قصتي في ليالي الثلج !
طرق صاحبي بابي بعد الفجر يقول : أسرع فقد ظهر الثلج ناحية المدينة . فقلت : أيُّ ناحية ؟ فالمدينة لها أربع نواحي ! . فقال : الناحية الشمالية ، فخذ لحافك وزادك والحق بي ، فالناس يملؤون الأرض زُرافاتٍ ووحدانا .


تبعتُ الرجل حتى لحقتُ به ، وهناك في الطريق استقلينا سيارة واحدة واتجهنا إلى جبل اللوز – مسافة مئة وثمانين كيلاً عن مدينتنا - لرؤية آيات الله وعظمته في هذا الموسم .


قال صاحبي : لم نكن نحلم بالثلج في هذه الصحاري ، فهل من الحكمة حرمان أعيننا منه وقد زحف إلينا من أعلى الجبال ؟!
فقلت له : لكل جديد لذة ، ولذة الثلج ليست رؤيته بل الوضوء منه وافتراش أرضه ! ، لكن من يطيق ذلك ؟! ولهذا قال النسائي : باب الإغتسال بالثلج والبرد . والثلج سبب للرؤية وليس شرطا ، والأصوليون يفرقون بينهما ، كما يفرقون بين الشرط وعدم المانع . فالشرط وصف وجودي ، وعدم المانع عدمي .



قال صاحبي : قرأتُ عن ثلوج جبال سيناء ونينوى وأربيل ، لكن لم أقرأ عن جبال اللوز عندنا وما حولها ! ، قلت : في القرآن يقول الله تعالى : " وذكِّرهم بأيام الله " ( إبراهيم :5 ) وأيام الله : وقائعه وسننه . ومن السنن معرفة أحوال الوقت والمناخ والناس ونحوها من الأحوال . وطريقة القرآن إيراد المعاني وتأمل ألفاظها من غير حصر لها ، لا إيراد الألفاظ وتخليتها من معانيها .


ومن عناية الحبيب بالسنن تأكيده على تسمية الثلج حتى في وقت الفتن ،كما في حديث الرايات : " فبايعوه ولو حبواً على الثلج " أخرجه ابن ماجة بإسناد حسن .


والثلج وإن كانت فائدته غَسل الجبال واليابسة وتطهيرها بالبياض والبرودة التي تُطهِّر سهلها وهضابها وهواءها ، فإن القلوب أيضا يُطهِّرها الثلج والبَرَد ويغسل أدرانها وأوساخها .


فقد ثبت عن الرسول أنه قال:" ‏اللهم اغسل قلبي بماء الثلج والبَرد "أخرجه البخاري .


فخطايا الأبدان تولِّد النيران وهي حطب المعاصي ، ودواؤها الإقبال على الله والوضوء والطهارة بكافة أنواعها.
بل إن القرآن المجيد أشار إلى هذه الحقيقة الشرعية في قول الله تعالى : " اركض برجلك هذا مُغتَسلٌ باردٌ وشراب " ( ص: 42) .
ويؤخذ من هذه الآية أن الماء البارد علاج ناجع للأمراض العضوية والروحية وهذا مقطوع بصحته قديماً وحديثًا ، لكنه بحاجة لخبير وعارف لأوقاته .


وقد ذكر لي بعض أهل البادية أن مياه الآبار في الشتاء من أنفع المياه في علاج الأمراض ، ومن عجائبها أنها دافئة شتاءاً وباردة صيفاً ، فاذا وضع ماؤها على العضو المصاب مراتٍ عديدة ، بنية التداوي بالمباح فإنها تشفي بإذن الله تعالى ، وقد جرَّبوا ذلك على كثير من المرضى .
فقلت له : إن الرسول قد سبقكم ببيان هذه الحقيقة الطبية قبل أكثر من ألف عام ونيِّف ، كما في حديث ابن عمر مرفوعا : " إذا حُمَّ أحدكم فليش عليه بالماء البارد ثلاثا قبل السحر " أخرجه الإشبيلي في أحكامه بإسناد صحيح .
والماء البارد والثلج متلازمان ، لكن يُراعى في ذلك طاقة المريض وحالته وقبوله لتعاطيه .


في دول أوروبا وآسيا عيادات مجهزة بالكامل للتداوي بالماء البارد والثلج وقد سبقونا بالعناية بهذا الأمر ، ونحن مع إسلامنا وطهارتنا اليومية إلا أننا لم نؤصِّل لهذه الآية الإيمانية في واقعنا ونتفقدها في أنفسنا وأهلينا ، بل لم نحسن التداوي بها لعللنا .


ليالي الثلج مجال للتدفئة على حطب السمر ، وتعليل النفس بالمباحات ومطارحة المسائل والوقوف على الشوارد ونوادر المسائل ، وخير من ذلك كله التهجد بركعات خاشعة في ظلمة الليل بعيداً عن أعين الناس .


قال صاحبي : لا أدري لماذا تذكرتُ الزمخشري (ت: 538هـ )وسيره في الثلج لطلب العلم حتى تقطَّعت قدمه سامحه الله وعفا عنه .
قلت له : إنما قُطعت رِجله بسبب دعوة أُمه عليه ، وهمته في العلم مرذولة ، فهو إمام للمعتزلة ومن الدعاة الكبار عندهم .


ولو طالعتَ سيرة ابن عساكر ( ت: 571هـ ) تعالى ، لوقفتَ على العجب العجاب من هِمته وسيره في أنحاء المعمورة في كل فصولها الأربعة ولن يستطيع أحدٌ قديمًا وحديثاً مجاراته إلا بتوفيق من الله ، لأن هذه النِّعم محضُ فضلٍ من الله ، وليست مجرد عزيمة من صاحبها ، وإلا لرأينا مثيلاتها لا حصر لها ، والتاريخ يشهد بهذا فلا يجوز نقضه .
رأينا الثلوج وتكحَّلت أعيننا ببياضها ، وتطهرنا بماء الثلج وتكسرت عظامنا منه ولله الحمد ، وقفلنا إلى ديارنا مغمورين بنعم الله وفضله .


التسلي بالثلج من العادات ، وعند الأصوليين الأصل في العادات العفو إلا ما حظره الشرع ، فلا يجوز التضييق في هذه المسألة بحجة المناسبة أو النازلة .
هذا ما تيسر تحريره ، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات .

أ/أحمد بن مسفر بن معجب العتيبي
عضو هيئة التدريس بقوات الأمن الخاصة

(منقول )