اعتنى به: عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
نكمل ما ابتدأنا به من التعليق على تفسير قول الله تعالى: الم [البقرة: 1].
وكنا قد توقفنا في المرة الماضية عند أثر أبي العالية عن الربيع، وما دار حوله من النقاش([1])، وهو ما رواه الطبري عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الرَّازِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ: " الم [البقرة: 1] قَالَ: هَذِهِ الْأَحْرُفُ مِنَ التِّسْعَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا، دَارَتْ فِيهَا الْأَلْسُنُ كُلُّهَا، لَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مِفْتَاحُ اسْمٍ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ فِي آلَائِهِ وَبَلَائِهِ، وَلَيْسَ مِنْهَا حَرْفٌ إِلَّا وَهُوَ مُدَّةُ قَوْمٍ وَآجَالُهُمْ. وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: وَعَجِيبٌ يَنْطِقُونَ فِي أَسْمَائِهِ، وَيَعِيشُونَ فِي رِزْقِهِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُونَ؟ قَالَ: الْأَلِفُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ اللَّهِ، وَاللَّامُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ لَطِيفٍ، وَالْمِيمُ: مِفْتَاحُ اسْمِهِ مَجِيدٍ؛ وَالْأَلِفُ: آلَاءُ اللَّهِ، وَاللَّامُ: لُطْفُهُ، وَالْمِيمُ: مَجْدُهُ؛ الْأَلِفُ: سَنَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ سَنَةً، وَالْمِيمُ: أَرْبَعُونَ سَنَةٌ.
وقد كنا قد استعرضنا ما ذكره الإمام الطبري تعالى، وتوقفنا عند ما ذكره الطبري عن بعضهم، من أن، ((لِكُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ، وَسِرُّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُهُ)) [1/210].
ثم ذكر بعد ذلك كلام أهل العربية، واختياره .

[1/210]
قال الطبري تعالى: ((وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِكُلِّ كِتَابٍ سِرٌّ، وَسِرُّ الْقُرْآنِ فَوَاتِحُهُ.)).

التعليق:
وهذا محكي عن الشعبي، ونسب إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، لكن لم يثبت بسند أصلًا، فهو محكي هكذا في الكتب .
ولا شك من وجود بعض الأشياء التي لا تدرك للبشر كما سبق في الدرس الماضي .
[1/210 - 212]
قال الطبري : ((وَأَمَّا أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى ذَلِكَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هِيَ حُرُوفٌ مِنْ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ اسْتُغْنِيَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا فِي أَوَائِلِ السُّوَرِ عَنْ ذِكْرِ بَوَاقِيهَا الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ حَرْفًا، كَمَا اسْتَغْنَى الْمُخْبَرُ عَمَّنْ أُخْبِرَ عَنْهُ أَنَّهُ فِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ بِذِكْرِ أب ت ث عَنْ ذِكْرِ بَوَاقِي حُرُوفِهَا الَّتِي هِيَ تَتِمَّةُ الثَّمَانِيَةِ وَالْعِشْرِينَ، قَالَ: وَلِذَلِكَ رَفَعَ ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] لِأَنَّ مَعْنَى الْكَلَامِ: الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] الَّذِي أَنْزَلْتُهُ إِلَيْكَ مَجْمُوعًا لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] . فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: فَإِنَّ أب ت ث قَدْ صَارَتْ كَالِاسْمِ فِي حُرُوفِ الْهِجَاءِ كَمَا صَارَتِ الْحَمْدُ اسْمًا لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ. قِيلَ لَهُ: لَمَّا كَانَ جَائِزًا أَنْ يَقُولَ الْقَائِلُ: ابْنِي فِي ط ظ، وَكَانَ مَعْلُومًا بِقِيلِهِ ذَلِكَ لَوْ قَالَهُ أَنَّهُ يُرِيدُ الْخَبَرَ عَنِ ابْنِهِ أَنَّهُ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ، عُلِمَ بِذَلِكَ أَنَّ أ ب ت ث لَيْسَ لَهَا بِاسْمٍ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ آثَرَ فِي الذِّكْرِ مِنْ سَائِرَهَا.
قَالَ: وَإِنَّمَا خُولِفَ بَيْنَ ذِكْرِ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي فَوَاتِحِ السُّوَرِ، فَذُكِرَتْ فِي أَوَائِلُهَا مُخْتَلِفَةً، وَذِكْرُهَا إِذَا ذُكِرَتْ بِأَوَائِلِهَا الَّتِي هِيَ أب ت ث مُؤْتَلِفَةً لِيَفْصِلَ بَيْنَ الْخَبَرِ عَنْهَا، إِذَا أُرِيدَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا مُخْتَلِفًا الدَّلَالَةَ عَلَى الْكَلَامِ الْمُتَّصِلِ، وَإِذَا أُرِيدَ بِذِكْرِ مَا ذُكِرَ مِنْهَا مُؤْتَلِفًا الدَّلَالَةَ عَلَى الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ بِأَعْيَانِهَا. وَاسْتَشْهَدُوا لْإِجَازَةِ قَوْلِ الْقَائِلِ: ابْنِي فِي ط ظ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْخَبَرِ عَنْهُ أَنَّهُ فِي حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ قِيلِهِ فِي الْبَيَانِ يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ: ابْنِي فِي أب ت ث بِرَجَزِ بَعْضِ الرُّجَّازِ مِنْ بَنِي أَسَدٍ:
لَمَّا رَأَيْتُ أَمْرَهَا فِي حُطِّي ... وَفَنَكَتْ فِي كَذِبٍ وَلَطِّ
أَخَذْتُ مِنْهَا بِقُرُونٍ شُمْطِ ... فَلَمْ يَزَلْ ضَرْبِي بِهَا وَمَعْطِي
حَتَّى عَلَا الرَّأْسَ دَمٌ يُغَطِّي
فَزَعَمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ الْخَبَرَ عَنِ الْمَرْأَةِ أَنَّهَا فِي أَبِي جَادٍ، فَأَقَامَ قَوْلَهُ: لَمَّا رَأَيْتُ أَمْرَهَا فِي حُطِّي مَقَامَ خَبَرِهِ عَنْهَا أَنَّهَا فِي أَبِي جَادٍ، إِذْ كَانَ ذَاكَ مِنْ قَوْلِهِ يَدُلُّ سَامِعَهُ عَلَى مَا يَدُلُّهُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: لَمَّا رَأَيْتُ أَمْرَهَا فِي أَبِي جَادٍ.)).

التعليق:
وهذا القول كما نلاحظ يلتئم مع كلام السلف، وكلامهم لا يخرج عن هذا المعنى .
وخلاصة هذا القول: أن هذه الحروف هي في النهاية حروف معجم، لا معاني لها .
وأن قوله: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2]، مرفوع به، ولكن هذا الرفع على تأويل كلام، فالأحرف نفسها لا تدخل في باب المعرب ولا المبني، بل تؤول بكلام يعمل فيما بعدها، وهذا كما ذكر بعض السلف أنها قسم .
وهذا كأنه أوله بمبتدأ .
[1/212]
قال الطبري: ((وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ ابْتُدِئَتْ بِذَلِكَ أَوَائِلُ السُّوَرِ لِيَفْتَحَ لِاسْتِمَاعِهِ أَسْمَاعَ الْمُشْرِكِينَ، إِذْ تَوَاصَوْا بِالْإِعْرَاضِ عَنِ الْقُرْآنِ، حَتَّى إِذَا اسْتَمَعُوا لَهُ تُلِيَ عَلَيْهِمُ الْمُؤَلَّفُ مِنْهُ.)).
التعليق:
وهذا القول ينسب لقطرب، وهذا القول ذهب إلى الحكمة من إيرادها، وليس بيانًا لماهيتها .
فهو يقول: أنه ربما شدهم سماع هذه الأحرف إلى الإنصات إلى ما يأتي بعدها من الكلام .
[1/212]
قال الطبري: ((وَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْحُرُوفُ الَّتِي هِيَ فَوَاتِحُ السُّوَرِ حُرُوفٌ يَسْتَفْتِحُ اللَّهُ بِهَا كَلَامَهُ. فَإِنْ قِيلَ: هَلْ يَكُونُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا لَيْسَ لَهُ مَعْنَى؟ فَإِنَّ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ افْتَتَحَ بِهَا لِيَعْلَمَ أَنَّ السُّورَةَ الَّتِي قَبْلَهَا قَدِ انْقَضَتْ، وَأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ فِي أُخْرَى، فَجَعَلَ هَذَا عَلَامَةَ انْقِطَاعِ مَا بَيْنَهُمَا، وَذَلِكَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يُنْشِدُ الرَّجُلُ مِنْهُمُ الشِّعْرَ فَيَقُولُ: بَلْ،
وَبَلْدَةٌ مَا الْإِنْسُ مِنْ آهَالِهَا
وَيَقُولُ: لَا بَلْ،
مَا هَاجَ أَحْزَانًا وَشَجْوًا قَدْ شَجَا
وَبَلْ لَيْسَتْ مِنَ الْبَيْتِ وَلَا تُعَدُّ فِي وَزْنِهِ، وَلَكِنْ يَقْطَعُ بِهَا كَلَامًا وَيَسْتَأْنِفُ الْآخَرَ.)).

التعليق:
وهذا أيضًا ليس بيانًا للماهية، بل هو قريب من قول مجاهد بأنها فواتح، فكأنه يقول: إن هذه فواتح يستفتح الله بها كلامه، ليدل على انقطاع ما قبلها على ما بعدها.
والاستشهاد الذي ذكره - لا شك فيه نظر -؛ لأن بل هنا لا معنى لها هنا إلا الانتقال، فلو سقطت لا يضر، ولكن عندنا، لا يصح ذلك، فلا يقول أحد أنه لا يلزم قراءة (الم) .
تنبيه: بين الطبري منهجه، وهو إيراد العلل للأقوال، وهو ما ذكره هنا بعد ذكر الأقوال في الأحرف المقطعة .
[1/213 - 215]
قال الطبري: ((قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنَ الْأَقْوَالِ الَّتِي قَالَهَا الَّذِينَ وَصَفْنَا قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ مَعْرُوفٌ. فَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: الم [البقرة: 1] اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْقُرْآنِ، فَلِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا أَنَّ: الم [البقرة: 1] اسْمٌ لِلْقُرْآنِ كَمَا الْفُرْقَانُ اسْمٌ لَهُ. وَإِذَا كَانَ مَعْنَى قَائِلِ ذَلِكَ كَذَلِكَ، كَانَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ: الم [البقرة: 1] ذَلِكَ الْكِتَابُ عَلَى مَعْنَى الْقَسَمِ؛ كَأَنَّهُ قَالَ: وَالْقُرْآنُ هَذَا الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ.)).
التعليق:
جمع بين قولين، وهو القول بأنها: اسم من أسماء القرآن، وكونها: قسم .
فكأنه يتأول قول من قال بأنها أسماء للقرآن الكريم، فيتأوله أنه للقسم، كأنه قال: والقرآن ذلك الكتاب لا ريب فيه .
قال الطبري: ((وَالْآخَرُ مِنْهُمَا أَنْ يَكُونُوا أَرَادُوا أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ السُّورَةِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهِ كَمَا تُعْرَفُ سَائِرُ الْأَشْيَاءِ بِأَسْمَائِهَا الَّتِي هِيَ لَهَا أَمَارَاتٌ تُعْرَفُ بِهَا، فَيَفْهَمُ السَّامِعُ مِنَ الْقَائِلِ، يَقُولُ: قَرَأْتُ الْيَوْمَ المص وَن أَيِ السُّورَةَ الَّتِي قَرَأَهَا مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ، كَمَا يَفْهَمُ عَنْهُ إِذَا قَالَ: لَقِيتُ الْيَوْمَ عَمْرًا وَزَيْدًا، وَهُمَا بِزَيْدَ وَعَمْرٍو عَارِفَانِ مَنِ الَّذِي لَقِيَ مِنَ النَّاسِ.)).
التعليق:
المعنى: كأنه عبر بالجزء وأراد الكل، فكأنه يقول من قال: قرأت (المص) فكأن مراده، قرأت القرآن، وليس مراده أنه قرأ سورة الأعراف .
قال الطبري: ((وَإِنْ أَشْكَلَ مَعْنَى ذَلِكَ عَلَى امْرِئٍ فَقَالَ: وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَنَظَائِرُ الم [البقرة: 1] المر [الرعد: 1] فِي الْقُرْآنِ جَمَاعَةٌ مِنَ السُّوَرِ؟ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْأَسْمَاءُ أَمَارَاتٍ، إِذَا كَانَتْ مُمَيِّزَةً بَيْنَ الْأَشْخَاصِ، فَأَمَّا إِذَا كَانَتْ غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ فَلَيْسَتْ أَمَارَاتٍ. قِيلَ: إِنَّ الْأَسْمَاءَ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ صَارَتْ لِاشْتِرَاكِ كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ فِي الْوَاحِدِ مِنْهَا غَيْرَ مُمَيِّزَةٍ إِلَّا بِمَعَانٍ أُخَرَ مَعَهَا مِنْ ضَمِّ نِسْبَةِ الْمُسَمَّى بِهَا إِلَيْهَا أَوْ نَعْتِهِ أَوْ صِفَتِهِ بِمَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مِنْ أَشْكَالِهَا، فَإِنَّهَا وُضِعَتْ ابْتِدَاءً لِلتَّمْيِيزِ لَا شَكَّ ثُمَّ احْتِيجَ عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ إِلَى الْمَعَانِي الْمُفَرِّقَةِ بَيْنَ الْمُسَمَّى بِهَا. فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي أَسْمَاءِ السُّوَرِ، جُعِلَ كُلُّ اسْمٍ فِي قَوْلِ قَائِلِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَمَارَةً لِلْمُسَمَّى بِهِ مِنَ السُّوَرِ فَلَمَّا شَارَكَ الْمُسَمَّى بِهِ فِيهِ غَيْرَهُ مِنْ سُوَرِ الْقُرْآنِ احْتَاجَ الْمُخْبِرُ عَنْ سُورَةٍ مِنْهَا أَنْ يَضُمَّ إِلَى اسْمِهَا الْمُسَمَّى بِهِ مِنْ ذَلِكَ مَا يُفَرِّقُ بِهِ لِلسَّامِعِ بَيْنَ الْخَبَرِ عَنْهَا وَعَنْ غَيْرِهَا مِنْ نَعْتٍ وَصِفَةٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، فَيَقُولُ الْمُخْبِرُ عَنْ نَفْسِهِ إِنَّهُ تَلَا سُورَةَ الْبَقَرَةِ إِذَا سَمَّاهَا بِاسْمِهَا الَّذِي هُوَ الم [البقرة: 1] قَرَأْتُ الم الْبَقَرَةَ، وَفِي آلِ عِمْرَانَ: قَرَأْتُ الم آلِ عِمْرَانَ، وَالم ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالم اللَّهُ لَا إِلَهُ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ. كَمَا لَوْ أَرَادَ الْخَبَرَ عَنْ رَجُلَيْنِ اسْمُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمْرٌو، غَيْرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا تَمِيمِيٌّ وَالْآخَرُ أَزْدِيٌّ، لَلَزِمَهُ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ أَرَادَ إِخْبَارَهُ عَنْهُمَا: لَقِيتُ عَمْرًا التَّمِيمِيَّ وَعَمْرًا الْأَزْدِيَّ، إِذْ كَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ غَيْرِهِمَا مِمَّنْ يُشَارِكُهُمَا فِي أَسْمَائِهِمَا إِلَّا بِنَسْبَتِهِمَا كَذَلِكَ، فَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَ فِي الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ أَنَّهَا أَسْمَاءُ لِلسُّوَرِ.)) .
التعليق:
وهنا يريد منه إزالة إشكال قد يرد، وهو اشتراك (الم) لأكثر من سورة، وقاعدة العرب في مثل هذا: أنه عند الاشتراك في الأسماء، يتجه للأوصاف لإزالة الاشتباه)) .
وهذه الأحرف التي فيها اشتراك أقل من الأحرف التي فيها اشتراك .
فإذا قال قائل: قرأت سورة (ق / ص / ن)، فلن يشكل، وأما عند الاشتراك فلا بأس أن يعدل إلى التمييز مع وجود الاشتراك، ولا يؤثر على كون السورة تسمى بـ (الم / الر / حم) .
[1/215 - 218]
قال الطبري: ((وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: ذَلِكَ فَوَاتِحُ يَفْتَتِحُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهَا كَلَامَهُ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ الْمَعْنَى الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَمَّنْ حَكَيْنَا عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ قَالَ: ذَلِكَ أَدِلَّةٌ عَلَى انْقِضَاءِ سُورَةٍ وَابْتِدَاءٍ فِي أُخْرَى وَعَلَامَةٌ لِانْقِطَاعِ مَا بَيْنَهُمَا، كَمَا جُعِلَتْ بَلْ فِي ابْتِدَاءِ قَصِيدَةٍ دَلَالَةً عَلَى ابْتِدَاءٍ فِيهَا وَانْقِضَاءِ أُخْرَى قَبْلَهَا كَمَا ذَكَرْنَا عَنِ الْعَرَبِ إِذَا أَرَادُوا الِابْتِدَاءَ فِي إِنْشَادِ قَصِيدَةٍ، قَالُوا: بَلْ،
مَا هَاجَ أَحْزَانًا وَشَجْوًا قَدْ شَجَا
وَبَلْ لَيْسَتْ مِنَ الْبَيْتِ وَلَا دَاخِلَةً فِي وَزْنِهِ، وَلَكِنْ لِيَدُلَّ بِهِ عَلَى قَطْعِ كَلَامٍ وَابْتِدَاءِ آخَرَ.)).
قال الطبري: ((وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: ذَلِكَ حُرُوفٌ مُقَطَّعَةٌ بَعْضُهَا مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَبَعْضُهَا مِنْ صِفَاتِهِ، وَلِكُلِّ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ مَعْنًى غَيْرُ مَعْنَى الْحَرْفِ الْآخَرِ. فَإِنَّهُمْ نَحَوْا بِتَأْوِيلِهِمْ ذَلِكَ نَحْوَ قَوْلِ الشَّاعِرِ:
قُلْنَا لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافْ ... لَا تَحْسَبِي أَنَّا نَسِينَا الْإِيجَافْ
يَعْنِي بِقَوْلِهِ: قَالَتْ قَافْ: قَالَتْ قَدْ وَقَفْتُ. فَدَلَّتْ بِإِظْهَارِ الْقَافِ مِنْ وَقَفَتْ عَلَى مُرَادِهَا مِنْ تَمَامِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ وَقَفَتْ، فَصَرَفُوا قَوْلَهُ: الم [البقرة: 1] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إِلَى نَحْوِ هَذَا الْمَعْنَى، فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْأَلِفُ أَلِفُ أَنَا، وَاللَّامُ لَامُ اللَّهِ، وَالْمِيمُ مِيمُ أَعْلَمُ، وَكُلُّ حَرْفٍ مِنْهَا دَالٌّ عَلَى كَلِمَةٍ تَامَّةٍ. قَالُوا: فَجُمْلَةُ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ إِذَا ظَهَرَ مَعَ كُلِّ حَرْفٍ مِنْهُنَّ تَمَامُ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ. قَالُوا: وَكَذَلِكَ سَائِرُ جَمِيعِ مَا فِي أَوَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ مِنْ ذَلِكَ، فَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَبِهَذَا التَّأْوِيلِ. قَالُوا: وَمُسْتَفِيضٌ ظَاهِرٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يُنْقِصَ الْمُتَكَلِّمُ مِنْهُمْ مِنَ الْكَلِمَةِ الْأَحْرُفَ إِذَا كَانَ فِيمَا بَقِيَ دَلَالَةٌ عَلَى مَا حَذَفَ مِنْهَا، وَيَزِيدُ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا إِذَا لَمْ تَكُنِ الزِّيَادَةُ مُلَبِّسَةً مَعْنَاهَا عَلَى سَامِعِهَا كَحَذْفِهِمْ فِي النَّقْصِ فِي التَّرْخِيمِ مِنْ حَارِثٍ الثَّاءَ فَيَقُولُونَ: يَا حَارِّ، وَمِنْ مَالِكٍ الْكَافَ فَيَقُولُونَ: يَا مَالِّ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. وَكَقَوْلِ رَاجِزِهِمْ:
مَا لِلظَّلِيمِ عَالَ كَيْفَ لَا يَا ... يَنْقَدُّ عَنْهُ جِلْدُهُ إِذَا يَا
كَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يَقُولَ: إِذَا يَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا، فَاكْتَفَى بِالْيَاءِ مِنْ يَفْعَلُ، وَكَمَا قَالَ آخَرُ مِنْهُمْ:
بِالْخَيْرِ خَيْرَاتٌ وَإِنْ شَرًّا فَا
يُرِيدُ فَشَرًّا.
وَلَا أُرِيدُ الشَّرَّ إِلَّا أَنْ تَا
يُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَشَاءَ. فَاكْتَفَى بِالتَّاءِ وَالْفَاءِ فِي الْكَلِمَتَيْنِ جَمِيعًا مِنْ سَائِرِ حُرُوفِهِمَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الشَّوَاهِدِ الَّتِي يَطُولُ الْكِتَابُ بِاسْتِيعَابِهِ.
وَكَمَا حَدَّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةَ، عَنْ أَيُّوبَ، وَابْنِ عَوْنٍ، عَنْ مُحَمَّدٍ، قَالَ: " لَمَّا مَاتَ يَزِيدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ لِي عَبْدَةُ: إِنِّي لَا أُرَاهَا إِلَّا كَائِنَةً فِتْنَةً فَافْزَعْ مِنْ ضَيْعَتِكَ وَالْحَقْ بِأَهْلِكَ قُلْتُ: فَمَا تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: أَحَبُّ إِلَيَّ لَكَ أَنْ تَا، قَالَ أَيُّوبُ وَابْنُ عَوْنٍ بِيَدِهِ تَحْتَ خَدِّهِ الْأَيْمَنِ يَصِفُ الِاضْطِجَاعَ، حَتَّى تَرَى أَمْرًا تَعْرِفُهُ " قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: يَعْنِي بِ تَا تَضْطَجِعُ، فَاجْتَزَأَ بِالتَّاءِ مِنْ تَضْطَجِعُ. وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ فِي الزِّيَادَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى النَّحْوِ الَّذِي وَصَفْتُ:
أَقُولُ إِذْ خَرَّتْ عَلَى الْكَلْكَالِ ... يَا نَاقَتِي مَا جُلْتِ مِنْ مَجَالِ
يُرِيدُ الْكَلْكَلَ. وَكَمَا قَالَ الْآخَرُ:
إِنَّ شَكْلِي وَإِنَّ شَكْلَكِ شَتَّى
فَالْزَمِي الْخُصَّ وَاخْفِضِي تَبْيَضِضِّي
فَزَادَ ضَادًا وَلَيْسَتْ فِي الْكَلِمَةِ. قَالُوا: فَكَذَلِكَ مَا نَقَصَ مِنْ تَمَامِ حُرُوفِ كُلِّ كَلِمَةٍ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ الَّتِي ذَكَرْنَا أَنَّهَا تَتِمَّةُ حُرُوفِ الم [البقرة: 1] وَنَظَائِرِهَا، نَظِيرُ مَا نَقَصَ مِنَ الْكَلَامِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ عَنِ الْعَرَبِ فِي أَشْعَارِهَا وَكَلَامِهَا.)).

التعليق:
أولًا: هذا التنظير من الإمام مشتمل على عدة مشكلات، منها:
أن أول مثال نظر به، وهو: (قُلْنَا لَهَا قِفِي لَنَا قَالَتْ قَافْ)، وقاف لم تكتب كما كتبت في المصحف، فدلت كتابة قاف في الشعر، غير ما دلت عليه في القرآن .
ثانيًا: تحديد المعنى الذي يحتمله الحرف ممكن من خلال السياق، فهو منبأ عن الكلمة المحذوفة التي دل عليها الحرف.
أما الحروف المقطعة، فلا ينبأ عن محذوف، حتى لو كان مثل (الم) يدل على كلمة بعينها، من خلال السياق، ولو ادعاه مدع فقد كذب على الله، وحاشا السلف أن يكونوا قد ذهبوا مثل هذا المذهب، فإنما ذكروا من الكلام ما يسوغ أن يتركب من الحرف .
والمقصود أن قياس أشعار العرب على ما ذكر في القرآن من الحروف المقطعة = قياس مع الفارق، إذ المقصود ظاهر من أشعار العرب من خلال السياق بخلاف الأحرف المقطعة، فلا يوجد سياق، ولا خبر عن معصوم يحدد المراد منها .
والخلاصة، أن هذا التنظير بين ما ورد من تفسير المفسرين، وبين ما ورد من اشعار العرب لا يتناسب .
[1/218 - 220]
قال الطبري: ((وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: كُلُّ حَرْفٍ مِنْ الم [البقرة: 1] وَنَظَائِرِهَا دَالٌّ عَلَى مَعَانٍ شَتَّى نَحْوَ الَّذِي ذَكَرْنَا عَنِ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، فَإِنَّهُمْ وَجَّهُوا ذَلِكَ إِلَى مِثْلِ الَّذِي وَجَّهَهُ إِلَيْهِ مَنْ قَالَ هُوَ بِتَأْوِيلِ: أَنَا اللَّهُ أَعْلَمُ فِي أَنَّ كُلَّ حَرْفٍ مِنْهُ بَعْضُ حُرُوفِ كَلِمَةٍ تَامَّةٍ اسْتَغْنَى بِدَلَالَتِهِ عَلَى تَمَامِهِ عَنْ ذِكْرِ تَمَامِهِ، وَإِنْ كَانُوا لَهُ مُخَالِفِينَ فِي كُلِّ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ، أَهُوَ مِنَ الْكَلِمَةَ الَّتِي ادَّعَى أَنَّهُ مِنْهَا قَائِلُو الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَمْ مِنْ غَيْرِهَا؟ فَقَالُوا: بَلِ الْأَلِفُ مِنْ الم [البقرة: 1] مِنْ كَلِمَاتٍ شَتَّى هِيَ دَالَّةٌ عَلَى مَعَانِي جَمِيعِ ذَلِكَ وَعَلَى تَمَامِهِ. قَالُوا: وَإِنَّمَا أُفْرِدَ كُلُّ حَرْفٍ مِنْ ذَلِكَ وَقُصِرَ بِهِ عَنْ تَمَامِ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ أَنَّ جَمِيعَ حُرُوفِ الْكَلِمَةِ لَوْ أُظْهِرَتْ لَمْ تَدُلَّ الْكَلِمَةُ الَّتِي تَظْهَرُ بَعْضُ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ بَعْضٌ لَهَا، إِلَّا عَلَى مَعْنَى وَاحِدٍ لَا عَلَى مَعْنَيَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُمَا.
قَالُوا: وَإِذَا كَانَ لَا دَلَالَةَ فِي ذَلِكَ لَوْ أَظْهَرَ جَمِيعَهَا إِلَّا عَلَى مَعْنَاهَا الَّذِي هُوَ مَعْنَى وَاحِدٌ، وَكَانَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَدْ أَرَادَ الدَّلَالَةَ بِكُلِّ حَرْفٍ مِنْهَا عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا أَنْ يُفْرِدَ الْحَرْفَ الدَّالَّ عَلَى تِلْكَ الْمَعَانِي، لِيَعْلَمَ الْمُخَاطَبُونَ بِهِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَمْ يَقْصِدْ قَصْدَ مَعْنَى وَاحِدٍ وَدِلَالَةٍ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ بِمَا خَاطَبَهُمْ بِهِ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَصَدَ الدَّلَالَةَ بِهِ عَلَى أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ. قَالُوا: فَالْأَلِفُ مِنْ الم [البقرة: 1] مُقْتَضِيَةٌ مَعَانِي كَثِيرَةٍ، مِنْهَا: إِتْمَامُ اسْمِ الرَّبِّ الَّذِي هُوَ اللَّهُ، وَتَمَامُ اسْمِ نَعْمَاءِ اللَّهِ الَّتِي هِيَ آلَاءُ اللَّهِ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَجَلِ قَوْمٍ أَنَّهُ سَنَةٌ، إِذَا كَانَتِ الْأَلْفُ فِي حِسَابِ الْجُمَلِ وَاحِدًا. وَاللَّامُ مُقْتَضِيَةٌ تَمَامَ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ لَطِيفٌ، وَتَمَامُ اسْمِ فَضْلِهِ الَّذِي هُوَ لُطْفٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَجَلِ قَوْمٍ أَنَّهُ ثَلَاثُونَ سَنَةً. وَالْمِيمُ مُقْتَضِيَةٌ تَمَامَ اسْمِ اللَّهِ الَّذِي هُوَ مَجِيدٌ، وَتَمَامُ اسْمِ عَظَمَتِهِ الَّتِي هِيَ مَجْدٌ، وَالدَّلَالَةُ عَلَى أَجَلِ قَوْمٍ أَنَّهُ أَرْبَعُونَ سَنَةً. فَكَانَ مَعْنَى الْكَلَامِ فِي تَأْوِيلِ قَائِلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ افْتَتَحَ كَلَامَهُ بِوَصْفِ نَفْسِهِ بِأَنَّهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ، وَجَعَلَ ذَلِكَ لِعِبَادِهِ مَنْهَجًا يَسْلُكُونَهَ فِي مُفْتَتَحِ خُطَبِهِمْ وَرَسَائِلِهِمْ وَمُهِمِّ أُمُورِهِمْ، وَابْتِلَاءً مِنْهُ لَهُمْ لِيَسْتَوْجِبُوا بِهِ عَظِيمَ الثَّوَابِ فِي دَارِ الْجَزَاءِ، كَمَا افْتَتَحَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ السُّوَرِ الَّتِي جَعَلَ مَفَاتِحَهَا الْحَمْدَ لِنَفْسِهِ. وَكَمَا جَعَلَ مَفَاتِحَ بَعْضِهَا تَعْظِيمَ نَفْسِهِ وَإِجْلَالَهَا بِالتَّسْبِيحِ كَمَا قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [الإسراء: 1] وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ سَائِرِ سُوَرِ الْقُرْآنِ الَّتِي جَعَلَ مَفَاتِحَ بَعْضِهَا تَحْمِيدَ نَفْسِهِ، وَمَفَاتِحَ بَعْضِهَا تَمْجِيدَهَا، وَمَفَاتِحَ بَعْضِهَا تَعْظِيمَهَا وَتَنْزِيهَهَا. فَكَذَلِكَ جَعَلَ مَفَاتِحَ السُّوَرِ الْأُخْرَى الَّتِي أَوَائِلُهَا بَعْضُ حُرُوفِ الْمُعْجَمِ مَدَائِحَ نَفْسِهِ أَحْيَانًا بِالْعِلْمِ، وَأَحْيَانًا بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ، وَأَحْيَانًا بِالْإِفْضَالِ وَالْإِحْسَانِ بِإِيجَازٍ وَاخْتِصَارٍ، ثُمَّ اقْتِصَاصِ الْأُمُورِ بَعْدَ ذَلِكَ. وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْأَلِفُ وَاللَّامُ وَالْمِيمُ فِي أَمَاكِنِ الرَّفْعِ مَرْفُوعًا بَعْضُهَا بِبَعْضٍ دُونَ قَوْلِهِ: ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] وَيَكُونُ ذَلِكَ الْكِتَابُ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مُنْقَطِعًا عَنْ مَعْنَى الم [البقرة: 1] وَكَذَلِكَ ذَلِكَ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِ قَائِلِ هَذَا الْقَوْلِ الثَّانِي مَرْفُوعٌ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا مَعْنَاهُ مَعْنَى قَوْلِ قَائِلِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ.)).

التعليق:
وازن الإمام بين قولين متقاربين:
1. ما حكي عن ابن عباس وغيره، أنه دال على ألفاظ، (الله - جبريل - محمد)، أو (أنا الله أعلم).
2. أو ما حكي عن الربيع، أنه دال على معان شتى .
وهما في الحقيقة قول واحد، وإنما يصح أن نقول إن قول ابن عباس وغيره دال على معنى واحد، بالقاعدة التي ذكرها الطبري ، بقوله: ((وَإِنَّمَا يَكُونُ الْإِثْبَاتُ دَلِيلًا عَلَى النَّفْيِ فِيمَا لَا يَجُوزُ اجْتِمَاعُهُ مِنَ الْمَعَانِي))، [1/17] .
فهل في كلام ابن عباس المثبت ما يدل على نفي كلام غيره ؟
والجواب: لا، فقد أراد ابن عباس أن يمثل، فاختار شريف الكلام كما قال الراغب .
[1/220 - 222]
قال الطبري : ((وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: هُنَّ حُرُوفٌ مِنْ حُرُوفِ حِسَابِ الْجُمَلِ دُونَ مَا خَالَفَ ذَلِكَ مِنَ الْمَعَانِي، فَإِنَّهُمْ قَالُوا: لَا نَعْرِفُ لِلْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ مَعْنًى يُفْهَمُ سِوَى حِسَابِ الْجُمَلِ وَسِوَى تَهَجِّي قَوْلِ الْقَائِلِ: الم [البقرة: 1] وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَيَعْقِلُونَهَ عَنْهُ. فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ وَكَانَ قَوْلُهُ: الم [البقرة: 1] لَا يُعْقَلُ لَهَا وَجْهٌ تُوَجَّهُ إِلَيْهِ إِلَّا أَحَدَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرْنَا، فَبَطَلَ أَحَدُ وَجْهَيْهِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا بِهَا تَهَجِّي الم [البقرة: 1] صَحَّ وَثَبَتَ أَنَّهُ مُرَادٌ بِهِ الْوَجْهَ الثَّانِي وَهُوَ حِسَابُ الْجُمَلِ؛ لِأَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: الم [البقرة: 1] لَا يَجُوزُ أَنْ يَلِيَهُ مِنَ الْكَلَامِ ذَلِكَ الْكِتَابُ لِاسْتِحَالَةِ مَعْنَى الْكَلَامِ وَخُرُوجِهِ عَنِ الْمَعْقُولِ إِذَا وَلِي الم [البقرة: 1] ذَلِكَ الْكِتَابُ وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ حُمَيْدٍ الرَّازِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ الْفَضْلِ، قَالَ: حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، قَالَ: حَدَّثَنِي الْكَلْبِيُّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ، قَالَ: مَرَّ أَبُو يَاسِرِ بْنُ أَخْطَبَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَتْلُو فَاتِحَةَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] فَأَتَى أَخَاهُ حُيَيَّ بْنَ أَخْطَبَ فِي رِجَالٍ مِنْ يَهُودَ فَقَالَ: تَعْلَمُونَ وَاللَّهِ لَقَدْ سَمِعْتُ مُحَمَّدًا يَتْلُو فِيمَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 1] فَقَالُوا: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ فَمَشَى حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ فِي أُولَئِكَ النَّفْرِ مِنْ يَهُودَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا مُحَمَّدُ أَلَمْ يُذْكَرْ لَنَا أَنَّكَ تَتْلُو فِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكَ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 1] فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «بَلَى» فَقَالُوا: أَجَاءَكَ بِهَذَا جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالُوا: لَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ قَبْلَكَ أَنْبِيَاءَ مَا نَعْلَمُهُ بَيَّنَ لِنَبِيٍّ مِنْهُمْ مَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَمَا أَجَلُ أُمَّتِهِ غَيْرَكَ فَقَالَ حُيَيُّ بْنُ أَخْطَبَ: وَأَقْبَلَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُ، فَقَالَ لَهُمُ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً، قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ: أَتَدْخُلُونَ فِي دِينِ نَبِيٍّ إِنَّمَا مُدَّةُ مُلْكِهِ وَأَجَلُ أُمَّتِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ سَنَةً؟(2)قَالَ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: " المص [الأعراف: 1] " قَالَ: هَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالصَّادُ تِسْعَوْنَ. فَهَذِهِ مِائَةٌ وَإِحْدَى وَسِتُّونَ سَنَةً؛ هَلْ مَعَ هَذَا يَا مُحَمَّدُ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «نَعَمْ» قَالَ: مَاذَا؟ قَالَ: " الر [يونس: 1] " قَالَ: هَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ، وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَثَلَاثُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ؛ فَقَالَ: هَلْ مَعَ هَذَا غَيْرُهُ يَا مُحَمَّدُ؟ قَالَ: " نَعَمْ، المر [الرعد: 1] " قَالَ: فَهَذِهِ أَثْقَلُ وَأَطْوَلُ: الْأَلِفُ وَاحِدَةٌ وَاللَّامُ ثَلَاثُونَ، وَالْمِيمُ أَرْبَعُونَ، وَالرَّاءُ مِائَتَانِ، فَهَذِهِ إِحْدَى وَسَبْعُونَ وَمِائَتَا سَنَةٍ. ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ لُبِّسَ عَلَيْنَا أَمْرُكَ يَا مُحَمَّدُ، حَتَّى مَا نَدْرِي أَقَلِيلًا أُعْطِيتَ أَمْ كَثِيرًا ثُمَّ قَامُوا عَنْهُ، فَقَالَ أَبُو يَاسِرٍ لِأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ وَلِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْأَحْبَارِ: مَا يُدْرِيكُمْ لَعَلَّهُ قَدْ جُمِعَ هَذَا كُلُّهُ لِمُحَمَّدٍ: إِحْدَى وَسَبْعُونَ، وَإِحْدَى وَسِتُّونَ وَمِائَةٌ، وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَثَلَاثُونَ، وَمِائَتَانِ وَإِحْدَى وَسَبْعُونَ، فَذَلِكَ سَبْعمِائَةُ سَنَةٍ وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ، فَقَالُوا: لَقَدْ تَشَابَهَ عَلَيْنَا أَمْرُهُ. وَيَزْعُمُونَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ نَزَلَتْ فِيهِمْ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] فَقَالُوا: قَدْ صَرَّحَ هَذَا الْخَبَرُ بِصِحَّةِ مَا قُلْنَا فِي ذَلِكَ مِنَ التَّأْوِيلِ وَفَسَادِ مَا قَالَهُ مُخَالِفُونَا فِيهِ.)).
التعليق:
وقد وردت حروف الجمل، في الرواية عن الربيع عن أبي العالية، والرواية التي كره أن يحكيها، وقد حكاها هنا، لأنها من رواية محمد بن إسحاق عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، وإنما ذكرها هنا، لأن القوم الذين ادعوا تفسيرها بحساب الجمل احتجوا بها، ولذلك قال: ((وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِمْ ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا حَدَّثَنَا بِهِ ....)) .
وأما قوله: ((وَقَالُوا: غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُخَاطِبَ اللَّهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ عِبَادَهُ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَيَعْقِلُونَهَ عَنْهُ....)). [1/220].
هذا الكلام يشعر بسؤال: هل يوجد في القرآن ما لا يفهم، أو يعقل ؟
والجواب: أننا نحتاج إلى دقة في طرح هذا السؤال، فما لا يدرك بالعقل موجود، أما المعاني فلا يوجد في القرآن ما لا يدرك معناه البتة .
فالعقل قد لا يدرك الحكم، بل تقع في الخارج عن مدركات الحكم - أحيانًا - .
فإذا كان المقصود من الكلام، المعاني، فنقول: لا يوجد في القرآن كلمة - والكلام عن الكلمات لا الحروف - لا يفهم معناها، وهذا باتفاق .
ودلالة الاتفاق: أننا لم نجد الموافق والمخالف توقف في تفسير كلمة من القرآن .
أما جهة الحكم والمغيبات من حيث أوقاته وأوصافها، فليست داخلة في الإدراك .


(*) يمكن الاستماع للمحاضرة صوتيًا على هذا الرابط .
(1) ملخص ما ذكره الشيخ حفظه الله: أن النقاش قد دار حول أثر أبي العالية، وهل انتهى قول عيسى عند قوله، ((وَعَجِيبٌ يَنْطِقُونَ فِي أَسْمَائِهِ، وَيَعِيشُونَ فِي رِزْقِهِ، فَكَيْفَ يَكْفُرُونَ؟)) = فقط، أم أن كلامه يمتد إلى نهاية الأثر ؟
ثم ذكر الشيخ أن الشيخ عبدالله الشتوي، قد نبه أن الكلام الأخير من قول الربيع .
ثم ذكر أن عمرو الشرقاوي - المعتني - قد كتب حول الآثار الواردة، وخلص إلى أن الأثر يأتي من رواية الربيع عن أبي العالية، ويأتي من رواية أبي العالية، وأن ذلك من فعل الربيع، فربما نشط فرفعه، وربما جعله من كلامه .
ثم ذكر الشيخ أن خلاصة ما ذهب إليه، أنه ما زال في نفسه أنه من كلام عيسى بن مريم، وذكر أنه ليس للكلام معنى، لو حذف من الأثر .
ثم ذكر مما يعضد هذا ما ذكره الطبري عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " إِنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَسْلَمَتْهُ أُمُّهُ إِلَى الْكُتَّابِ لِيُعَلِّمَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: اكْتُبْ بِسْمِ فَقَالَ لَهُ عِيسَى: وَمَا بِسْمِ؟ فَقَالَ لَهُ الْمُعَلِّمُ: مَا أَدْرِي فَقَالَ عِيسَى: الْبَاءُ: بَهَاءُ اللَّهِ، وَالسِّينِ: سَنَاؤُهُ، وَالْمِيمُ: مَمْلَكَتُهُ ".
(2) وهو نفس الرقم في رواية الربيع عن أبي العالية .