اعتنى به: عمرو الشرقاوي

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
رأيت أن نواصل الفكرة في الأحرف المقطعة، وهي قضية المحكم والمتشابه، فسنقرأ آية المحكم والمتشابه في سورة آل عمران، وهي قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7].
[5/188 - 192]
قال الطبري تعالى:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] أَنَّ اللَّهَ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] يَعْنِي بِالْكِتَابِ الْقُرْآنَ. وَقَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ فِيمَا مَضَى عَنِ السَّبَبِ الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ سُمِّيَ الْقُرْآنُ كِتَابًا بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] فَإِنَّهُ يَعْنِي مِنَ الْكِتَابِ آيَاتٌ، يَعْنِي بِالْآيَاتِ آيَاتِ الْقُرْآنِ. وَأَمَّا الْمُحْكَمَاتِ: فَإِنَّهُنَّ اللَّوَاتِي قَدْ أُحْكِمْنَ بِالْبَيَانِ وَالتَّفْصِيلِ، وَأُثْبِتَتْ حُجُجُهُنَّ وَأَدِلَّتِهِنَّ عَلَى مَا جُعْلِنَ أَدِلَّةً عَلَيْهِ مِنْ حَلَالٍ وَحَرَامٍ، وَوَعْدٍ وَوَعِيدٍ، وَثَوَابٍ وَعِقَابٍ، وَأَمْرٍ وَزَجْرٍ، وَخَبَرٍ وَمَثَلٍ، وَعِظَةَ وَعِبَرٍ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، ثُمَّ وَصَفَ جَلَّ ثناؤُهُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ بِأَنَّهُنَّ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابٍ، يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّهُنَّ أَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي فِيهِ عِمَادُ الدِّينِ وَالْفَرَائِضِ وَالْحُدُودِ، وَسَائِرِ مَا بِالْخَلْقِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ أَمْرِ دِينِهِمْ، وَمَا كُلِّفُوا مِنَ الْفَرَائِضِ فِي عَاجِلِهِمْ وَآجِلِهِمْ، وَإِنَّمَا سَمَّاهُنَّ أُمَّ الْكِتَابِ، لِأَنَّهُنَّ مُعْظَمُ الْكِتَابِ، وَمَوْضِعُ مَفْزَعِ أَهْلِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ، وَكَذَلِكَ تَفْعَلُ الْعَرَبُ، تُسَمِّي الْجَامِعَ مُعْظَمَ الشَّيْءِ أُمًّا لَهُ، فَتُسَمِّي رَايَةَ الْقَوْمِ الَّتِي تَجْمَعُهُ فِي الْعَسَاكِرِ أُمَّهُمْ، وَالْمُدَبِّرَ مُعْظَمِ أَمْرِ الْقَرْيَةِ وَالْبَلْدَةِ أُمَّهَا، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، وَوَحَّدَ أُمَّ الْكِتَابِ، وَلَمْ يَجْمَعْ فَيَقُولُ: هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ، وَقَدْ قَالَ هُنَّ؛ لِأَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ الْآيَاتِ الْمُحْكَمَاتِ أُمَّ الْكِتَابِ، لَا أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ كُلَّ آيَةٍ مِنْهُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ، لَكَانَ لَا شَكَّ قَدْ قِيلَ: هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابِ، وَنَظِيرُ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] عَلَى التَّأْوِيلَ الَّذِي قُلْنَا فِي تَوْحِيدِ الْأُمِّ وَهِيَ خَبَرٌ لِ «هُنَّ» قَوْلُهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً [سورة: المؤمنون، آية رقم: 50] وَلَمْ يَقُلْ آيَتَيْنِ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهُ: وَجَعَلْنَا جَمِيعَهُمَا آيَةً، إِذْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا فِيمَا جَعَلَا فِيهِ لِلْخَلْقِ عِبْرَةً، وَلَوْ كَانَ مُرَادُهُ الْخَبَرَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى انْفِرَادِهِ، بِأَنَّهُ جُعِلَ لِلْخَلْقِ عِبْرَةً، لَقِيلَ: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُمْ عِبْرَةٌ. وَذَلِكَ أَنَّ مَرْيَمَ وَلَدَتْ مِنْ غَيْرِ رَجُلٍ، وَنَطَقَ ابْنُهَا فَتَكَلَّمَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا، فَكَانَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلنَّاسِ آيَةٌ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا قِيلَ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] وَلَمْ يُقَلْ: «هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابُ» عَلَى وَجْهُ الْحِكَايَةِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلَ: مَا لِي أَنْصَارٌ، فَتَقُولُ: أَنَا أُنْصَارُكَ، أَوْ مَا لِي نَظِيرٌ، فَتَقُولُ: نَحْنُ نَظِيرُكَ. قَالَ: وَهُوَ شَبِيهُ «دَعْنِي مِنْ تَمْرَتَانِ» ، وَأَنْشَدَ لِرَجُلٍ مِنْ فَقْعَسٍ:
تَعَرَّضَتْ لِي بِمَكَانٍ حَلِّ ... تَعَرُّضَ الْمُهْرَةِ فِي الطِّوَلِّ
تَعَرُّضًا لَمْ تَأْلُ عَنْ قَتْلًا لِي
حَلَّ أَيْ يَحِلُّ بِهِ، عَلَى الْحِكَايَةِ، لِأَنَّهُ كَانَ مَنْصُوبًا قَبْلَ ذَلِكَ، كَمَا يَقُولُ: نُودِيَ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، يَحْكِي قَوْلَ الْقَائِلِ: الصَّلَاةَ الصَّلَاةَ، وَقَالَ: قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّمَا هِيَ أَنَّ قَتْلًا لِي وَلَكِنَّهُ جَعَلَهُ «عَنْ» لِأَنَّ أَنَّ فِيَ لُغَتِهِ تُجْعَلُ مَوْضِعَهَا «عَنْ» وَالنُّصْبُ عَلَى الْأَمْرِ، كَأَنَّكَ قُلْتَ: ضَرْبًا لِزَيْدٍ، وَهَذَا قَوْلٌ لَا مَعْنَى لَهُ؛ لِأَنَّ كُلَّ هَذِهِ الشَّوَاهِدِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا، لَا شَكَّ أَنَّهُنَّ حِكَايَاتُ حَالِتِهِّنَ بِمَا حَكَى عَنْ قَوْلِ غَيْرِهِ وَأَلْفَاظِهِ الَّتِي نَطَقَ بِهِنَّ، وَأَنَّ مَعْلُومًا أَنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ لَمْ يَحْكِ عَنْ أَحَدٍ قَوْلَهُ: أُمُّ الْكِتَابِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ: أَخْرَجَ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْحِكَايَةِ عَمَّنْ قَالَ ذَلِكَ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ وَأُخَرُ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] فَإِنَّهَا جَمْعُ أُخْرَى. ثُمَّ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ فِي الْعِلَّةِ الَّتِي مِنْ أَجْلِهَا لَمْ يُصْرَفْ «أُخَرُ» فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَمْ يُصْرَفْ «أُخَرُ» مِنْ أَجْلِ أَنَّهَا نَعْتٌ وَاحِدَتُهَا أُخْرَى، كَمَا لَمْ تُصْرَفْ جُمُعُ وَكُتَعُ؛ لِأَنَّهُنَّ نُعُوتٌ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّمَا لَمْ تُصْرَفِ الْأُخَرُ لِزِيَادَةِ الْيَاءِ الَّتِي فِي وَاحِدَتِهَا، وَأَنَّ جَمْعَهَا مَبْنِيُّ عَلَى وَاحِدِهَا فِي تَرْكِ الصَّرْفِ، قَالُوا: وَإِنَّمَا تُرِكَ صَرْفُ أُخْرَى، كَمَا تُرِكَ صَرْفُ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ فِي النَّكِرَةِ وَالْمَعْرِفَةِ لِزِيَادَةِ الْمُدَّةِ فِيهَا وَالْهَمْزَةِ بِالْوَاوِ، ثُمَّ افْتَرَقَ جَمْعُ حَمْرَاءَ وَأُخْرَى، فَبُنِيَ جَمْعُ أُخْرَى عَلَى وَاحِدَتِهِ، قِيلَ: فُعَلُ أُخَرُ، فَتُرِكَ صَرْفُهَا كَمَا تُرِكَ صَرْفُ أُخْرَى، وَبُنِيَ جَمْعُ حَمْرَاءَ وَبَيْضَاءَ عَلَى خِلَافِ وَاحِدَتِهِ، فَصُرِفَ، فَقِيلَ: حُمْرٌ وَبِيضٌ، فَلِاخْتِلَافِ حَالَتَيْهِمَا فِي الْجَمْعِ اخْتَلَفَ إِعْرَابُهُمَا عِنْدَهُمْ فِي الصَّرْفِ، وَلِاتِّفَاقِ حَالَتَيْهِمَا فِي الْوَاحِدَةِ اتَّفَقَتْ حَالَتَاهُمَا فِيهَا.)).
التعليق:
قوله: ((وَقَدْ قَالَ بَعْضُ نَحْوِيِّي الْبَصْرَةِ: إِنَّمَا قِيلَ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] وَلَمْ يُقَلْ: «هُنَّ أُمَّهَاتُ الْكِتَابُ» عَلَى وَجْهُ الْحِكَايَةِ، كَمَا يَقُولُ الرَّجُلَ: مَا لِي أَنْصَارٌ، فَتَقُولُ: أَنَا أُنْصَارُكَ، أَوْ مَا لِي نَظِيرٌ، فَتَقُولُ: نَحْنُ نَظِيرُكَ. قَالَ: وَهُوَ شَبِيهُ «دَعْنِي مِنْ تَمْرَتَانِ»)).

هو قول الأخفش في معانيه، (1/208).
وهذا الكلام في المعنى العربي لأم الكتاب ولم يقل أمهات الكتاب، والمفرد - كما هو معلوم - إذا أضيف عم، فمعنى أم الكتاب، أي: أمهات الكتاب .
[5/192]
قال الطبري :
((وَأَمَّا قَوْلُهُ: مُتَشَابِهَاتٌ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مُتَشَابِهَاتٌ فِي التِّلَاوَةِ، مُخْتَلِفَاتٌ فِي الْمَعْنَى، كَمَا قَالَ جَلَّ ثناؤُهُ: وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا [سورة: البقرة، آية رقم: 25] يَعْنِي فِي الْمَنْظَرِ مُخْتَلِفًا فِي الْمَطْعَمِ، وَكَمَا قَالَ مُخْبِرًا عَمَّنْ أَخْبَرَ عَنْهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا [سورة: البقرة، آية رقم: 70] يَعْنُونَ بِذَلِكَ: تَشَابَهَ عَلَيْنَا فِي الصِّفَةِ وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَنْوَاعُهُ. فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ إِذًا أَنَّ الَّذِي لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ يَا مُحَمَّدُ الْقُرْآنَ، مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ بِالْبَيَانِ، هُنَّ أَصْلُ الْكِتَابِ الَّذِي عَلَيْهِ عِمَادُكَ وَعِمَادُ أُمَّتِكَ فِي الدِّينِ وَإِلَيْهِ مَفْزَعُكَ وَمَفْزَعُهُمْ فِيمَا افْتَرَضْتُ عَلَيْكَ وَعَلَيْهِمْ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ، وَآيَاتٍ أُخَرَ هُنَّ مُتَشَابِهَاتٌ فِي التِّلَاوَةِ، مُخْتَلِفَاتٌ فِي الْمَعَانِي.)).
التعليق:

في تفسيره للمتشابه بقوله: ((مُتَشَابِهَاتٌ فِي التِّلَاوَةِ، مُخْتَلِفَاتٌ فِي الْمَعَانِي.))، هذا أحد معاني التشابه في القرآن، ولكنه ليس هو المراد في الآية، كأن هذا من باب التفسير لفظ .
[5/192]
قال الطبري :
((وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [سورة: آل عمران، آية رقم: 7] وَمَا الْمُحْكَمُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ؟ وَمَا الْمُتَشَابِهُ مِنْهُ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمُ: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ: الْمَعْمُولُ بِهِنَّ، وَهُنَّ النَّاسِخَاتُ، أَوْ الْمُثْبِتَاتُ الْأَحْكَامِ؛ وَالْمُتَشَابِهَاتُ مِنْ آيِهِ الْمَتْرُوكُ الْعَمَلِ بِهِنَّ، الْمَنْسُوخَاتُ ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده عَنِ الْعَوَّام، عَمَّنْ حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «هِيَ الثَّلَاثُ الْآيَاتِ الَّتِي هَاهُنَا»: قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ [الأنعام: 151] إِلَى ثَلَاثِ آيَاتٍ، وَالَّتِي فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ: وَقَضَى رَبُّكَ أَلَا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ [الإسراء: 23] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ ".)).
التعليق:

هذا الأثر كما يظهر فيه انقطاع، ولكنه ينسب في كتب التفسير إلى ابن عباس، قال ابن عطية: ((وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات))([1])، فكأنه يقول: إن هذا من ابن عباس مثال للمحكمات، وليس قصده أن المحكمات هي هذه الآيات فقط .
[5/193]
قال الطبري :
((بإسناده، عَنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَوْلُهُ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] " الْمُحْكَمَاتُ: نَاسِخُهُ، وَحَلَالُهُ، وَحَرَامُهُ، وَحُدُودُهُ، وَفَرَائِضُهُ، وَمَا يُؤْمِنُ بِهِ، وَيَعْمَلُ بِهِ " قَالَ: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] " وَالْمُتَشَابِهَاتٌ: مَنْسُوخُهُ، وَمُقَدَّمُهُ، وَمُؤَخَّرُهُ، وَأَمْثَالُهُ، وَأَقْسَامُهُ، وَمَا يُؤْمَنُ بِهِ، وَلَا يُعْمَلُ بِهِ ")).
التعليق:

هذا الأثر والآثار التي ستذكر بعد ذلك، علق عليها ابن عطية، فقال: ((وهذا عندي على جهة التمثيل، أي: يوجد الإحكام في هذا والتشابه في هذا، لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات))([2]).
وقد فصل المحكمات، فقال: أن وجه الإحكام، في الناسخ، والحلال، والحرام، والحدود، والفرائض، وما يؤمن به ويعمل به .
مقابل له: المنسوخ (مقابل الناسخ) والمقدم والمؤخر، (وجعله ابن عباس من المتشابه؛ لأنه ليس كل واحد يعرف ترتيب الكلام)، والأمثال(لأن الله قال: وما يعقلها إلا العالمون) والأقسام، وما يؤمن به ولا يعمل به، (كالآيات المنسوخة حكمًا لا تلاوة).
وهذا على حسب ما ورد عندهم أنه قد يقع فيها التباس .
[5/194 - 196]
قال الطبري:
((بإسناده، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: 7] إِلَى: وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] " فَالْمُحْكَمَاتُ الَّتِي هِيَ أُمُّ الْكِتَابِ: النَّاسِخُ الَّذِي يُدَانُ بِهِ وَيُعْمَلُ بِهِ؛ وَالْمُتَشَابِهَاتُ: هُنَّ الْمَنْسُوخَاتُ الَّتِي لَا يُدَانُ بِهِنَّ ".
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] إِلَى قَوْلِهِ: كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا [آل عمران: 7] " أَمَّا الْآيَاتُ الْمُحْكَمَاتُ: فَهُنَّ النَّاسِخَاتُ الَّتِي يُعْمَلُ بِهِنَّ؛ وَأَمَّا الْمُتَشَابِهَاتُ: فَهُنَّ الْمَنْسُوخَاتُ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] " وَالْمُحْكَمَاتُ: النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِيهِ حَلَالَهُ وَحَرَّمَ فِيهِ حَرَامَهُ؛ وَأَمَّا الْمُتَشَابِهَاتُ: فَالْمَنْسُوخُ الَّذِي لَا يُعْمَلُ بِهِ وَيُؤْمَنُ ".
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: " الْمُحْكَمُ: مَا يُعْمَلُ بِهِ ".
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: " الْمُحْكَمَاتُ: النَّاسِخُ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ، وَالْمُتَشَابِهَاتُ: الْمَنْسُوخُ الَّذِي لَا يُعْمَلُ بِهِ، وَيُؤْمَنُ بِهِ ".
وبإسناده، عَنِ الضَّحَّاكِ، فِي قَوْلِهِ: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] قَالَ: «النَّاسِخَاتُ» وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «مَا نُسِخَ وَتُرِكَ يُتْلَى».
وبإسناده، عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ قَالَ: " الْمُحْكَمُ مَا لَمْ يَنْسَخْ، وَمَا تَشَابَهَ مِنْهُ: مَا نُسِخَ ".
وبإسناده، عَنِ الضَّحَّاكِ فِي قَوْلِهِ: آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] قَالَ: «النَّاسِخُ» وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «الْمَنْسُوخُ».
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: " الْمُحْكَمَاتُ: الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ ".
وبإسناده، عُبَيْدُ بْنُ سُلَيْمَانَ، قَالَ: سَمِعْتُ الضَّحَّاكَ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] «يَعْنِي النَّاسِخَ الَّذِي يُعْمَلُ بِهِ» ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] «يَعْنِي الْمَنْسُوخَ، يُؤْمَنُ بِهِ وَلَا يُعْمَلُ بِهِ».
وبإسناده، عَنِ الضَّحَّاكِ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «مَا لَمْ يُنْسَخْ» ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «مَا قَدْ نُسِخَ».)).

التعليق:
هذه الآثار توضح بعضها بعضًا، فوضح مرادهم بالناسخ والمنسوخ .
فنوع المتشابه والمحكم من خلال هذه الآثار، فسنجد أن التشابه هنا تشابه نسبي، أي: من جهة العلم، فيعلمه قوم دون قوم .
[5/196]
قال الطبري :
((وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ: مَا أَحْكَمَ اللَّهُ فِيهِ بَيَانَ حَلَالِهِ وَحَرَامِهِ؛ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهَا: مَا أَشْبَهَ بَعْضُهُ بَعْضًا فِي الْمَعَانِي وَإِنِ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] «مَا فِيهِ مِنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ وَمَا سِوَى ذَلِكَ، فَهُوَ مُتَشَابِهِ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26] وَمَثْلُ قَوْلِهِ: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 125] وَمَثْلُ قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17] .)).
التعليق:

وقول مجاهد هنا - لو تأملناه - ((يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا» وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ: وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ [البقرة: 26] وَمَثْلُ قَوْلِهِ: كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ [الأنعام: 125] وَمَثْلُ قَوْلِهِ: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ [محمد: 17] .))، فكأنه يقول أن بعضها يؤيد بعضًا .
ولا شك أن اللفظة من جهة اللغة، تحتمل ما ذكره مجاهد، ولكن هل تدخل في الآية ؟ يقول ابن عطية: ((وفي بعض هذه العبارات التي ذكرنا للعلماء اعتراضات، وذلك أن التشابه الذي في هذه الآية مقيد بأنه مما لأهل الزيغ به تعلق، وفي بعض عبارات المفسرين تشابه لا يقتضي لأهل الزيغ تعلقا.))([3]).
فهذا قيد مهم، فأهل الزيغ يستفيدون من المتشابه لإضلال الناس، أو إثبات بدعتهم، فمثل قول مجاهد، فإن وقع لبعض الناس استخدام لمثل هذا في الإضلال فهو قد استخدم نوع من المتشابه لإضلال الناس، وإلا فالصورة الأولية منه ليست مندرجة تحت الآية إلا بهذا القيد، حتى وإن وقع عليه اسم التشابه.
[5/197]
قال الطبري :
((وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُحْكَمَاتُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ: مَا لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ؛ وَالْمُتَشَابِهُ مِنْهُ: مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عن مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ
([4]): هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] «فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهَا تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعَتْ عَلَيْهِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَةٌ فِي الصِّدْقِ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، لَا يُصْرَفْنَ إِلَى الْبَاطِلِ وَلَا يُحَرَّفْنَ عَنِ الْحَقِّ».)).
التعليق:

قال ابن عطية عن هذا القول: ((وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية))، ولا بد من الانتباه إلى أن ابن عطية في ذهنه تعريف للمحكم والمتشابه، وهو من الأقاويل الحسنة ولا شك، ولو تأملنا هذا القول يتضح أن المحكمات عنده آيات فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهَا تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعَتْ عَلَيْهِ، وأما المتشابهات فهي آيات متشابهات في الصدق قابلات للتصريف والتأويل، أما الأوليات فهن غير قابلات للتأويل، ولذلك عبر عنها الطبري بقوله: ((مَا لَمْ يَحْتَمِلْ مِنَ التَّأْوِيلِ غَيْرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ))، وأما المتشابه فقال: ((مَا احْتَمَلَ مِنَ التَّأْوِيلِ أَوْجُهًا))، فيقع فيها نوع من الالتباس .
[5/197]
قال الطبري :
((وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى الْمُحْكَمِ: مَا أَحْكَمَ اللَّهُ فِيهِ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ وَقَصَصِ الْأُمَمِ وَرُسُلِهِمُ الَّذِينَ أُرْسِلُوا إِلَيْهِمْ، فَفَصَّلَهُ بُبَيَانِ ذَلِكَ لِمُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، وَالْمُتَشَابِهِ هُوَ مَا اشْتَبَهَتِ الْأَلْفَاظُ بِهِ مِنْ قَصَصِهِمْ عِنْدَ التَّكْرِيرِ فِي السُّوَرِ فَقِصَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَلْفَاظِ وَاخْتِلَافِ الْمَعَانِي، وَقِصَّةٌ بِاخْتِلَافِ الْأَلْفَاظِ وَاتِّفَاقِ الْمَعَانِي.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عن ابْن وَهْبٍ، قَالَ: قَالَ ابْنُ زَيْدٍ وَقَرَأَ: الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ [هود: 1] قَالَ: «وَذُكِرَ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنْهَا، وَحَدِيثُ نُوحٍ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ آيَةً مِنْهَا» . ثُمَّ قَالَ: تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ [هود: 49] ثُمَّ ذَكَرَ: وَإِلَى عَادٍ [الأعراف: 65] فَقَرَأَ حَتَّى بَلَغَ: وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ [هود: 90] " ثُمَّ مَضَى، ثُمَّ ذَكَرَ صَالِحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَلُوطًا وَشُعَيْبًا، وَفَرَغَ مِنْ ذَلِكَ، وَهَذَا يَقِينٌ، ذَلِكَ يَقِينٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ.
قَالَ: وَالْمُتَشَابِهُ ذِكْرُ مُوسَى فِي أَمْكِنَةٍ كَثِيرَةٍ، وَهُوَ مُتَشَابِهٌ، وَهُوَ كُلُّهُ مَعْنًى وَاحِدٌ وَمُتَشَابِهٌ: اسْلُكْ فِيهَا ، احْمِلْ فِيهَا [هود: 40] ، اسْلُكْ يَدَكَ [القصص: 32] ، أَدْخِلْ يَدَكَ [النمل: 12] ، حَيَّةٌ تَسْعَى [طه: 20] ، ثُعْبَانٌ مُبِينٌ [الأعراف: 107] قَالَ: ثُمَّ ذَكَرَ هُودًا فِي عَشْرٍ آيَاتٍ مِنْهَا، وَصَالِحًا فِي ثَمَانِي آيَاتٍ مِنْهَا وَإِبْرَاهِيمَ فِي ثَمَانِي آيَاتٍ أُخْرَى، وَلُوطًا فِي ثَمَانِي آيَاتٍ مِنْهَا، وَشُعَيْبًا فِي ثَلَاثَ عَشْرَةَ آيَةً، وَمُوسَى فِي أَرْبَعِ آيَاتٍ، كُلُّ هَذَا يَقْضِي بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ وَبَيْنَ قَوْمِهِمْ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، فَانْتَهَى ذَلِكَ إِلَى مِائَةِ آيَةٍ مِنْ سُورَةِ هُودٍ، ثُمَّ قَالَ: ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ [هود: 100] وَقَالَ فِي الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ الْبَلَاءَ وَالضَّلَالَةَ، يَقُولُ: مَا شَأْنُ هَذَا لَا يَكُونُ هَكَذَا؟ وَمَا شَأْنُ هَذَا لَا يَكُونُ هَكَذَا "؟.)).
التعليق:
جعل ابن زيد المحكم والمتشابه في القصص، ونظر نظرة موضوعية في سورة هود، فهناك قصص لم يتكرر منها شيء، وقصص أخرى وقع فيها ألفاظ متشابهة فهذه الأخيرة جعلها ابن زيد من المتشابه .
وقوله: ((وَقَالَ فِي الْمُتَشَابِهِ مِنَ الْقُرْآنِ: مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ الْبَلَاءَ وَالضَّلَالَةَ، يَقُولُ: مَا شَأْنُ هَذَا لَا يَكُونُ هَكَذَا؟ وَمَا شَأْنُ هَذَا لَا يَكُونُ هَكَذَا "؟.))، وهذا يقوله متبع المتشابه من باب الاعتراض لا من باب البحث عن العلم .
فابن زيد أشار إلى نوعين من التشابه:
1- التشابه في القصص وهذا لا يدخل تحت الآية .
2- أما الثاني ففيه إرادة الفتنة .
[5/199 - 201]
قال الطبري :
((وَقَالَ آخَرُونَ: بَلِ الْمُحْكَمُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ: مَا عَرَفَ الْعُلَمَاءُ تَأْوِيلَهُ، وَفَهِمُوا مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرَهُ؛ وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ، وَذَلِكَ نَحْوُ الْخَبَرِ عَنْ وَقْتِ مَخْرَجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَوَقْتِ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، وَقِيَامِ السَّاعَةِ، وَفَنَاءِ الدُّنْيَا، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ، وَقَالُوا: إِنَّمَا سَمَّى اللَّهُ مِنْ آيِ الْكِتَابِ الْمُتَشَابِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةَ الَّتِي فِي أَوَائِلِ بَعْضِ سُوَرِ الْقِرَانِ مِنْ نَحْوِ «الم، وَالمص، وَالمر، وَالر» ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُنَّ مُتَشَابِهَاتٌ فِي الْأَلْفَاظِ، وَمُوَافِقَاتٌ حُرُوفَ حِسَابِ الْجُمَّلِ، وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَمِعُوا أَنْ يُدْرِكُوا مِنْ قِبَلِهَا مَعْرِفَةَ مُدَّةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، وَيَعْلَمُوا نِهَايَةَ أُكُلِ مُحَمَّدٍ وَأُمَّتِهِ، فَأَكْذَبَ اللَّهُ أُحْدُوثَتَهُمْ بِذَلِكَ، وَأَعْلَمُهُمْ أَنَّ مَا ابْتَغَوْا عِلْمَهُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُتَشَابِهَةِ لَا يُدْرِكُونَهُ وَلَا مِنْ قِبَلِ غَيْرِهَا، وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، وَهَذَا قَوْلٌ ذُكِرَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِمَّنْ قَالَ نَحْوَ مَقَالَتِهِ فِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ: الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ [البقرة: 2] وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ بَيَانًا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ سَبِيلٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَكُلُّ مَا فِيهِ لِخَلْقِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ مَا بِهِمْ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ الْغِنَى، وَإِنِ اضْطَرَّتْهُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] فَأَعْلَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَالَّذِي كَانَتْ بِالْعِبَادِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ مِنْهُمْ بِوَقْتِ نَفْعِ التَّوْبَةِ بِصِفَتِهِ بِغَيْرِ تَحْدِيدِهِ بَعَدٍّ بِالسِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُمْ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ، وَأَوْضَحَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَسَّرًا، وَالَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ مِنْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَوَقْتِ حُدُوثِ تِلْكَ الْآيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، فَحَجَبَهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي طَلَبَتِ الْيَهُودُ مَعْرِفَتَهُ فِي مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ: «الم، وَالمص، وَالر، وَالمر» وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا وَصَفْنَا، فَكُلُّ مَا عَدَاهُ فَمُحْكَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْكَمًا بِأَنَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَا تَأْوِيلَ لَهُ غَيْرُ تَأْوِيلٍ وَاحِدٍ، وَقَدِ اسْتَغْنَى بِسَمَاعِهِ عَنْ بَيَانٍ يُبَيِّنُهُ، أَوْ يَكُونُ مُحْكَمًا، وَإِنْ كَانَ ذَا وُجُوهٍ وَتَأْوِيلَاتٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُعَانٍ كَثِيرَةٍ، فَالدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ إِمَّا مِنْ بَيَانِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهُ أَوْ بَيَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَلَنْ يَذْهَبَ عِلْمُ ذَلِكَ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا.)).
التعليق:

قوله: ((الْمُحْكَمُ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ: مَا عَرَفَ الْعُلَمَاءُ تَأْوِيلَهُ، وَفَهِمُوا مَعْنَاهُ وَتَفْسِيرَهُ؛ وَالْمُتَشَابِهُ: مَا لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ)).
ثم ذكر أمثلة، ثم أدخل الحروف المقطعة، وذلك بناءًا على رأيه أن الحروف المقطعة كل المعاني تدخل فيها، ومنها حساب الجمل، فكأنه قال هذه فيها رموز وأسرار، لا يعلمها إلا الله، وليس للعباد إلى تعلمها حاجة .
فالبحث عن وقت قيام الساعة - مثلًا - من المتشابه.
والطبري جعل قول جابر هو أشبه الأقوال، ولكنه قبل الأقوال الأخرى، على وجه آخر من التأويل، مثل ابن عطية جعل قول ابن الزبير هو اشبه الأقوال وقبل الأقوال الأخرى على وجه آخر من التأويل .
فسيكون المتشابه عندنا قولان:
1- ما سبق ذكره عند الطبري، وهو يمكن الوصول إليه من العباد، فهو على بابة غير القول الذي ذكره الطبري هنا .
2- المتشابه الذي لَمْ يَكُنْ لِأَحَدٍ إِلَى عِلْمِهِ سَبِيلٌ مِمَّا اسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهِ دُونَ خَلْقِهِ.
وكذلك المحكم فهو:
1- محكم يدركه الكل، ويقابله متشابه نسبي لا يدركه إلا العلماء .
2- والقول الأول - المتشابه النسبي - بالنسبة للقول الثاني - المتشابه الكلي -، من قبيل المحكم .
3- ويبقى المتشابه الكلي - الذي لا يعلمه إلا الله، ولا علاقة له بإدراك المعاني -، ولا حاجة للعباد بمعرفته أصلًا .
فعندنا أمران:
- المعاني.
- وما تؤول إليه هذه المعاني، وهي حقائق الأشياء المذكورة في القرآن، وأوقات هذه المغيبات، وبعض الحكم التي لا يدركها إلا الله.
فصار المتشابه الكلي ثلاث أنواع:
- كيفيات المغيبات التي لم يرد تفصيل لها.
- أوقات هذه المغيبات.
- بعض الحكم التي لا يمكن إدراكها البتة.
ومثال على ذلك قوله تعالى: ( وإذا وقع عليهم القول أخرجنا لهم دابة..) المعنى واضح لكل عربي؛ لكن كيفية ذلك ووقته من المتشابه الكلي، ولا يدرك إلا بالخبر.
ولينتبه إلى تعليق الطبري على قول جابر فإنه نفيس ومما ذكره من قواعد، قوله:
1- وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ بَيَانًا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ.
وهذه القاعد الأولى .
2- وَلَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ سَبِيلٌ.



(*) يمكن الاستماع للمحاضرة صوتيًا على هذا الرابط .
(1) المحرر الوجيز: (1/400).
(2) المحرر الوجيز: (1/400).
(3) المحرر الوجيز: (1/410).
(4) قال الشيخ: هو ابن أخي عروة ابن الزبير، ذكره البخاري( في التاريخ الأوسط) فيمن توفي بين (110 - 120)، توفي وهو شاب، ويروي عن التابعين، ومعدود من الفقهاء، وله أقوال في التفسير. ( ويناسب جمعها وتحريرها في بحث علمي محكم).