الكاتب : محمد رشيد رضا

المحرم - 1332هـ
ديسمبر - 1913م

إسلام اللورد هدلي
وما قاله وكتبه في سببه

خاضت جرائد العالم في إسلام اللورد ( هدلي ) الإنكليزي ، فكتب بعضها ما
عليه كما هو على سبيل الخبر ، وزعم بعضهم أن إسلامه إسلام سياسي
ليمثل المسلمين في مجلس اللوردات ! وأبى بعض المتعصبين من النصارى إلا أن
يشوب الخبر بشوائب التلبيس وإيهام القارئ أن اللورد لا يزال نصرانيًّا يؤمن
بالثالوث ويجمع بين الضدين أو النقيضين ( التوحيد والتثليث ) .
وكأن هذا التلبيس والإيهام قد استنبط من كلمة عُزيت إلى اللورد . وإننا ننشر
ما نقلته جريدة مسيحية إنكليزية عن اللورد وما كتبه هو عن إسلامه ؛ فتقول :
جاء في جريدة الديلي ميل الصدارة في 17 نوفمبر سنة 1913 تحت عنوان
( إسلام اللورد هدلي ) ما يأتي :
اللورد هدلي هو البارون الخامس في بيته ( عائلته ) وقد ارتقى إلى هذه
الرتبة في يناير الماضي بعد وفاة ابن عمه . وقد أسلم هذا اللورد الآن وأعلن إسلامه
في حفلة للجمعية الإسلامية بلندن ، وكان هو نفسه حاضرًا في وليمة الجمعية
السنوية .
قال في اجتماع البارحة : ( إنني بإعلان إسلامي الآن لم أَحِد مطلقًا عما اعتقدته
منذ عشرين سنة ، ولما دعتني الجمعية الإسلامية لوليمتها سررت جدًّا لأتمكن من
الذهاب إليهم وإخبارهم بالتصاقي الشديد بدينهم . وأنا لم أهتم بعمل أي شيء لإظهار
نبذي لعلاقتي بالكنيسة الإنكليزية التي نشأت في حجرها ، كما أني لم أحفل
بالرسميات في إعلان إسلامي ، وإن كان هو الدين الذي أتمسك به الآن .
إن عدم تسامح المتمسكين بالنصرانية كان أكبر سبب في خروجي عن
جامعتهم ، فإنك لا تسمع أحدًا من المسلمين يذم أحدًا من أتباع الأديان الأخرى كما
تسمع ذلك من النصارى بعضهم في بعض ، فإن المسلمين وإن كان يحزنهم عدم
اهتداء الناس إلى دينهم إلا أنهم لا يحكمون على كل من خالفهم بالهلاك الأبدي .
إن طهارة الإسلام وسهولته وبعده عن الأهواء والمذاهب الكهنوتية ووضوح
حجته كانت كل هذه الأشياء أكبر ما أثر في نفسي . وقد رأيت في المسلمين من
الاهتمام بدينهم والإخلاص ما لم أر مثله بين النصارى ، فإن النصراني يحترم دينه
عادة يوم الأحد حتى إذا ما مضى الأحد نسي دينه طول الأسبوع . وأما المسلم
فبعكس ذلك ، يحب دينه دائمًا ، وسواءٌ عنده أكانَ اليوم يوم الجمعة أو غيره ، ولا
يفتر لحظة عن التفكر في كل عمل يكون فيه عبادة الله .
وإني وإن كنت اعتنقت الإسلام إلا أني لا زلت نصرانيًّا ، بمعنى أني لا زلت
مؤمنًا بالمسيح ومتبعًا تعاليم المسيح ، فإن الإسلام يصدق بتعاليم جميع الأنبياء على
حدٍ سواء فلا يفرق بين موسى والمسيح ومحمد ( ولكن أ كثر الناس لا يعلمون ) .
اهـ كلام هدلي .
ثم قالت الجريدة المذكورة : إن اللورد هدلي هو مهندس . وفي المسابقة
الرياضية التي جرت في كمبردج حاز قَصَبَ السَّبْق في الملاكمة مثل المستر
ألنسون وين (
winn Allanson ) .

لماذا أسلمت ؟
وجاء في جريدة الأبزيرفر الأسبوعية (
observer the ) في عددها
الصادر في 23 نوفمبر الماضي تحت عنوان ( لماذا أسلمت ) بقلم اللورد هدلي
(
headley ) ما ترجمته حرفيًّا :
( عقيدة الإسلام )
أخذت صحف عديدة تخوض في معتقدي الديني ، ويسرني أن أرى أن جميع
الانتقادات التي وجهت إليّ للآن ، كانت بلهجة لطيفة ، وما كان ينتظر أن الخروج
عمّا ألفه الناس واعتادوه لا يلفت الأنظار إليه ، وذلك ممّا يسرني ، إني أحب مهنتي
ومولع بالألعاب الرياضية ، ولم يكن لي في ذلك غرض لطلب الشهرة وبعد الصيت ،
ولكن لو كان عملي في هذه الحالة سببًا في جعل الناس كبيري المدارك سمحاء فأنا
في غاية الاستعداد لأن أتحمل بكل صبر أي نوع من الإساءة والاستهزاء .
أتاني في يوم كتاب من نصراني متمسك بدينه يقول لي فيه : إن الإسلام هو
دين شهوات ، وإنه كان لنبيه عدة زوجات . فما أعجبها من فكرة عن الإسلام ! !
ولكنها هي الفكرة السائدة على عقول تسعة وتسعين من كل مائة بريطاني ، فإنهم لا
يتعبون أنفسهم في البحث عن حقائق دين يدين به مائة مليون من إخوانهم الخاضعين
لهم .
نبيّ العرب المقدس كان على الأخص حصورًا عن الشهوات طاهرًا ، فكان
مخلصًا لزوجته الوحيدة خديجة التي كانت أكبر منه بخمس عشرة سنة ، وكانت أول
من آمنت ببعثته . وبعد موتها تزوج عائشة ثم تزوج أيضًا عدة أرامل لأصحابه
الذين قتلوا في الحرب ، لا لأنه كان له أدنى رغبة فيهن بل ليعولهن ويقوم بكفالتهن
ويرفع مقامهن إلى منزلة ما كن يصلن إليها بغير ذلك . وكان عمله هذا ملتئمًا مع
بعده عن الأنانية ، ومع حياته الشريفة العالية . وكان من شدة زهده في هذه الحياة
أنه ما كان يملك ما يكفيه من العيش .
نحن البريطانيين تعودنا أن نفخر بحبنا للإنصاف والعدل ، ولكن أي ظلم
أعظم من أن نحكم - كما يفعل أكثرنا - بفساد الإسلام قبل أن نلم بشيء من عقائده ،
بل قبل أن نفهم معنى كلمة الإسلام ؟

القرآن والدعوة
من المحتمل أن بعض أصدقائي يتوهم أن المسلمين هم الذين أثَّروا فيّ ،
ولكن هذا الوهم لا حقيقة له ، فإن اعتقاداتي الحاضرة ليست إلا نتيجة تفكير قضيت
فيه عدة سنين . أما مذاكراتي الفعلية مع المتعلمين من المسلمين في موضوع الدين
فلم تبدأ إلا منذ أسابيع قليلة ، ولا حاجة بي إلى القول بأني ملئت سرورًا حينما وجدت
نظرياتي ونتائجي متفقة تمام الاتفاق مع الدين الإسلامي . وأمّا صديقي الخوجة
كمال الدين فلم يحاول قط أن يكون له فيّ أقل تأثير ، ولكنه كان حقيقة كقاموس حيّ
يفسر ويترجم لي - مع الصبر - ما لم يتضح لي من آيات القرآن . وكان سلوكه
هذا مسلك المبشر الإسلامي الحقيقي الذي لا يحاول إرغام سامعيه أو التأثير فيهم . فإن
الدخول في الإسلام يجب - كما يقول القرآن - أن يكون بإرادة الإنسان الحرة
وبرأيه الذاتي بدون أي وسيلة من وسائل الإكراه . وكذلك أراد عيسى أيضًا حينما
قال : ( مر 6 : 11 وكل من لا يقبلكم ولا يسمع لكم فأخرجوه من هناك … . ) .
إني أعرف حوادث عديدة جدًّا لبعض البروتستانت المتحمسين الذين يظنون
أنه يجب أن يزوروا بيوت الكاثوليك ليحولوهم إلى مذهبهم ، ومثل هذا التعدي
الجارح قبيح طبعًا . وقد أدى - في الأكثر - إلى إثارة الأحقاد التي نشأت عنها
مشاحنات وجعلت الدين يزدري . وإني ليحزنني أن أرى أن دعاة النصرانية قد
سلكوا هذا الطريق عينه مع إخوانهم المسلمين ، ولا يمكنني أن أفهم كيف يريدون أن
يدعوا إلى النصرانية من هم في الحقيقة أفضل منهم نصرانية ( أو قال : نصارى
أفضل منهم ) لم أقل : ( نصارى أفضل منهم ) جزافًا فإن ما في الإسلام من الخير
والتسامح وسعة المدارك أقرب إلى ما دعا إليه المسيح من تلك العقائد الضيقة التي
أخذت بها فرق النصارى المختلفة .

عقيدة أثناسيوس[1]
أذكر مثلاً واحدًا وهو عقيدة أثناسيوس التي تشرح الثالوث شرحًا في غاية
التعقيد . في هذه العقيدة - وهي كبيرة الأهمية جدًّا وتنص على إحدى العقائد
الأساسية للكنائس المسيحية - ترى جليًّا أنها عقيدة الجمهور ، وأننا إذا لم نأخذ بها
نهلك هلاكًا أبديًّا . ثم يقال لنا إنه : ( يجب علينا أن لا نفكر في الثالوث بغير ذلك )
وبعبارة أخرى : إن الإله الذي نَصِفُه في لحظة بالرحمة والقدرة ، نصفه في اللحظة
الثانية بالظلم والقسوة ، وهو ما نتحامى أن نصف بها أقسى البشر السفاكين ، فكأن الله
تعالى القديم الذي فوق كل شيء يكون خاضعًا لما يذهب إليه الهالك المسكين (يريد
الإنسان ) في أمر الثالوث .
وهاك مثلاً آخر من أمثلة بعدهم عن الخير : أتاني كتاب بمناسبة ميلي للإسلام
يقول لي فيه كاتبه : إنني إن لم أومن بلاهوت المسيح فلا سبيل لي إلى الخلاص .
أما مسألة ألوهية المسيح هذه فلم يظهر لي أنها تقرب في أهميتها من تلك المسألة
الأخرى وهي : هل بلغ رسالة ربه للبشر ؟ فلو كان عندي الآن أي شك في هذه
المسألة الأخيرة لضايقني كثيرًا ، ولكني - ولله الحمد - لا أشك فيها ، وأرجو أن
يكون إيماني بالمسيح - وبما أوحاه الله إليه - ثابتًا كإيمان أي مسلم أو أي
نصراني به . وكما قلت من قبل مرارًا إن الإسلام والنصرانية التي أتى بها المسيح
نفسه هما توأمان لم يفرق بينهما إلا الأهواء والاصطلاحات التي يحسن أن تنبذ
ظهريا في هذه الأيام . يميل الناس إلى الإلحاد حينما يطالبون بالأخذ بعقائد جامدة لا
تتحمل التسامح ، وإن كانوا ولا شك لفي شوق إلى دين يذعن لحكم العقل كما يذعن
الوجدان . من سمع بمسلم انقلب ملحدًا ؟ يجوز أن يوجد أحوال قلائل كهذه ولكنني
مع ذلك أشك في وجودها كل الشك .

خوف الانتقاد
إني أعتقد أنه يوجد ألوف من الرجال والنساء الذين يدينون بالإسلام في قلوبهم ،
ولكن مخالفة الإجماع وخوف الانتقاد العدائي والرغبة في اجتناب كل ضيق أو
تغيير يحملهم على عدم الجهر بما في قلوبهم ، قد سلكت الآن نفس هذا المسلك .
على أني أعلم أن كثيرًا من أصدقائي وأقربائي ينظرون إليّ كأي روح ضالة تستحق
الدعاء لها ، مع أن عقيدتي الآن هي عين عقيدتي منذ عشرين سنة ؛ ولكن جهري
بها هو الذي أفقدني حسن ظنهم بي ؛ لأن الخوف هو السبب في وجود أحوال لا
تحصى من الشقاء والشر في هذا العالم ، ولو اتبع الناس الصراحة في القول لقل
سوء التفاهم بينهم ، ولزاد احترامهم ، ولنقتبس هنا كلمة المستر ( بلفور ) الحكيمة
وهي قوله : ( لا ناصح أضر من الفزع إلا اليأس ) ولكن أفضل أن أقول في هذه
الحالة ( هناك ناصح أضر وأشد خطرًا من الشك أو الكفر ألا وهو الخوف ) .
وحيث إني قد أتيت هنا بملخص بعض الأسباب التي حملتني على اعتناق
الإسلام وقد بينت أني أعتبر نفسي بهذا العمل نصرانيًّا أكمل بكثير مما كنت من قبل ،
فلذا أرجو أن يقتدي بي غيري في ذلك ، فإنه خير لا شك فيه . وفيه السعادة لكل
من يرى أن عملي هذا ارتقاء لا يراد به أي عداء للنصرانية الصحيحة . اهـ .
( المنار )
في كلام أخينا اللورد هدلي كلمتان جديرتان بالاعتبار :
( إحداهما ) قوله : إن الإسلام هو النصرانية التي كان عليها ودعا إليها
المسيح . وهذا حق فإن دين جميع رسل الله ( ) واحد في
أصوله وجوهره ، وإنما كان بيان خاتمهم ( محمد ) أتم وأكمل
على سنة الارتقاء في الحياة ، وقد حفظه الله من التحريف والتبديل والزيادة
والنقصان . وقد سبق لحكيمنا الكبير السيد جمال الدين الأفاغني - تعالى
كلمة مثل كلمة أخينا اللورد هدلي . ذلك أن سائلا سأله عن سبب الدعوة إلى المذهب
النيشري المادي في الهند فقال : إن الذين أرادوا حل رابطة المسلمين في الهند
دعوهم أولاً إلى النصرانية فلم تنجح دعوتهم لأن الإسلام مسيحية وزيادة ، فإنه يقرر
الإيمان بالمسيح وبما جاء به من التوحيد والفضائل ويبطل ما زاده النصارى
في دينه من الخرافات - أي مع زيادة في المعارف الإلهية والآداب والفضائل
والهدي الكامل - فلما خابت هذه الدعوة رأوا أن يشككوكهم في الدين المطلق ... إلخ ما
قاله ، وقد ذكرناه بالمعنى . ولولا العصبيات المذهبية ، والأحقاد السياسية ، وسوء حال
مسلمي هذه الأزمنة وبعدهم عن حقيقة الديانة الإسلامية ، وجهل الإفرنج بها وبلغتها
العربية ، ثم هذا الحجاب الذي أسدلته العلوم والأعمال المادية ، ومقت الدين الذي
أثارته الخرافات الكنيسية ، وما كان قبل من قسوة السلطة البابوية ، لكان
هؤلاء الإفرنج أجدر الناس في هذا العصر بالإسلام ، دين العقل والعلم
والحضارة والسلام ، الذي كشف ما غشي كتب الأنبياء من الخرافات والأوهام ،
ورفع امتيازات الأجناس والأصناف والأقوام ، ودعا الناس كافة إلى الإخاء والوحدة
والاعتصام . ولا بد أن يتجلى حقه لهم بعد أحقاب إن لم يكن بعد أعوام ، وقد
ظهرت بوادر ذلك بما يكتشفون في هذه الأيام ، من غرائب آياته تعالى في الأنفس
والعقول والقوى والأجسام ، وقد قال في كتابه المجيد : سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي
أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحَقُّ أَوَ لَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلاَ إِنَّهُمْ
فِي مِرْيَةٍ مِّن لِّقَاءِ رَبِّهِمْ أَلاَ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ ( فصلت : 53-54 ) .
وأما الكلمة الثانية من كلمتي ( اللورد هدلي ) فهي إخباره بأن كثيرًا من قومه
مسلمون ، أي قد ظهر لهم نور الإسلام ، فانقشعت به ظلمات الأوهام ، وتلك الظلمة
الوثنية التي غشيت تعليم المسيح النورانية ، فعلموا أن دين محمد هو دين المسيح
، ولكنه غير أديان الكنائس المنسوبة إلى المسيح . بيّن أنهم مسلمون
في باطنهم ولكنهم يخافون أن يظهروا إسلامهم كما كان يخاف هو مدة عشرين سنة ،
إنما يخافون أن يحتقرهم قومهم ، ويمتعض منهم أهلهم ؛ لأن تعصبهم للدين
والمذهب شديد جدًّا ، وإن خفي هذا عن سفهاء المتفرنجين منّا الذين يزعمون أن
جميع الإفرنج مارقون من الدين ؛ لأنهم لميلهم إلى الإلحاد لا ينجذبون إلا إلى أهله ،
وقد يحملون من الكلام عليه ما لا يراد به منه ، كما أنهم لافتتانهم بالفسق يظنون أن
جميع نساء الإفرنج بغايا ، وأنهم لا همّ لهم من حياتهم ولا اشتغال لهم إلا بالشهوات
البهيمية ، وسبب ذلك أنهم لا يبحثون إلا عن ذلك ، ولو كان همّ الذين يذهبون إلى
أوربة منهم موجهًا إلى علم من العلوم أو فن من الفنون أو صناعة من الصناعات ، لبدا
لهم من اهتمام الإفرنج به ما يحملهم على الظن بأنه لا همّ لهم في غيره ، على
أن في الإفرنج من يهتم بإفساد دين الشرقي لإفساد جامعته التي يعتصم بها .
وهذا وإننا كنا منذ ميزنا وعقلنا نسمع من أهلنا وأصحابنا أن كثيرًا من
نصارى بلادنا يوقنون بحقية الإسلام ويتجرؤون على إظهار ذلك لقومهم ، ومنهم من
يدخل في الإسلام ويؤدي فرائضه كلها أو بعضها في الخفاء ، حتى اتفق ذلك لبعض
رؤساء الأديار . وأخبرنا والدي - تعالى - أنه عاد فلانًا القائمقام في أحد
أقضية جبل لبنان في مرض موته - وكان صديقًا له - فخلا به فأشهده على نفسه أنه
مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله . وأذكر أنني رأيت ذلك الرجل
وكنت طالب علم فسألني عن بعض الأحاديث النبوية وكان يذكر النبي - صلى الله
عليه وسلم - بتعظيم فوق المعتاد في مجاملة أدباء النصارى للمسلمين فحملت ذلك
على المبالغة في المجاملة .
وإنني أعرف أفرادًا من فضلاء النصارى المستقلين يودّون لو كان في البلاد
حرية دينية يعذرهم بها أهلهم إذا هم أسلموا ، منهم من يود لو كان مسلمًا اعتقادًا منه
بأفضلية الإسلام ورجحانه على جميع الأديان , ومنهم من يود ذلك لغرض سياسي
اجتماعي وهو التمكن من التأثير في إصلاح بلاده التي يجزم بأنها لا تصلح إلا إذا
صلح المسلمون وجاروا الأمم القوية في أسباب العزة والحضارة . وهذا الصنف
كثير جدًّا . ولو كان للإسلام حكومة تقيم بنيانه وتنفذ أحكامه ، وتحمل الأمة على
فضائله ، وتظهر للناس حقيقة عدله وسماحته ، لرأيت الناس يدخلون فيه أفواجًا ،
ولكن رؤساء المسلمين هم أشد تنفيرًا عن الإسلام من دعاة الأديان الأخرى
ورؤسائها ، ومن كل أحد . وما هذه إلا عوارض لا تدوم ، إذ وعد الله تعالى بأن
يظهره على الدين كله وكان الله قويًّا عزيزًا .
_
(1) حاشية للمترجم : عاش هذا الرجل بين سنة 296 - 373 م .
(17/34)