اعتنى به: عمرو الشرقاوي
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
نكمل ما وقفنا عليه من التعليق على تفسير الطبري - - لآية المتشابه في سورة آل عمران .
[5/201]
قال الطبري :
((لْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] قَدْ أَتَيْنَا عَلَى الْبَيَانِ عَنْ تَأْوِيلِ ذَلِكَ بِالدَّلَالَةِ الشَّاهِدَةِ عَلَى صِحَّةِ مَا قُلْنَا فِيهِ، وَنَحْنُ ذَاكُرُو اخْتِلَافِ أَهْلِ التَّأْوِيلِ فِيهِ، وَذَلِكَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِهِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَعْنَى قَوْلِهِ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] هُنَّ اللَّائِي فِيهِنَّ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَالْأَحْكَامُ، نَحْوَ قِيلِنَا الَّذِي قُلْنَا فِيهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنْ يَحْيَى بْنِ يَعْمُرَ
([1])، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: " مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] قَالَ يَحْيَى: " هُنَّ اللَّاتِي فِيهِنَّ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَعِمَادُ الدِّينِ، وَضَرَبَ لِذَلِكَ مَثَلًا فَقَالَ: أُمُّ الْقُرَى مَكَّةُ، وَأُمُّ خُرَاسَانَ مَرْوُ، وَأُمُّ الْمُسَافِرِينَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ إِلَيْهِ أَمَرَهُمْ، وَيُعْنَى بِهِمْ فِي سَفَرِهِمْ، قَالَ: فَذَاكَ أُمُّهُمْ ".
وبإسناده، قَالَ ابْنُ زَيْدٍ فِي قَوْلِهِ: هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] قَالَ: «هُنَّ جِمَاعُ الْكِتَابِ»)).
التعليق:

ما ذكره يحيى هو وصف للمحكمات، فالمحكمات وصفن بأنهن أم الكتاب، والأم كما ذكر عن ابن زيد أنهن جماع الكتاب التي يرجع إليه كل الكتاب .
ويحيى بن يعمر (بما أنه نحوي) ذكر أن أم القرى مكة، بمعنى أن كل البلاد ترجع إليها، فهي بمثابة المصر الجامع، وهذا القول هو اختيار الطبري كما أشار إليه .
[5/201 - 202]
قال الطبري :
((وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ مَعْنِيُّ بِذَلِكَ فَوَاتِحُ السُّوَرِ الَّتِي مِنْهَا يُسْتَخْرَجُ الْقُرْآنُ، ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنْ أَبِي فَاخِتَةَ
([2])، أَنَّهُ قَالَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] قَالَ: «أُمُّ الْكِتَابِ فَوَاتِحُ السُّوَرِ مِنْهَا يُسْتَخْرَجُ الْقُرْآنُ» الم ذَلِكَ الْكِتَابُ [البقرة: 2] «مِنْهَا اسْتُخْرِجَتِ الْبَقَرَةُ» ، وَ الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ [آل عمران: 1] «مِنْهَا اسْتُخْرِجَتْ آلُ عِمْرَانَ»)).
التعليق:

هذا القول الثاني استغربه ابن عطية، وقال عنه: ((وحكى الطبري عن أبي فاختة أنه قال: هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ يراد به فواتح السور إذ منها يستخرج القرآن الم ذلِكَ الْكِتابُ منه استخرجت سورة البقرة الم اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ منه استخرجت سورة آل عمران، وهذا قول متداع للسقوط مضطرب لم ينظر قائله أول الآية وآخرها ومقصدها، وإنما معنى الآية الإنحاء على أهل الزيغ))([3]).
وسبب استغراب ابن عطية لهذا القول، أن صاحبه لم ينظر إلى السياق، ونحن إذا تأملنا قول أبي فاختة لا شك أن فيه إشكال وغرابة.
والأصل عندنا، أننا ينبغي أن نخرج القول قبل الاعتراض عليه، وذلك:
1- لمعرفة وجهه .
2- لمعرفة احتماليته، ولا يعني ذلك قبوله .
وهذا منهج الطبري ، فلا يعني تعليله للقول قبوله .
ولذلك نقول، إذا كان يوجه إلى أن فواتح السور يتركب منها السور، فالبقرة متركبة من نحو هذا الكلام، وهكذا = فهو مقبول .
لكن يبقى الإشكال فيما ذكره ابن عطية في كون هذا هو المراد بأم الكتاب .
[5/202 - 204]
قال الطبري:
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] يَعْنِي بِذَلِكَ جَلَّ ثناؤُهُ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ، وَانْحِرَافٌ عَنْهُ، يُقَالُ مِنْهُ: زَاغَ فُلَانٌ عَنِ الْحَقِّ، فَهُوَ يَزِيغُ عَنْهُ زَيْغًا وَزَيَغَانًا وَزُيُوغَةً وَزُيُوغًا، وَأَزَاغَهُ اللَّهُ: إِذَا أَمَالَهُ، فَهُوَ يُزِيغَهُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ جَلَّ ثناؤُهُ: رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا [آل عمران: 8] لَا تُمِلْهَا عَنِ الْحَقِّ بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا [آل عمران: 8] وَبِنَحْوِ الَّذِي قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] «أَيْ مَيْلٌ عَنِ الْهُدَى».
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِ اللَّهِ: فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «شَكٌّ».
وبإسناده، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] قَالَ: «مِنْ أَهْلِ الشَّكِّ».
وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي خَبَرٍ ذَكَرَهُ عَنْ أَبِي مَالِكٍ، وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَعَنْ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيِّ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْ نَاسٍ، مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] " أَمَّا الزَّيْغُ: فَالشَّكُّ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ، قَالَ: زَيْغٌ [آل عمران: 7] «شَكٌّ» ، قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] «الْمُنَافِقُونَ».)).

التعليق:

الزيغ في اللغة هو الميل، والميل عن الحق قد يكون بسبب الشك أو الريب، فمن عبر عن الزيغ بالشك هو تعبير عن السبب الموجب للزيغ .
وما ذكره عن ابن جريج أنهم المنافقون، فهذا أشبه ما يكون بتحديد المبهم، فإن جعلناه من باب تحديد المبهم، فكأن المنافقون هو اللفظ المساوي للذين في قلوبهم زيغ .
ولكن الصحيح أن الذين (الذين في قلوبهم زيغ) وصفٌ عام، والمنافقون مثال عليهم .
والأقرب أن قول ابن جريج من باب التمثيل، لأنه لم يرد للمنافقين ذكرٌ قبل الآية ولا بعدها لكي يحمل هذا الوصف عليهم، والطبري - - لم يعلق على هذا وتركه؛ لأنه يصدق على المنافقين أن يقال عليهم في قلوبهم زيغ.
[5/204]
قال الطبري :
((الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] يَعْنِي بِقَوْلِهِ جَلَّ ثناؤُهُ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] مَا تَشَابَهَتْ أَلْفَاظُهُ وَتَصَرَّفَتْ مَعَانِيهِ بِوجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ، لَيُحَقِّقُوا بِادِّعَائِهِمُ الْأَبَاطِيلَ مِنَ التَّأْوِيلَاتِ فِي ذَلِكَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الضَّلَالَةِ وَالزَّيْغِ عَنْ مَحَجَّةِ الْحَقِّ تَلْبِيسًا مِنْهُمْ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ ضَعُفَتْ مَعْرِفَتُهُ بِوجُوهِ تَأْوِيلِ ذَلِكَ وَتَصَارِيِفِ مَعَانِيهِ.
وبإسناده، عَنْ عَلِيٍّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] «فَيَحْمِلُونَ الْمُحْكَمَ عَلَى الْمُتَشَابِهِ، وَالْمُتَشَابِهَ عَلَى الْمُحْكَمِ وَيُلَبِّسُونَ، فَلَبَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] «أَيْ مَا تَحَرَّفَ مِنْهُ وَتَصَرَّفَ، لِيُصَدِّقُوا بِهِ مَا ابْتَدَعُوا وَأَحْدَثُوا لِيَكُونَ لَهُمْ حُجَّةً عَلَى مَا قَالُوا وَشُبْهَةً».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، فِي قَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] قَالَ: «الْبَابُ الَّذِي ضَلُّوا مِنْهُ وَهَلَكُوا فِيهِ ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ».)).
التعليق:

وكلام ابن عباس ، عام ومحتمل لأن يكون مراده بالمتشابه النسبي، أو الكلي .
أما كلام محمد بن جعفر بن الزبير، فالأقرب أن يكون مراده المتشابه النسبي، ويدلنا عليه قوله فيما سبق، وهو: عن مُحَمَّد بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ [آل عمران: 7] «فِيهِنَّ حُجَّةُ الرَّبِّ وَعِصْمَةُ الْعِبَادِ، وَدَفْعُ الْخُصُومِ وَالْبَاطِلِ، لَيْسَ لَهَا تَصْرِيفٌ وَلَا تَحْرِيفٌ عَمَّا وُضِعَتْ عَلَيْهِ، وَأُخَرُ مُتَشَابِهَةٌ فِي الصِّدْقِ لَهُنَّ تَصْرِيفٌ وَتَحْرِيفٌ وَتَأْوِيلٌ ابْتَلَى اللَّهُ فِيهِنَّ الْعِبَادَ كَمَا ابْتَلَاهُمْ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، لَا يُصْرَفْنَ إِلَى الْبَاطِلِ وَلَا يُحَرَّفْنَ عَنِ الْحَقِّ».
[5/205]
قال الطبري:
((وَقَالَ آخَرُونَ فِي ذَلِكَ بِمَا: وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ، فِي قَوْلِهِ: فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] " يَتَّبِعُونَ الْمَنْسُوخَ وَالنَّاسِخَ، فَيَقُولُونَ: مَا بَالُ هَذِهِ الْآيَةِ عُمِلَ بِهَا كَذَا وَكَذَا، مَجَازُ هَذِهِ الْآيَةِ، فَتُرِكَتِ الْأُولَى وَعُمِلَ بِهَذِهِ الْأُخْرَى؟ هَلَّا كَانَ الْعَمَلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ الْأُولَى الَّتِي نُسِخَتْ، وَمَا بَالُهُ يَعِدُ الْعَذَابَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا يَعِدُ بِهِ النَّارَ وَفِي مَكَانٍ آخَرَ مِنْ عَمَلِهِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجِبِ النَّارَ؟ ".)).
التعليق:

الذي قاله ابن جريج كلامٌ عامٌ أيضًا، ولو تأملنا كلام السدي رأيناه هنا يميل إلى المتشابه الكلي، أما الطبري فإنه اختار أن التشابه هنا، هو التشابه النسبي، وهذا يفسر قول الطبري، وقال آخرون، فقد ذكر المعنى، وقرره بأدلته، ثم قال، وقال آخرون، فهل هو تضعيف منه، أم ماذا ؟!.
ونحن نتوقف الآن لنرى بقية الآثار، لأن كل سياقاتها مرة تذهب إلى المتشابه الكلي، ومرة إلى المتشابه النسبي.
فائدة:
الحكم على أقسام:
1- قسم أبان الله عنه .
2- قسم يمكن إدراكه بالعقل .
3- قسم لا يعلمه إلا الله .
[5/205 - 211]
قال الطبري:
((وَاخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِيمَنْ عُنِيَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: عُنِيَ بِهِ الْوَفْدُ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَحَاجُّوهُ بِمَا حَاجُّوهُ بِهِ، وَخَاصَمُوهُ بِأَنْ قَالُوا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّ عِيسَى رُوحُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ؟ وَتَأَوَّلُوا فِي ذَلِكَ مَا يَقُولُونَ فِيهِ مِنَ الْكُفْرِ .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ، قَالَ: " عَمَدُوا يَعْنِي الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ فَخَاصَمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالُوا: أَلَسْتَ تَزْعُمُ أَنَّهُ كَلِمَةُ اللَّهِ وَرُوحٌ مِنْهُ؟ " قَالَ: «بَلَى» ، قَالُوا: فَحَسْبُنَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ جَلَّ ثناؤُهُ أَنْزَلَ: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ [آل عمران: 59] الْآيَةَ .
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَبِي يَاسِرِ بْنِ أَخْطَبَ، وَأَخِيهِ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ، وَالنَّفَرِ الَّذِينَ نَاظَرُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَدْرِ مُدَّةِ أُكُلِهِ وَأُكُلِ أُمَّتِهِ، وَأَرَادُوا عِلْمَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ: «الم، وَالمص وَالمر، وَالر» فَقَالَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ فِيهِمْ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] يَعْنِي هَؤُلَاءَ الْيَهُودَ الَّذِينَ قُلُوبُهُمْ مَائِلَةٌ عَنِ الْهُدَى وَالْحَقِّ، فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] يَعْنِي مَعَانِيَ هَذِهِ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُحْتَمِلَةِ التَّصْرِيفِ فِي الْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ التَّأْوِيلَاتِ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الرِّوَايَةَ بِذَلِكَ فِيمَا مَضَى قَبْلُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ الَّتِي تُذْكَرُ فِيهَا الْبَقَرَةُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: بَلْ عَنَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذَلِكَ كُلَّ مُبْتَدِعٍ فِي دِينِهِ بِدْعَةً مُخَالَفَةً لِمَا ابْتَعَثَ بِهِ رَسُولَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأْوِيلٍ يَتَأَوَّلُهُ مِنْ بَعْضِ آيِ الْقُرْآنِ الْمُحْتَمِلَةِ التَّأْوِيلَاتِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ أَحْكَمَ بَيَانَ ذَلِكَ، إِمَّا فِي كِتَابِهِ وَإِمَّا عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ، فِي قَوْلِهِ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] وَكَانَ قَتَادَةُ إِذَا قَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ [آل عمران: 7] قَالَ: إِنْ لَمْ يَكُونُوا الْحَرُورِيَّةَ وَالسَّبَئِيَّةَ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ؟ وَلَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ فِي أَهْلِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ خَبَرٌ لِمَنِ اسْتَخْبَرَ، وَعِبْرَةٌ لِمَنِ اسْتَعْبَرَ، لِمَنْ كَانَ يَعْقِلُ أَوْ يُبْصِرُ، إِنَّ الْخَوَارِجَ خَرَجُوا وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ كَثِيرٌ بِالْمَدِينَةِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَأَزْوَاجُهُ يَوْمَئِذٍ أَحْيَاءٌ، وَاللَّهِ إِنْ خَرَجَ مِنْهُمْ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى حَرُورِيًّا قَطُّ، وَلَا رَضُوا الَّذِي هُمْ عَلَيْهِ وَلَا مَالَئُوهُمْ فِيهِ، بَلْ كَانُوا يُحَدِّثُونَ بِعَيْبِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُ وَنَعْتِهِ الَّذِي نَعَتَهُمْ بِهِ، وَكَانُوا يَبْغَضُونَهُمْ بِقُلُوبِهِمْ وَيُعَادُونَهُمْ بِأَلْسِنَتِهِمْ وَتَشْتَدُّ وَاللَّهِ عَلَيْهِمْ أَيْدِيهِمْ إِذَا لَقُوهُمْ، وَلَعَمْرِي لَوْ كَانَ أَمْرُ الْخَوَارِجِ هُدًى لَاجْتَمَعَ، وَلَكِنَّهُ كَانَ ضَلَالًا فَتَفَرَّقَ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ إِذَا كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ وَجَدْتَ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا، فَقَدْ أَلَاصُوا هَذَا الْأَمْرَ مُنْذُ زَمَانٍ طَوِيلٍ، فَهَلْ أَفْلَحُوا فِيهِ يَوْمًا أَوْ أَنْجَحُوا؟ يَا سُبْحَانَ اللَّهِ كَيْفَ لَا يَعْتَبِرُ آخِرُ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ بِأَوَّلِهِمْ؟ لَوْ كَانُوا عَلَى هُدًى قَدْ أَظْهَرَهُ اللَّهُ وَأَفْلَجَهُ وَنَصَرَهُ، وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا عَلَى بَاطِلٍ أَكْذَبَهُ اللَّهُ وَأَدْحَضَهُ، فَهُمْ كَمَا رَأَيْتَهُمْ كُلَّمَا خَرَجَ لَهُمْ قَرْنٌ أَدْحَضَ اللَّهُ حُجَّتَهُمْ، وَأَكْذَبَ أُحْدُوثَتَهُمْ، وَأَهْرَقَ دِمَاءَهُمْ؛ وَإِنْ كَتَمُوا كَانَ قَرْحًا فِي قُلُوبِهِمْ وَغَمًّا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ أَظْهَرُوهُ أَهْرَاقَ اللَّهُ دِمَاءَهُمْ، ذَاكُمْ وَاللَّهِ دِينُ سُوءٍ فَاجْتَنِبُوهُ. وَاللَّهِ إِنَّ الْيَهُودَ لَبِدْعَةٌ، وَإِنَّ النَّصْرَانِيَّةَ لَبِدْعةٌ، وَإِنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَبِدْعَةٌ، وَإِنَّ السَّبَئِيَّةَ لَبِدْعَةٌ، مَا نَزَلَ بِهِنَّ كِتَابٌ وَلَا سَنَّهُنَّ نَبِيُّ " .
وبإسناده، عَنْ قَتَادَةَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ [آل عمران: 7] " طَلَبَ الْقَوْمُ التَّأْوِيلَ فَأَخْطَئُوا التَّأْوِيلَ، وَأَصَابُوا الْفِتْنَةَ، فَاتَّبَعُوا مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَهَلَكُوا مِنْ ذَلِكَ، لَعَمْرِي لَقَدْ كَانَ فِي أَصْحَابِ بَدْرٍ وَالْحُدَيْبِيَةِ الَّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرُّضْوَانِ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْهُ.
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: 7] إِلَى قَوْلِهِ: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ فَقَالَ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: قَرَأَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: 7] إِلَى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ قَالَتْ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ» أَوْ قَالَ: «وَيَتَجَادَلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ» قَالَ مَطَرٌ: عَنْ أَيُّوبَ أَنَّهُ قَالَ: «فَلَا تُجَالِسُوهُمْ؛ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ [آل عمران: 7] الْآيَةَ كُلَّهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ وَالَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ، فَلَا تُجَالِسُوهُمْ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: تَلَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] ثُمَّ قَرَأَ إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ، فَقَالَ: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
وبإسناده، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: نَزَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «قَدْ حَذَّرَكُمُ اللَّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاعْرِفُوهُمْ».
وبإسناده، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ» ، ثُمَّ نَزَعَ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ [آل عمران: 7] «وَلَا يَعْلَمُونَ بِمُحْكَمِهِ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ، وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ [آل عمران: 7] فَقَالَ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ [آل عمران: 7] الْآيَةَ، يَتْبَعُهَا: يَتْلُوهَا، ثُمَّ يَقُولُ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِيهِ فَاحْذَرُوهُمْ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ».
وبإسناده، عَنِ الْقَاسِمِ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ [آل عمران: 7] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ، قَالَ: «هُمُ الَّذِينَ سَمَّاهُمُ اللَّهُ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاحْذَرُوهُمْ».
قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَالَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُتَشَابِهِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِمَّا فِي أَمْرِ عِيسَى، وَإِمَّا فِي مُدَّةِ أكُلُهِ وَأُكُلِ أُمَّتِهِ، وَهُوَ بِأَنْ تَكُونَ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُتَشَابِهِهِ فِي مُدَّتِهِ وَمُدِّهِ أُمَّتِهِ أَشْبَهُ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: 7] دَالٌ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ عَنِ الْمُدَّةِ الَّتِي أَرَادُوا عِلْمَهَا مِنْ قِبَلِ الْمُتَشَابِهِ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ، فَأَمَّا أَمْرُ عِيسَى وَأَسْبَابُهُ، فَقَدْ أَعْلَمَ اللَّهُ ذَلِكَ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ وَبَيَّنَهُ لَهُمْ، فَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يَعْنِ إِلَّا مَا كَانَ خَفِيًّا عَنِ الْآحَادِ.)).
التعليق:

عندنا أقوال في معنى ابتغاء الفتنة، وابتغاء التأويل .
وقد ذكر الطبري الاختلاف فيمن نزلت فيه الآيات، ، وذكر رواية أنها عني بها وفد نجران، أو أنها في ياسر بن أخطب، ثم ذكر قول قتادة الطويل أن الآية في كل مبتدع، ثم ذكر أثرًا عن النبي - رواه البخاري وغيره- وفيه ذكر النبي وصفًا عامًا ولم يحدد قوما دون قوم.
وقد ذكر الطبري أن الآية نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُتَشَابِهِ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ إِمَّا فِي أَمْرِ عِيسَى، وَإِمَّا فِي مُدَّةِ أكُلُهِ وَأُكُلِ أُمَّتِهِ، ثم رجح أَنْ تَكُونَ فِي الَّذِينَ جَادَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمُتَشَابِهِهِ فِي مُدَّتِهِ وَمُدِّهِ أُمَّتِهِ أَشْبَهُ.
وهذا الاختيار من الطبري فيه غرابة.
ونحن هنا ننظر في هذه الأقوال ونسبتها إلى المتشابه الكلي والنسبي.
فالذين قالوا إن الذين عنوا به وفد نجران، فكلامهم في التشابه النسبي.
واليهود - في الرواية الثانية إن صحت - هذا في المتشابه الكلي؛ لأنهم طلبوا معرفة المُدد، وهذا لا يعلمه إلا الله.
وكلام قتادة، في المتشابه النسبي أيضًا؛ لأن المبتدعة ضلوا في المتشابه النسبي ( وهو نسبي لأن العلماء يعلمون أنه خطأ ويستطيعون الرد على هذا المتشابه).
والطبري لما اختار القول الذي اختاره، فواضح أنه ذهب إلى أن المتشابه هنا المراد منه الكلي، لأنه قال:
((وَهَذَا الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَشْبَهُ بِتَأْوِيلِ الْآيَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ جَمِيعَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِنَّمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ بَيَانًا لَهُ وَلِأُمَّتِهِ وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ، وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَيْهِ، وَلَا أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَا بِهِمْ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ، ثُمَّ لَا يَكُونُ لَهُمْ إِلَى عِلْمِ تَأْوِيلِهِ سَبِيلٌ، فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، فَكُلُّ مَا فِيهِ لِخَلْقِهِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهِ مَا بِهِمْ عَنْ بَعْضِ مَعَانِيهِ الْغِنَى، وَإِنِ اضْطَرَّتْهُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ فِي مَعَانٍ كَثِيرَةٍ، وَذَلِكَ كَقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ: يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا [الأنعام: 158] فَأَعْلَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَّتَهُ أَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ عِبَادَهُ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَمْ يَنْفَعْ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ، هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَالَّذِي كَانَتْ بِالْعِبَادِ إِلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ عِلْمِ ذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ مِنْهُمْ بِوَقْتِ نَفْعِ التَّوْبَةِ بِصِفَتِهِ بِغَيْرِ تَحْدِيدِهِ بَعَدٍّ بِالسِّنِينَ وَالشُّهُورِ وَالْأَيَّامِ، فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ لَهُمْ بِدَلَالَةِ الْكِتَابِ، وَأَوْضَحَهُ لَهُمْ عَلَى لِسَانِ رَسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُفَسَّرًا، وَالَّذِي لَا حَاجَةَ لَهُمْ إِلَى عِلْمِهِ مِنْهُ هُوَ الْعِلْمُ بِمِقْدَارِ الْمُدَّةِ الَّتِي بَيْنَ وَقْتِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَوَقْتِ حُدُوثِ تِلْكَ الْآيَةِ، فَإِنَّ ذَلِكَ مِمَّا لَا حَاجَةَ بِهِمْ إِلَى عِلْمِهِ فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا، وَذَلِكَ هُوَ الْعِلْمُ الَّذِي اسْتَأْثَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ، فَحَجَبَهُ عَنْهُمْ، وَذَلِكَ وَمَا أَشْبَهَهُ هُوَ الْمَعْنَى الَّذِي طَلَبَتِ الْيَهُودُ مَعْرِفَتَهُ فِي مُدَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتِهِ مِنْ قِبَلِ قَوْلِهِ: «الم، وَالمص، وَالر، وَالمر» وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الْحُرُوفِ الْمُقَطَّعَةِ الْمُتَشَابِهَاتِ الَّتِي أَخْبَرَ اللَّهُ جَلَّ ثناؤُهُ أَنَّهُمْ لَا يُدْرِكُونَ تَأْوِيلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِهِ، وَأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ. فَإِذَا كَانَ الْمُتَشَابِهُ هُوَ مَا وَصَفْنَا، فَكُلُّ مَا عَدَاهُ فَمُحْكَمٌ؛ لِأَنَّهُ لَنْ يَخْلُوَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مُحْكَمًا بِأَنَّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَا تَأْوِيلَ لَهُ غَيْرُ تَأْوِيلٍ وَاحِدٍ، وَقَدِ اسْتَغْنَى بِسَمَاعِهِ عَنْ بَيَانٍ يُبَيِّنُهُ، أَوْ يَكُونُ مُحْكَمًا، وَإِنْ كَانَ ذَا وُجُوهٍ وَتَأْوِيلَاتٍ وَتَصَرُّفٍ فِي مُعَانٍ كَثِيرَةٍ، فَالدَّلَالَةُ عَلَى الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْهُ إِمَّا مِنْ بَيَانِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَنْهُ أَوْ بَيَانِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ، وَلَنْ يَذْهَبَ عِلْمُ ذَلِكَ عَنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ لِمَا قَدْ بَيَّنَّا.)).
فما اختاره الطبري هو أحد المحتملين في تفسير الآية .
فكلام الطبري مازال متناسقًا في أن المحكم ما يعلمه البشر والمتشابه الذي لا يعلمه البشر وجعل منه الأحرف المقطعة، وما اختاره الطبري أحد الوجهين المحتملين.
وقد أشار في آخر كلامه عن أنواع المحكم والمتشابه الذي أخذناه في اللقاء السابق، حين قلنا أن: المحكم ما يقابل المتشابه الكلي، والمحكم الذي يقابل المتشابه النسبي، وهو ما يكون كله محكماً مقابل المتشابه الكلي، فالمحكم الذي لا يكون له إلا وجهًا واحد، والمحكم ما كان يحتمل التأويل ويقع فيه الخلاف، وهذا ما يطلق عليه المتشابه النسبي الذي يخفى على بعض العلماء، ولا تجهله الأمة كلها.
أما المتشابه الكلي- الذي اعتبره الطبري- فهو الذي لا يعلمه إلا الله.
[5/212]
قال الطبري :
((القول في تأويل قوله تعالى: ابتغاء الفتنة [آل عمران: 7] اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك، فقال بعضهم: معنى ذلك ابتغاء الشرك .
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنِ السُّدِّيِّ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] قَالَ: «إِرَادَةَ الشِّرْكِ».
وبإسناده، عَنِ الرَّبِيعِ، فِي قَوْلِهِ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] «يَعْنِي الشِّرْكَ».
وَقَالَ آخَرُونَ: مَعْنَى ذَلِكَ ابْتِغَاءُ الشُّبُهَاتِ.
ذِكْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ: وبإسناده، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] قَالَ: «الشُّبُهَاتُ بِهَا أُهْلِكُوا».
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْلِهِ: ابْتِغَاءُ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] " الشُّبُهَاتِ، قَالَ: هَلَكُوا بِهِ ".
وبإسناده، عَنْ مُجَاهِدٍ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] قَالَ: " الشُّبُهَاتِ، قَالَ: وَالشُّبُهَاتُ مَا أُهْلِكُوا بِهِ ".
وبإسناده، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] «أَيِ اللَّبْسِ» وَأَوْلَى الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ إِرَادَةُ الشُّبُهَاتِ وَاللَّبْسِ، فَمَعْنَى الْكَلَامِ إِذًا: فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ وَحَيْفٌ عَنْهُ، فَيَتَّبِعُونَ مِنْ آيِ الْكِتَابِ مَا تَشَابَهَتْ أَلْفَاظُهُ، وَاحْتُمِلَ صَرْفُهُ فِي وُجُوهِ التَّأْوِيلَاتِ، بِاحْتِمَالِهِ الْمَعَانِي الْمُخْتَلِفَةِ إِرَادَةَ اللَّبْسِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ، احْتِجَاجًا بِهِ عَلَى بَاطِلِهِ الَّذِي مَالَ إِلَيْهِ قَلْبُهُ دُونَ الْحَقِّ الَّذِي أَبَانَهُ اللَّهُ فَأَوْضَحَهُ بِالْمُحْكَمَاتِ مِنْ آيِ كِتَابِهِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ وَإِنْ كَانَتْ نَزَلَتْ فِيمَنْ ذَكَرْنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ، فَإِنَّهُ مَعْنِيُّ بِهَا كُلُّ مُبْتَدِعٍ فِي دِينِ اللَّهِ بِدْعَةً، فَمَالَ قَلْبُهُ إِلَيْهَا، تَأْوِيلًا مِنْهُ لِبَعْضِ مُتَشَابِهِ آيِ الْقُرْآنِ، ثُمَّ حَاجَّ بِهِ وَجَادَلَ بِهِ أَهْلَ الْحَقِّ، وَعَدَلَ عَنِ الْوَاضِحِ مِنْ أَدِلَّةِ أَيِّهِ الْمُحْكَمَاتِ إِرَادَةً مِنْهُ بِذَلِكَ اللَّبْسَ عَلَى أَهْلِ الْحَقِّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، وَطَلَبًا لَعِلْمِ تَأْوِيلِ مَا تَشَابَهَ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ، وَأَيَّ أَصْنَافِ الْبِدْعَةِ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ كَانَ أَوِ الْيَهُودِيَّةِ أَوِ الْمَجُوسِيَّةِ، أَوْ كَانَ سَبَئِيًّا، أَوْ حَرُورِيًّا، أَوْ قَدَرِيًّا، أَوْ جَهْمِيًّا، كَالَّذِي قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَإِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ بِهِ فَهُمُ الَّذِينَ عَنَى اللَّهُ فَاحْذَرُوهُمْ».
وَكَمَا: حَدَّثَنِي يُونُسُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: وَذُكِرَ عِنْدَهُ الْخَوَارِجُ وَمَا يَلْقَوْنَ عِنْدَ الْفِرَارِ، فَقَالَ: " يُؤْمِنُونَ بِمُحْكَمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ [آل عمران: 7] " الْآيَةَ وَإِنَّمَا قُلْنَا: الْقَوْلُ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّهُ أَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ بِقَوْلِهِ: ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ [آل عمران: 7] لِأَنَّ الَّذِينَ نَزَلَتْ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةُ كَانُوا أَهْلَ شِرْكٍ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا بِطَلَبِ تَأْوِيلِ مَا طَلَبُوا تَأْوِيلَهُ اللَّبْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَالِاحْتِجَاجَ بِهِ عَلَيْهِمْ لِيَصُدُّوهُمْ عَمَّا هُمْ عَلَيْهِ مِنَ الْحَقِّ، فَلَا مَعْنَى لِأَنْ يُقَالَ: فَعَلُوا ذَلِكَ إِرَادَةَ الشِّرْكِ، وَهُمْ قَدْ كَانُوا مُشْرِكِينَ.)).

التعليق:
كلام الطبري هنا فيه إشكال عند ربطه بالكلام السابق، فهو هنا قد أدخل المتشابه النسبي، وهذا مشعر بأن المسألة فيها إشكال عند الطبري .


(*) يمكن الاستماع للمحاضرة صوتيًا على هذا الرابط .
(1) قال الشيخ: هو البصري النحوي المشهور، (ت: 129).
(2) قال الشيخ: هو سعيد بن علاقة مولى أم هانئ بنت أبي طالب، وتوفي ما بين (70 - 90)، من التابعين، كوفي ثقة .
(3) المحرر الوجيز: (1/401).