بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم اجعلنا في أحسن ما جئتنا به من الحق بإذنك ... آمين .

لماذا كان الإحتكام إلى الله ورسوله في المنازعات أو إلى القسطاس المستقيم عند البيوع خير وأحسن تأويلا كما قال الله تعالى: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ ۖ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) [سورة النساء : 59] .
وكما قال عز من قائل: ( وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) [سورة اﻹسراء : 35].

ولكي نجيب على هذا السؤال والذي يبدوا وكأنه سؤال سطحي سننظر أولا في معاني بعض المفردات ومن ثم سنتطرق للإجابة .

أولا : - القسطاس : قال الزجاج هو ميزان العدل . وجاء في القاموس المحيط: هو الميزان ، أو أقوم الموازين . ومن هذا المعنى نفهم أن القسطاس المستقيم هو الميزان المرجع أو الميزان المعيار الذي تعاير عليه كل الموازين ؛ وفي وقتنا الحاضر يصنع هذا الميزان الأم من مواد خاصة لا تقبل الصدأ أو التغيير في أي مكان أو زمان ولا يتأثر بالحرارة أو البرودة والإرتفاع والإنخفاض أو الرطوبة والجفاف ، كما أن هناك المتر العدل أو المعيار المتري وله نفس المواصفات التي ذكرتها وتعاير به الأمتار .
والميزان المقصود في الآية هو كل ميزان صحيح متعارف عليه بين عدول الناس بالإضافة إلى إنه رمز لكل حكم عادل صحيح ورأي سديد مجازا .

ثانيا: - أحسن تأويلا : جاء في فتح القدير للشوكاني : أي أحسن عاقبة من آل إذا رجع وعليه يكون المعنى: أحسن مرجعا ومئآلا.

ولكي نفهم كيف ولماذا كان الإحتكام إلى الله ورسوله في المنازعات وإلى القسطاس المستقيم عند البيوع خير وأحسن مرجع سنبدأ من القسطاس المستقيم .

فالميزان المستقيم آلة صماء ليس لها هوى ولا تجامل أو تحابي أحدا ويحتكم إليها الناس عند البيع والشراء لمنع الإختصام أو الإختلاف بينهم وهي تعطي كل ذي حق حقه وهو أي الميزان كالقرعة أو الإستهام من حيث إنها لا تجامل أحدا فيحتكم لها عند التنازع مثلما يحتكم لها أصحاب المواريث الذين يأخذون بالقرعة عن رضا واقتناع ، ومن هنا جاءت الخيرية عند الرجوع إلى الميزان فالمشتري يكون راضيا عندما يشتري شيئا بالميزان لأن أحدا لم يدلس عليه أو يغشه والبائع يكون راضيا أيضا لأنه قبض الثمن والفائدة فكان الإحتكام إلى الميزان الصحيح أحسن مرجع إذ جعل الطرفين البائع والمشتري راضيين بل ومتحابين وقلوبهم صافية تجاه بعض .

أظن أن المعنى بدأ يقترب من الفهم فبالقياس ندرك أن الله ورسوله هما القسطاس المستقيم إن صح التشبيه من حيث أن لا هوى يتملكهما فهم لا يجاملون أو يحابون أحدا ولو كان النزاع بين كفارا ومسلمين فقد حكم النبي لليهودي على المسلم والقصة معروفة ، ويتمثل الآن حكم الله ورسوله في القضاة الشرعيين وعندما نحتكم إلى القضاة الشرعيين في أي مسألة متنازع عليها سواء كانت دينية أو دينيوية ويحكم فيها القاضي بشرع الله يكون الكل راضين أو هكذا ينبغي أن يكونوا إن كانوا يؤمنون بالله واليوم الآخر فالمحكوم عليه يخرج وهو راض بالحكم لأن أحدا لم يدلس عليه أو يغشه ولا يشعر بالنقص أو الذل أو إنه مغلوب أمام خصمه لأن الذي حكم عليه هو الله ورسوله ولا ينظر إليه الآخرين بانتقاص ولا يشعر المحكوم له بالفخر والنصر أو الغلبة لأنه حكم له بعكس لو أخذ صاحب الحق حقه عن طريق آخر غير طريق الله ورسوله فسيشعر صاحب الحق بالزهو والنصر وسيشعر من أخذ منه الحق بالذل والهزيمة وسينظر إليه الآخرون بإنتقاص وهذا يورث الأحقاد والضغائن والفرقة في أوصال المجتمع ومن هنا تتضح الخيرية في الرجوع إلى حكم الله ورسوله عند التنازع .

الخلاصة: إن الإحتكام إلى من ليس له هوى يجعل الكل راضين ومعترفين بحكم الله ورسوله هذا على شرط الإيمان بالله واليوم الآخر لأن الدين هو المعاملة وهو أكثر ما اهتم به الله ورسوله .
ولو نظرنا إلى أوامر الله ورسوله ونواهيهما من هذا المنطلق وإنها جاءت ممن ليس له هوى فسنعرف أن في ما أمرا ونهيا خير لنا سواء في الدنيا أو في الآخرة أو في كليهما معا لأنهما ما أمرا ونهيا تعسفا وتبطرا ولكن محبة ومصلحة لنا لأن الله هو من خلقنا وهو أدرى بمصلحة صنعته .

ويجب أن نعلم بأنه حتى الدول التي لا تؤمن بالله واليوم الآخر تقوم بإنشاء محاكم ونصوص وقوانين يحتكم لها الناس عند الخصومة ويصورون لهم بأن هذه القوانين والنصوص لا تميل مع الهوى وأن الكل فيها متساوون وذلك مراعاة لهذه المشاعر التي تنتاب الناس بعد صدور الأحكام حتى يتعايش الناس بسلام ومحبة بمعنى آخر إنها تحفظ للمحكوم عليه كرامته وماء وجهه أمام الآخرين .

والله أعلم .