بسم الله الرحمن الرحيم
فقد كنت كتبت مقالين في الرد على الشيخ أحمد بن عمر الحازمي في مسألة الإعذار بالجهل في الشرك الأكبر ، وقد قلت في الرد الأول مخاطبًا له : " .. إن كنت لا تحسن تسمية منازعك بالاسم الدال على حقيقة قوله ، ولا تحسن فهم أقوال الناس ودرجاتها ومراتبها ، فخير لك أن لا تخوض في هذه المسائل لا مجادلًا ولا مُقررًّا " ، وقلت في الرد الثاني : " وحيلة التشويه لقول المخالفين هي ملاذ الضعفاء عند العجز عن فهم مذهب من يخالفهم والجواب عنه بالأجوبة العلمية السديدة ، وقد ناظر أئمة السنة الفرق المخالفة من جميع الطوائف ، فما كانوا يسلكون معهم إلا مهيع العلم والعدل " .
وقد قرأت بعد ذلك أن الحازمي يريد عقد دروس في شرح كتاب ( تحفة الطالب والجليس في كشف شبه داود بن جرجيس) للشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب تعالى ، وقد بدأ بهذه الدروس فعلا ، فوجدت أنه مصمم على السير في طريقته في الخلط بين أقوال الناس وعدم التمييز بين مراتبها ، ليصح له سلوك مسلك التشنيع وتشويه قول المخالفين ، وتحريض مقلدته وتأليبهم ضد المخالفين أو (الأعداء) كما يحب أن يسميهم ، دون سلوك المسلك القويم في النظر في حجج من يعذر بالجهل ومناقشتها بالدليل والبرهان ، والنظر في معارضات أهل الإعذار لحجج من لا يعذر والجواب عنها .
فالحازمي يوهم مقلدته أن هؤلاء المعاصرين الذين يقولون بالإعذار هم في ذلك تبع لداود بن جرجيس ، وأنه بقراءته لكتاب الشيخ عبد اللطيف يكون قد نقض أدلة المعاصرين ، مع أن هذا الكتاب مقصوده نقض كلام داود في بيان جواز بعض صور الشرك الأكبر ، وليس فيه شيء من تأصيلات القائلين بالإعذار !!
يقول في بداية هذه الدروس : " وكل ما يحتج به معاصر في هذا الزمان من المسائل المتعلقة بإثبات الإعذار في الشرك الأكبر فهو مأخوذ عمن سبق ، وسترى بعينك لا سيما في كثرة قراءة كتب الردود ، أن جميع الشبه هي بعينها ، هي هي ، فما أملاه الشيطان على العراقي ( يعني داود بن جرجيس ) هو بعينه أخذه المعاصرون ، إما أنهم أعادوا الصيغة ، أو زادوا شيئًا مما استنبطوه هم ، وإلا أصل الشبه هي مأخوذة عمَّن سبق .. " .
وداود المذكور اجتمع فيه وصفان يستثمرهما الحازمي في غرضه في التأليب والتعبئة ضد خصومه في مسألة الإعذار - لا في مناقشتهم بالحجة والبرهان ، فهذا شيء لا يحسنه - فأما الوصف الأول : فهو أن داود حشد نقولًا عن ابن تيمية وابن القيم يزعم من فهمه لها أنهما لا يقولان بأن صور الشرك المنتشرة في ذلك الزمان والتي أنكرها مشايخ الدعوة النجدية - كالاستغاثة بغير الله تعالى - = من الشرك الأكبر ، وصنف في ذلك تصنيفًا خاصًا وهو المسمى بصلح الإخوان ، وقد أساء الرجل في فهمها أيما إساءة ، ولما كان العاذرون بالجهل من المعاصرين يعتمدون كثيرًا على كلام ابن تيمية وابن القيم في مسألة الإعذار ، أراد الحازمي أن يوهم مقلدته أن فهم العاذرين بالجهل لكلامهما من جنس فهم داود في التلبيس والغلط .
هذا مع أن من المعاصرين ممن كتب في إثبات الإعذار بالجهل من رد على داود في دعواه أن ابن تيمية لا يرى أن الاستغاثة بغير الله من صور الشرك الأكبر ، كما فعل الشيخ سلطان العميري في كتابه (إشكالية الإعذار بالجهل في البحث العقدي) (ص77 - 80) .
والوصف الثاني : سوء الذكر لهذا الرجل في تراث مشايخ الدعوة النجدية ، وكثرة ردود المشايخ عليه ، وهذا الوصف كافٍ في النفور منه وممن يشابهه ، ووظيفة الحازمي حينئذ صناعة خيط من الوهم يصل بين داود وبين من يقول بالإعذار بالجهل ، وهي وظيفة أسهل من تجشم النظر في أدلة المخالفين واعتراضاتهم ، وأحسن نتيجة وأثرًا لدى المتعصبين لهذا التراث .
وأقول : إن من وصل به الضعف عن الحجاج والنظر في الأدلة إلى هذا الحد بحيث يسلك مثل هذه المسالك في الانتصار لمذهبه والتعامل مع المخالف ، حري بأن لا يحالفه التوفيق ، وأن لا يُنتِج إلا مقلدة جهلة متعصبة لا يعرفون حجاجًا ولا نظرًا ، ولا يعرفون إلا التكفير والطعن في دين المخالفين ، كما هو حاصل ومشاهد ، والله المستعان .