه، فمعطوف معمول المصدر كمعموله، وفي سبب خفضه أقوالٌ أخرى.
وخُرِّجَ على العطف كذلك من غير إعادة الجار قولُه تعالى: ﴿ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ[الحجر: 20] عطفًا على الضمير المجرور في >لكم< من قوله: ﴿ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ، أي: ولِـمَن لستم له برازقين.
وقولُه تعالى: ﴿ ﯚ ﯛ ﯜ[النساء: 127] بالعطف على الضمير في قوله: ﴿ ﯖ ﯗ ﯘ ﯙ، أي: وفيما يُتلَى عليكم.
وكذلك قوله تعالى: ﴿ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻ[الأنفال: 64]، قيل: >مَن< معطوف على الضمير المجرور في قوله: >حسبك<([46]).
وإذا لم يكفِ مَن أنكر صحةَ عطف الاسم الظاهر على الضمير المجرور من غير إعادة الجار ما تقدَّم من شواهد فأنكروا قراءةَ حمزة إذا لم تكفهم تلك الشواهد فليتهم حملوها على تقدير إعادة الجارِّ وحذفه إيجازًا للعلم به، كما ذكرنا في الوجه الثاني من أوجه توجيه القراءة، وهو مُتمشٍّ مع ما قعَّدوه، فالـمُقَدَّر في حُكم الموجود، وهو وجه قوي، وشاهِدُه موجودٌ قويٌّ في اللغة، ومِثلُه كثير.
وقد بَوَّبَ ابنُ جني بابًا في كتابه >الخصائص< بعنوان: >باب في أن المحذوف إذا دلَّت الدلالة عليه كان في حكم الملفوظ به إلا أن يعترض هناك من صناعة اللفظ ما يمنع منه<، ومما جاء فيه: >كان رؤبة إذا قيل له: كيف أصبحت؟ يقول: خيرٍ، عافاك الله، أي: بخيرٍ، يحذف الباء لدلالة الحال عليها بجري العادة والعرف بها.
وكذلك قولهم: الذي ضربتُ زيدًا، تريد الهاء [أي: ضربتُه] وتحذفها؛ لأن في الموضع دليلًا عليها.
وعلى نحوٍ من هذا تتوجه عندنا قراءةُ حمزة، وهي قوله سبحانه: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ وَالأَرحَامِ، ليست هذه القراءةُ عندنا من الإبعاد والفحش والشناعة والضعف على ما رآه فيها وذهب إليه أبو العباس، بل الأمر فيها دون ذلك، وأقربُ وأخفُّ وألطف، وذلك أنَّ لحمزة أن يقول لأبي العباس([47]): إنني لم أحمل >الأرحام< على العطف على المجرور المضمر، بل اعتقدت أن تكون فيه باء ثانية، حتى كأني قلت: >وبالأرحامِ<، ثم حذفتُ الباءَ، لتقدُّم ذكرها، كما حُذفت لتقدم ذكرها في نحو قولك: بمَن تَـمْرُرْ أمْرُرْ، وعلى مَن تَنزِلْ أنزلْ، ولم تقل: أمرر به، ولا: أنزل عليه، لكن حذفت الحرفين لتقدم ذكرهما ...<([48]) إلى آخر كلامه .
قلت: لأنْ يجوز حذفُ الجارِّ والمجرور في >أمرر به<، و>أنزل عليه<، فجواز حذف الجار فقط مع تقدم ذكره في قراءة حمزة أولى.
وقال ابن يعيش: >حذف الجار قد جاء في كلامهم، وله وجه من القياس، فأما مجيئه فنحو قوله:

وَبَلْـدَةٍ لَيْسَ بِهَا أَنِيس

والمراد: ورُبَّ بلدةٍ، وقولهم في القسم: اللهِ لأفعلنَّ، ويحكى عن رؤبة أنه كان يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: خيرٍ، عافاك الله، يريد: بخيرٍ، وقد حمل أصحابُنا قراءةَ حمزة في قوله تعالى: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ وَالأَرحَامِ على حذف الجار، وأن التقدير فيه: >وبالأرحامِ<، والأمرُ فيها ليس بالبعيد ذلك البُعد، فقد ثبت بهذا جواز حذف الجار في الاستعمال، وإن كان قليلًا<([49]).
وقال الزركشي في أسباب الحذف: >ومنها شُهرته، حتى يكون ذكره وعدمه سواء، قال الزمخشري: وهو نوع من دلالة الحال التي لسانها أنطقُ من لسان المقال، كقول رؤبة: خير، جواب من قال: كيف أصبحت؟، فحذف الجارَّ، وعليه حُمِلت قراءة حمزة: ﴿ ﭦ ﭧ وَالأَرحَامِ ؛ لأن هذا مكانٌ شُهِرَ بتكرير الجارِّ، فقامَت الشُّهْرَةُ مقامَ الذِّكر.
وكذا قال الفارسي متلخصًا من عدم إعادة حرف الجار في المعطوف على الضمير المجرور: إنه مجرور بالجارِّ المقدَّر، أي: >وبالأرحام<، وإنما حذفت استغناء به في الضمير المجرور قبله. فإن قلت: هذا المقدَّر يُحيل المسألةَ لأنه يصيرُ من عطف الجار والمجرور على مثله - قلت: إعادة الجار شرط لصحة العطف، لا أنه مقصود لذاته<([50]).
هذا ما تيَّسر من ذكر الردِّ على ما ضَعَّفوا به القراءة من جهة اللغة.
وأما تضعيفهم للقراءة من جهة المعنى فمن أوجه:
1- قالوا: في القراءة بالجرِّ سؤالٌ بالرحم، قالوا: وهو حلف، وقد نهى النبي ﷺ عن الحلف بغير الله، فقال: >لا تحلفوا بآبائكم<([51])، وقال: >مَن كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت<([52]).
والجواب عن ذلك من أوجه:
أحدها: احتمال أن يكون نزول الآية قبل ورود النهي.
الثاني: أن ذلك حكاية ما كانوا عليه من التساؤل بالرحم، والآية لا تقتضي جوازَ ذلك؛ لأنه لا يلزم من حكاية الشيء إباحتُه، وإنما حكى ذلك عنهم تذكيرًا لما كانوا يتعاطفون به في الجاهلية ليحثهم على صلة الأرحام في الإسلام، وأستبعدُ هذا الوجهَ؛ لأنه كيف يحكي عنهم شيئًا باطلًا ثم يسكت عن تبيين بطلانه؟، ولا أعني باستبعاده عدم حدوثه منهم في الجاهلية، بل حكايته عنهم مع حُرمَته ثم السكوت عليه، وفي الوجه الرابع توجيه أفضل من هذا الوجه.
الثالث: أن يكون ذلك قَسَمًا من الله ، لا من المخلوقين، ولله سبحانه أن يقسم بما شاء، وليس للمخلوق أن يقسم إلا بالخالق، وقد تقدم توضيح ذلك في الوجه الثالث من أوجه توجيه القراءة، وتقدم كلام القشيري والقرطبي في ذلك بما لا يجعل هناك تعارضًا بين الآية والأحاديث.
الرابع: أن الآية حكت عن تعظيمهم للرَّحم بالتساؤل بها، كقولهم: أسألك بالله والرحم، والسؤال بالرحم ليس قَسَمًا، وذلك أن السؤال بالله غير القَسَم به، والسؤال بالرحم غير القسم بها.
قال ابن تيمية - -: >... وقد قال تعالى: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ[النساء: ١]، فعلى قراءة الجمهور بالنصب إنما يسألون بالله وحده لا بالرحم، وتساؤلهم بالله تعالى يتضمن إقسامَ بعضهم على بعض بالله، وتعاهدهم بالله، وأما على قراءة الخفض فقد قال طائفةٌ من السلف: هو قولهم: أسألك بالله وبالرحم، وهذا إخبار عن سؤالهم، وقد يقال: إنه ليس بدليل على جوازه، فإن كان دليلًا على جوازه فمعنى قوله: أسألك بالرحم ليس إقسامًا بالرحم، والقَسَمُ هنا لا يسوغ، لكن: بسبب الرحم، أي: لأن الرَّحِم تُوجِبُ لأصحابها بعضهم على بعض حقوقًا، كسؤال الثلاثة لله تعالى بأعمالهم الصالحة، وكسؤالنا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته.
ومن هذا الباب ما رُوي عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب أن ابن أخيه عبد الله بن جعفر كان إذا سأله بحق جعفر أعطاه، وليس هذا من باب الإقسام، فإن الإقسام بغير جعفر أعظمُ، بل من باب حق الرحم؛ لأن حق الله إنما وجب بسبب جعفر، وجعفر حقه على عليٍّ ...< ([53]).
وقال الرازي: >العادة جرت في العرب بأن أحدهم قد يستعطف غيرَه بالرحم فيقول: أسألك بالله والرحم، وربما أفرد ذلك فقال: أسألك بالرحم، وكان يكتب المشركون إلى رسول الله ﷺ: نناشدك اللهَ والرحمَ [إلا] تبعثُ إلينا فلانًا وفلانًا<([54]).
وقال القرطبي: >النهيُ إنما جاء في الحلف بغير الله، وهذا توسُّلٌ إلى الغير بحق الرحم، فلا نهي فيه<([55]).
وقال الآلوسي: >وقد ذكر بعضهم أن قول الشخص لآخر: أسألك بالرحم أن تفعل كذا ليس الغرضُ منه سوى الاستعطاف، وليس هو كقول القائل: وَالرحمِ لأفعلنَّ كذا، ولقد فعلت كذا، فلا يكون متعلق النهي في شيء، والقول بأن المراد هـٰهنا حكاية ما كانوا يفعلون في الجاهلية لا يخفى ما فيه، فافهم<([56]).
2- واستدل أبو جعفر النحاس على تخطئة القراءة بالجرِّ على أنها للقَسَم بحديث عن المنذر بن جرير عن أبيه قال: كنت عند النبي ﷺ حتى جاء قومٌ من مضر حفاةً عراة، فرأيت وجهَ النبي ﷺ يتغيَّر لما رأى من فاقتهم، ثم صلى الظهر وخطب الناسَ، فقال: >يا أيها الناس اتقوا ربكم والأرحام<، ثم قال: >تصدَّق رجلٌ بديناره، تصدق رجل بدرهمه، تصدق رجلٌ بصاع تمره<، وذكر الحديث([57]). قال النحاس: >فمعنى هذا على النصب لأنه حضَّهم على صلة أرحامهم<([58]).ا.هـ
قال عبد الوهاب المزي - - رادًّا على ذلك: >وأما الحديث الذي استدل به أبو جعفر فلا يحتاج إلى الكلام فيه؛ لأنه إذا ثبت أن النبي ﷺ قرأ: ﴿ بالنصب - وهو ثابت - لا يكون طعنًا في قراءة الجر؛ لأنا لا نقول إن قراءة النصب غيرُ ثابتة كما زعمَ هو في قراءة الجر؛ لأن النبي ﷺ كان يقرأ بوجوه القراءات كلها، تارة بهذا الوجه، وتارة بهذا الوجه<.
3- ومما أخذه ابنُ عطية على القراءة بالجر كذلك من حيث المعنى ما ذكره في تفسيره: >ذكر الأرحام فيما يُتساءَل به لا معنى له في الحض على تقوى الله، ولا فائدة فيه أكثر من الإخبار بأن الأرحام يُتساءل بها، وهذا تفرق في معنى الكلام، وغض من فصاحته، وإنما الفصاحة في أن يكون لذكر الأرحام فائدة مستقلة<([59]).
وكم أشعر بأسى وأنا أنقل مثلَ هذا الكلام([60])، ولكن إذ ذُكِر نرد عليه وأقول: ليس الأمر كما ذكر، فلِذكر التساؤل بالأرحام معنى، وهو أن التساؤل بها ناتج عن تعظيمهم إيَّاها، وذلك موجبٌ لأن يتقوها، كما أن تساؤلَهم بالله مُوجِبٌ لتقواه، فيُفهم من الآية الأمر باتقاء الأرحام التي يتساءلون بها، والله تعالى أعلم.
وقال الآلوسي : >وحديثُ إن ذكر الأرحام حينئذ لا معنى له في الحض على تقوى الله - ساقطٌ من القول؛ لأن التقوى إن أريد بها تقوى خاصة (وهي التي في حقوق العباد التي من جملتها صلة الرحم) فالتساؤل بالأرحام مما يقتضيه بلا ريب، وإن أريد الأعم فلدخوله فيها<([61]).ا.هـ
وقد أطلت في ذكر الرد على مَن طعن في هذه القراءة لأنها من أكثر المواضع التي تعرضت للنقد في القراءات عمومًا، وفي قراءة حمزة خصوصًا، وهو أمر قديم قد حُسِمَ الأمر فيه.
وأزيدُ الأمرَ حسمًا بنقل كلام بعض الأئمة في الدفع عن هذه القراءة وقارئها.
قال عبد الوهاب المزي : >حمزةُ - - لم ينفرد بهذا الحرف، بل قرأه بالخفض جماعة، منهم: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، ويحيى بن وثاب، وأبان بن تغلب، واليماني، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري، ومجاهد، وقتادة، والأعمش، وأبو رزين، وأبو البلاد، وأبو صالح، وابن إدريس، وشيبان، وطلحة بن مصرف، والأصمعي عن أبي عمرو بن العلاء، وغير هؤلاء<([62]).
وقال: >فيا عجبًا من مُلَحِّن حمزة كيف يتجرَّأ على ردِّ حرف منقول عن الأئمة الثقات إلى رسول الله ﷺ، مع أنه يحتجُّ في العربية بقول بعض صبيان العرب في الجاهلية، يقول قائلُهم: سمعتُ بعضَ الأعراب يقول كذا وكذا، فلا يردونه، ويردون حرفًا منقولًا متواترًا عن هؤلاء الأئمة!! فنعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا<.
وقال الإمام ابن الجزري: «أنَّى يسعهم إنكار قراءةٍ تواترت أو استفاضت عن رسول الله ﷺ إلا نُويس لا اعتبارَ بهم، لا معرفةَ لهم بالقراءات ولا بالآثار، جمدوا على ما علموا من القياسات، وظنوا أنهم أحاطوا بجميع لغات العرب أفصحِها وفصيحِها، حتى لو قيل لأحدهم شيءٌ من القرآن على غير النحو الذي أنزله الله يوافق قياسًا ظاهرًا عنده لم يقرأ بذلك أحدٌ لقطع له بالصحة، كما أنه لو سئل عن قراءة متواترة لا يعرف لها قياسًا لأنكرها، ولقطع بشذوذها، حتى إن بعضَهم قطع في قوله : ﴿ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜ[يوسف: 11] بأن الإدغام الذي أجمع عليه الصحابةُ - - والمسلمون لحن، وأنه لا يجوز عند العرب؛ لأن الفعل هو «تأمَنُ» مرفوع، فلا وجه لسكونه حتى أدغم في النون التي تليه!.
فانظر يا أخي إلى قلة حياءِ هؤلاء من الله تعالى!، يجعلون ما عرفوه من القياس أصلًا، والقرآنَ العظيمَ فرعًا، حاشا العلماء المقتدى بهم من أئمة اللغة والإعراب من ذلك، بل يجيئون إلى كل حرف مما تقدم ونحوه يُبالِغون في توجيهه، والإنكارِ على مَن أنكره، حتى إن إمام اللغة والنحو أبا عبد الله محمد بن مالك قال في منظومته الكافية الشافية في الفَصْل بين المتضايفين:
وَعُمْدَتِي قِرَاءة ابنِ عاَمِر



فَكَمْ لَهَا مِنْ عاَضدٍ ونَاصِر



ولولا خوف الطول، وخروجِ الكتاب عن مقصوده لأوردت ما زعم أن أهل اللغة أنكروه، وذكرت أقوالهم فيها، ولكن إن مدَّ الله في الأجل لأضعن كتابًا مستقلًّا في ذلك، يشفي القلبَ، ويشرحُ الصدرَ، أذكرُ فيه جميعَ ما أنكره مَن لا معرفةَ له بقراءة السبعةِ والعشرة.
ولله در الإمام أبي نصر الشيرازي حيث حكى في تفسيره عند قوله تعالى: ﴿ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦ ﭧ ﭨ [النساء: ١] كلامَ الزجاج في تضعيف قراءة الخفض، ثم قال: «ومثلُ هذا الكلام مردودٌ عند أئمة الدين؛ لأن القراءات التي قرأ بها أئمة القراء ثبتت عن النبي ﷺ، فمن ردَّ ذلك فقد ردَّ على النبي ﷺ، واستقبَحَ ما قرأ به، وهذا مقام محظور، لا يُقَلَّدُ فيه أئمةُ اللغة والنحو». منجد المقرئين ومرشد الطالبين (74، 75)

وقال الرازي: >... واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوهًا قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات؛ وذلك لأن حمزة أحدُ القراءِ السبعة، ولم يأتِ بهذه القراءة من عند نفسه بل رَواها عن رسولِ الله ﷺ، وذلك يوجِبُ القطع بصحة هذه اللغة، والقياسُ يتضاءلُ أمامَ السماع، لاسِيَّما بمثل هذه الأقيسة التي هي أوهنُ مِن بيتِ العنكبُوت<([63]).
وقال السمين : >ولا التفاتَ إلى طعْنِ مَن طعَنَ فيها، وحمزةُ بالرتبة السَّنِيَّة المانِعةِ له من نقل قراءةٍ ضعيفة<([64]).
وقال أبو حيان : >...وإنما ذكرتُ هذا وأطلتُ فيه لئلا يطَّلِعَ غُمْرٌ على كلام الزمخشري وابن عطية في هذه القراءة فيُسيء ظنًّا بها وبقارئها، فيُقارب أن يقعَ في الكفر بالطعن في ذلك، ولسْنا مُتعَبَّدين بقول نُحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حُكمٍ ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقله البصريون، وكم حُكمٍ ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون، وإنما يعرفُ ذلك مَن له استبحارٌ في عِلم العربية، لا أصحاب الكنانيس المشتغلون بضروب مِن العلوم الآخِذون عن الصحف دون الشيوخ<([65]).
وقال الآلوسي : >... فالتشنيع على هذا الإمام [يعني حمزةَ] في غاية الشناعة، ونهاية الجسارة والبشاعة، وربما يُخشى منه الكفر، وما ذُكِر من امتناع العطف على الضمير المجرور هو مذهب البصريين، ولسنا مُتعبَّدين باتباعهم<([66]).
وختامًا أقول: القراءة صحيحة ومتواترة، وهي من كلام الله ، ولا يُستدلُّ لكلام الله، ولا أحسن من الله قولًا، وإنما يُجتهدُ في توجيهها وتفسيرها. والذي يبدو لي أن «الأرحام» بالجر معطوفة على الضمير المجرور في «به» مباشرة - وكفى بكلام الله تعالى شاهدًا -، أو أن الجارَّ مُقدَّر، والأول أولى لأن ما لايحتاج إلى تأويل أولى مما يحتاج إليه، ولثبوته بالقرآن الكريم وشواهد العرب. قال ابن خالويه : >وإذا كان البصريون لم يسمعوا الخفض في مثل هذا، ولا عرفوا إضمارَ الخافض فقد عرفه غيرُهم<([67]).
على أن التساؤل بالرَّحم ليس قسَمًا كما قال شيخ الإسلام ، وأمَّا الجرُّ على القَسَم فأراه بعيدًا، والله تعالى أعلم.

([1]) ينظر الخصائص (1/248).

([2]) إبراز المعاني (410).

([3]) ينظر منار الهدى (202، 203).

([4]) التحرير والتنوير (4/ 218).

([5]) تفسير القرطبي (2/ 1670).

([6]) ينظر المكتفى (69)، أحاسن الأخبار (335).

([7]) إبراز المعاني (411، 412).

([8]) ذكر هذا الوجه ابن خالويه في الحجة (119).

([9]) بل زعم الزجاج (معاني القرآن 2/6) إجماعَ النحويين على قُبح ذلك، وهو غير صحيح، فقد حكى ابن الأنباري الخلاف بين البصريين والكوفيين في ذلك، وأن الكوفيين يجيزونه، وقال الشيخ محمد محيي الدين: وقد وافق الكوفيين في هذه المسألة وحكمَ بجواز العطف على الضمير المجرور من غير إعادة العامل في المعطوف عليه مع المعطوف: يونسُ ابن حبيب شيخ سيبويه، والأخفشُ، وقطربُ، والشلوبين، وابنُ مالك. الإنصاف (2/ 463، 464)
وقد نسب القولَ بجواز ذلك العطف إلى الكوفيين ابنُ الأنباري وكثيرٌ غيره، ويرى الدكتور سليمان خاطر أن هذه النسبة على الإطلاق خطأ، من غير تحقيق (منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن الكريم/ 423: 425)، وعبَّر عبد الوهاب المزي بجوازه عند >جمهور الكوفيين< (أحاسن الأخبار/ 337)، والنويري عبَّر بـ >جُل الكوفيين< (شرح الطيبة 2/ 261)، وأيًّا ما كان الأمر، فإن ادعاء الإجماع في المسألة غيرُ صحيح، ولا يخلو من مبالغة، وقد تقدم ذكر مَن أجاز ذلك، وليس العدد محصورًا فيهم، فقد أجازه غيرُهم كذلك، وإذا علم اختلاف النحاة في المسألة فليس قولُ أحدٍ من النحاة حجةً على النحو، ويكفينا للاستشهاد لصحة أسلوب ورودُ القرآن الكريم به، ولا نجدُ في صدورنا حرجًا منه.
ومن أوائل مَن ردَّ هذه القراءة من النحاة أبو العباس المبردُ - غفر الله له -، بل وصل التعصب إلى أن روي عنه أنه قال: >لو قرأ الإمامُ بهاته القراءة لأخذتُ نعلي وخرجت من الصلاة<!!.
وعلق عليه ابن عاشور قائلًا: >وهذا من ضيق العطن، وغرور بأن العربية منحصِرة فيما يعلمه<.ا.هـ
وأقول: يقطعُ صلاتَه أو لا يقطعها، فما يضرُّ حمزةَ - - أن يأخذ المبردُ أو غيرُه نعلَه وينصرف.

([10]) نسبته للفرَّاء في شرح الأشموني (2/ 430).

([11]) سيتقدم ذكـرُ نطقِ العرب بذلك العطف.

([12]) ما انفرد به كل من القراء السبعة (92).

([13]) أحاسن الأخبار (327: 329).

([14]) شواهد التوضيح (107، 108).

([15]) إبراز المعاني (411).

([16]) الدر المصون (1/ 531)، وينظر البحر المحيط (2/ 388، 389).

([17]) الكتاب الفريد (2/ 201).

([18]) أحاسن الأخبار (337).

([19]) ألفية ابن مالك (51) عطف النسق.

([20]) البحر المحيط (3/ 499).

([21]) حُجة القراءات (190).

([22]) الدر المصون (1/ 530)، وينظر البحر المحيط (2/ 387).

([23]) زاد المعاد (1/ 35).

([24]) الشاهد فيه عطف >الأيام< على ضمير المُخاطَبِ المتصل المجرور في قوله: >بِكَ< مِن غير إعادة حرف الجر.

([25]) الشاهد فيه عطف >مصدر< على الضمير المجرور في >بي< من غير إعادة الجارِّ.

([26]) الشاهد فيه عطف>الكعب< على الضمير المجرور في >بينها< من غير إعادة الجارِّ.

([27]) الشاهد فيه عطف >أبي نعيم< على الضمير المجرور في >عنهم< دون إعادة الجارِّ.

([28]) الشاهد فيه عطف >سعيرها< على الضمير المجرور في >بها< دون إعادة حرف الجر.

([29]) الشاهد فيه عطف >سواها< على الضمير المجرور في >فيها< دون إعادة الجارِّ.

([30]) الشاهد فيه عطف >دبيبكم< على الضمير المجرور في >منكم< دون إعادة الجارِّ.

([31]) الشاهد فيه عطف >زهير< على الضمير المجرور في >لي< دون إعادة حرف الجر.

([32]) الشاهد فيه جر >غيرنا< عطفًا على الضمير المجرور في >بنا< دون إعادة حرف الجر.

([33]) الشاهد فيه عطف >أبينينا< على الضمير المجرور في >بنا< دون إعادة حرف الجر.

([34]) الشاهد فيه عطف >الأرض< على الضمير المجرور في >فيها< دون إعادة حرف الجر.

([35]) الشاهد فيه عطف >الأرض< على الضمير المجرور في >فيها< دون إعادة حرف الجر.

([36]) الشاهد فيه عطف >الأمور< على الضمير المجرور في >بها< دون إعادة حرف الجر.

([37]) الشاهد فيه عطف >الضحاك< على الضمير المجرور في >حسبك< دون إعادة الجار.

([38]) الشاهد فيه عطف >مثله< على الضمير المجرور في >به< دون إعادة حرف الجر.

([39]) الشاهد فيه عطف >الحق< على الضمير المجرور في >بنا< دون إعادة حرف الجر.

([40]) ينظر منهج سيبويه في الاستشهاد بالقرآن الكريم (422، 423، 429، 430، 449)، قلت: وقد ورد ذلك في النثر على كل حال، وسيأتي إن شاء الله.

([41]) قراءات الإمام حمزة (113).

([42]) أحاسن الأخبار (341)، وينظر البحر المحيط (2/388)، الدر المصون (1/ 531).

([43]) ينظر إبراز المعاني (411)، شرح الشذور لابن هشام (455)، شرح الأشموني (2/ 430).

([44]) اللفظ للبخاري، برقم (2269) في كتاب الإجارة، من حديث ابن عمر .
والشاهد فيه جر>اليهود< عطفًا على الضمير المجرور>مَثَلكم<.
قال ابن حجر: >هو بخفض >اليهود< عطفًا على الضمير المجرور بغير إعادة الجار، قاله ابن التين، وإنما يأتي على رأي الكوفيين<. فتح الباري (4/ 447)
وقال ابن مالك: >تضمَّن هذا الحديث العطفَ على ضمير الجر بغير إعادة الجار، وهو ممنوع عند البصريين إلا يونسَ وقطربًا والأخفش، والجوازُ أصحُّ من المنع، لضعف احتجاج المانعين، وصحةِ استعماله نثرًا ونظمًا<. ينظر شواهد التوضيح (107: 111)
وقال: >ولو رُوي بالرفع لجاز على تقدير: ومثلُ اليهود، ثم يحذف المضاف، ويُعطى المضاف إليه إعرابه<.
والحديث روي بلفظ آخر فيه إعادة الجار وهو المضاف >مثل< بلفظ: >مثَلُكم ومثلُ اليهودِ والنصارى ...< رواه أحمد (4508)، وكذلك الترمذي (2871) بلفظ: >وإنما مثَلُكم ومثلُ اليهودِ والنصارى ...<.

([45]) ينظر شواهد التوضيح لابن مالك (108، 109)، البحر المحيط (2/ 385: 389)، الدر المصون (1/ 529: 531)، إبراز المعاني (411)، شرح الأشموني (2/430).

([46]) ينظر فيما تقدم من الآيات: البحر المحيط (2/ 388)، الدر المصون (1/ 530)، أحاسن الأخبار (342: 344).

([47]) وذلك على سبيل المجاراة، وإلَّا فحمزةُ لم يقرأ إلا ما سمعه، وليس للاجتهاد في القراءة مدخل.

([48]) الخصائص (247، 248).

([49]) شرح المفصل (1/ 564).

([50]) البرهان (689)، ونحوه في الإتقان للسيوطي (1602)، وينظر أحاسن الأخبار (335: 337) وفيه مزيد من الشواهد، إبراز المعاني (411).

([51]) رواه البخاري في كتاب الأيمان والنذور باب لا تحلفوا بآبائكم، ومسلم في كتاب الأيمان والنذور باب النهي عن الحلف بغير الله تعالى، كلاهما من حديث عبد الله بن عمر .

([52]) رواه البخاري ومسلم.

([53]) قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (215، 216).

([54]) التفسير الكبير (4/ 655).

([55]) تفسير القرطبي (2/ 1670).

([56]) روح المعاني (4/ 184، 185).

([57]) ينظر صحيح مسلم حديث رقم (1017).

([58]) إعراب القرآن للنحاس (170).

([59]) المحرر الوجيز (2/ 5).

([60]) قال أبو حيَّان - - معلقًا على كلام ابن عطية: >... جسارةٌ قبيحة منه، لا تليق بحاله، ولا بطهارة لسانه، إذ عمد إلى قراءة متواترة عن رسول الله قرأ بها سلف الأمة، واتصلت بأكابر الصحابة الذين تلقوا القرآن من في رسول الله بغير واسطة، عثمانَ، وعليٍّ، وابنِ مسعود، وزيدِ بن ثابت، وأقرأِ الصحابةِ أُبيِّ بن كعب، عمدَ إلى ردِّها بشيءٍ خطرَ له في ذهنه، وجسارتُهُ هذه لا تليق إلا بالمُعتزلة كالزمخشري، فإنه كثيرًا ما يطعَنُ في نقل القراء وقراءتهم<. البحر المحيط (3/ 500)

([61]) روح المعاني (4/ 184).

([62]) أحاسن الأخبار (333)، وينظر إبراز المعاني (411).

([63]) التفسير الكبير (4/ 653).

([64]) الدر المصون (2/297).

([65]) البحر المحيط (3/500).

([66]) روح المعاني (4/ 184).

([67]) الحجة لابن خالويه (119).