بسم الله الرحمن الرحيم
قال الفقيه أبو الوليد ابن رشد تعالى في كتاب البيان والتحصيل (18 / 586 587) - الذي شرح فيه كتاب العتبية في فقه الإمام مالك بن أنس تعالى - عند قول صاحب العتبية : " فقلنا لمالك: فالإيمان قول وعمل أو قول بلا عمل؟ قال مالك: بل قول وعمل " .
قال : " لما سأله عن الإيمان هل هو قول وعمل أو قول بلا عمل فقال بل قول وعمل، أوجب أن الإيمان لا يكون إلا بالقول مع العمل، وأنه لا يكون بالقول وحده إذا تجرد عن العمل، وهو صحيح؛ لأن العمل ينقسم على قسمين: أحدهما : عمل القلب، والثاني : عمل الجوارح ؛ فأما عمل القلب فإنه شرط في صحة الإيمان، لأن الإيمان هو التصديق الحاصل في القلب بأن الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، فمن قال بلسانه لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولم يعتقد تصديق ذلك بقلبه فليس بمؤمن.
وأما أعمال الأبدان من الوضوء والصلاة وسائر الطاعات، فإنها ليست بشرط في صحة الإيمان، وإنما الإيمان، هو شرط في صحتها إذا وجبت عليه بدخول وقتها ؛ لأن الرجل إذا أسلم وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له واعتقد تصديق ذلك بقلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان بإجماع من أهل العلم إن مات بفور ذلك قبل أن تجب عليه الصلاة بدخول وقتها كان من أهل الجنة، وإن لم يمت حتى وجبت عليه الصلاة بدخول وقتها لم تصح له الصلاة إلا بمقارنة الإيمان لها الذي هو شرط في صحتها كما ذكرناه. هذا ما لا اختلاف فيه ولا امتراء في صحته.
وإن ترك الصلاة فلم يصلها بسهو أو نوم أو غفلة أو نسيان لم يقدح ذلك في صحة إيمانه، وكذلك إن تركها عمدا وهو مقر بفرضها ووجوبها لم يقدح ذلك أيضا في صحة إيمانه إلا أنه آثم عاص لله ، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له . قال رسول الله : " خمس صلوات كتبهن الله على العباد فياليوم والليلة فمن جاء بهن لم يضيع شيئا منهن استخفافا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة " بيانًا لما في كتاب الله من قوله: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء (النساء: 48) .
فقول مالك إن الإيمان لا يكون إلا بقول مع العمل، معناه مع عمل القلب وهو التصديق ، لا مع عمل الأبدان على ما بيناه .
فقول من قال من أهل السنة : إن الإيمان قول باللسان وإخلاص بالقلب وعمل بالجوارح ، معناه : أن هذا هو الإيمان الكامل الذي يكون العبد به مؤمنًا في الظاهر والباطن ؛ لأنه مؤمن عند الله في الباطن بما يعلمه من إخلاص قلبه ، وهو مؤمن عندنا في الظاهر بما نسمعه من شهادته ونراه من صلاته ؛ لأن ما نسمعه من شهادته ونراه من صلاته ليس بإيمان ، وإنما هو دليل على الإيمان ، فيحكم له بحكمه بما ظهر إلينا من قوله وفعله ، ولو قال أنا مؤمن وأبى أن يقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، أو قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وأبى أن يصلي، لم نصدقه في أنه مؤمن واستتبناه، فإن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وصلى، وإلا قتلناه، ولما كانت الشهادة والصلاة لا تكون واحدة منهما طاعة وقربة إلا مع مقارنة الإيمان لها الذي هو التصديق الحاصل في القلب، جاز أن يسمى كل واحد منهما إيمانًا ، قال الله : وما كان الله ليضيع إيمانكم (البقرة: 143) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس؛ لأنها كانت بالإيمان الذي هو شرط في صحتها " .
قال مقيده - عفا الله عنه - : كلام أبي الوليد هنا هو من جنس كلام الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة الذين وصف شيخ الإسلام ابن تيمية تعالى طريقتهم في مسألة الإيمان بقوله : " وكذلك تجدهم في مسائل الإيمان يذكرون أقوال الأئمة والسلف ويبحثون بحثًا يناسب قول الجهمية ، لأن البحث أخذوه من كتب أهل الكلام الذين نصروا قول جهم في مسائل الإيمان " . مجموع الفتاوى (7 / 403) . وقال في وصف حال الأشعري عندما نصر قول السلف في الاستثناء بمأخذ مخالف لقولهم : " هؤلاء لم يكونوا خبيرين بكلام السلف ، بل ينصرون ما يظهر من أقوالهم بما تلقوه عن المتكلمين من الجهمية ونحوهم من أهل البدع ، فيبقى الظاهر قولَ السلف والباطنُ قولَ الجهمية الذين هم أفسد الناس مقالة في الإيمان " . مجموع الفتاوى (7 / 143) .
وقد شرح ابن تيمية أغلاط المرجئة في كتابي الإيمان الكبير والإيمان الأوسط ، وقد وقع أبو الوليد ابن رشد في هذه الأخطاء في كلامه آنف الذكر ، وبيان ذلك :
الغلط الأول : في تفسيره عمل القلب الذي يدخل في الإيمان بمجرد التصديق ، دون غيره من الأعمال القلبية كالمحبة والتوكل والإنابة والخوف والرجاء ، كما يدل عليه قوله : " فقول مالك إن الإيمان لا يكون إلا بقول مع العمل، معناه مع عمل القلب وهو التصديق " .
قال ابن تيمية في بيان الأصل الأول من غلط الجهمية - وهو الأصل الثاني الذي ذكره في أصول غلط المرجئة - : " ظنهم أنَّ الإيمان مُجرَّدُ تصديقٍ وعلمٍ فقط ، ليس معه عمل وحال وحركة وإرادة ومحبة وخشية في القلب ؛ وهذا من أعظم غلط المرجئة مطلقًا ، فإن أعمال القلوب التي يسميها بعض الصوفية أحوالًا ومقامات أو منازل السائرين إلى الله أو مقامات العارفين أو غير ذلك ؛ كل ما فيها مما فرضه الله ورسوله فهو من الإيمان الواجب ، وفيها ما أحبه ولم يفرضه فهو من الإيمان المستحب ، فالأول لا بد لكل مؤمن منه ، ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين ، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين ، وذلك مثل حب الله ورسوله ، بل أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، بل أن يكون الله ورسوله والجهاد في سبيله أحب إليه من أهله وماله ، ومثل خشية الله وحده دون خشية المخلوقين ، ورجاء الله وحده دون رجاء المخلوقين والتوكل على الله وحده دون المخلوقين والإنابة إليه مع خشيته كما قال تعالى: هذا ما توعدون لكل أواب حفيظ ، من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب ومثل الحب في الله والبغض في الله والموالاة لله والمعاداة لله " . مجموع الفتاوى (7 / 190 - 191) .
الغلط الثاني : في احتجاجه لقوله بأن أعمال الجوارح ليست من الإيمان بأن " الرجل إذا أسلم وقال لا إله إلا الله وحده لا شريك له واعتقد تصديق ذلك بقلبه، فهو مؤمن كامل الإيمان بإجماع من أهل العلم إن مات بفور ذلك قبل أن تجب عليه الصلاة بدخول وقتها كان من أهل الجنة " ، وهذا مبني على ظنه أن الإيمان الواجب على الخلق واحد ، لا يتفاضلون فيه .
قال ابن تيمية في بيان الأصل الأول من أصول غلط المرجئة : " ظنهم أن الإيمان الذي فرضه الله على العباد متماثل ٌفي حق العباد ، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص ، وليس الأمر كذلك ، فإن أتباع الأنبياء المتقدمين أوجب الله عليهم من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد ، وأوجب على أمة محمد من الإيمان ما لم يوجبه على غيرهم ، والإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن ليس هو مثل الإيمان الذي يجب بعد نزول القرآن ، والإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به الرسول مُفصَّلا ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مُجملا ، فإنه لا بد في الإيمان من تصديق الرسول في كل ما أخبر ، لكن من صدق الرسول ومات عقب ذلك لم يجب عليه من الإيمان غير ذلك ، وأما من بلغه القرآن والأحاديث وما فيهما من الأخبار والأوامر المفصلة فيجب عليه من التصديق المفصل بخبر خبر وأمر أمر ما لا يجب على من لم يجب عليه إلا الإيمان المجمل لموته قبل أن يبلغه شيء آخر .
وأيضًا : لو قُدِّر أنه عاش فلا يجب على كل واحد من العامة أن يعرف كل ما أمر به الرسول وكل ما نهى عنه وكل ما أخبر به ، بل إنما عليه أن يعرف ما يجب عليه هو وما يحرم عليه ، فمن لا مال له لا يجب عليه أن يعرف أمره المفصل في الزكاة ، ومن لا استطاعة له على الحج ليس عليه أن يعرف أمره المفصل بالمناسك ، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما وجب للزوجة ، فصار يجب من الإيمان تصديقًا وعملًا على أشخاص ما لا يجب على آخرين " .
قال : " وبهذا يظهر الجواب عن قولهم : " من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنا " ، فهذا صحيح ، لأنه أتى بالإيمان الواجب عليه ، والعمل لم يكن وجب عليه بعد ، فهذا مما يجب أن يعرف فإنه تزول به شبهة حصلت للطائفتين" . مجموع الفتاوى (7 / 196 - 197) .
الغلط الثالث : في عدم عده الأعمال الظاهرة إيمانًا وإنما دليلا على الإيمان ، وهذا معناه أنه في نفس الأمر قد يكون مؤمنًا وإن لم يأت بها ، وهذا ما صرح به بقوله : " إن أعمال الأبدان ليست بشرط في صحة الإيمان " ، وفي هذا غفلة عن حقيقة التلازم بين الظاهر والباطن .
قال ابن تيمية في بيان الغلط الثالث من أغلاط المرجئة : " ظنهم أن الإيمان الذي في القلب يكون تامًّا بدون شيء من الأعمال ، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه بمنزلة السبب مع المسبب ولا يجعلونها لازمة له ، والتحقيق أن إيمان القلب التام يستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تامٌّ بدون عمل ظاهر " . مجموع الفتاوى (7 / 204) .