لماذا عبَّر بالمضارع في الأولى ، وعبَّر باسم الفاعل في الثانية؟
في قول الله تعالى: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33)
أولا : نبدأ بتأويل علماء التفسير لهذه الآية:
لم يختلف المفسرون في النصف الأول من الآية وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ
ويتخلص ما ذهبوا إليه في أن "سنة الله مع خلقه المكذبين للرسل، أنه قبل أن ينزل العذاب يخرج الرسول والمؤمنين به" وهذا لفظ الشعرواي [1] والذي لم يختلف عما أجمع عليه المفسرون مع اختلاف في اللفظ.
أما الشطر الثاني وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ فقد اختلفوا في تأويله، فذهبوا في المستغفرين فيها مذاهب :
- الأول: أنهم المسلمون المستضعفون في مكة القائمون بين المشركين.
- الثاني: أكان المشركون في طوافهم يقولون : غفرانك غفران ، فيكون مجرد طلب المغفرة منه تعالى مانعا من عذابه، ولو من الكفرة. وقد رفض هذا التأويل ابن عاشور معللا ذلك : " إِذْ مِنَ الْبَيِّنِ أَنْ لَيْسَ المُرَاد بـ [يَسْتَغْفِرُونَ ] أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: غُفْرَانَكَ اللَّهُمَّ وَنَحْوَهُ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِالِاسْتِغْفَارِ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلُ يُخَالِفُهُ" [2]
- الثالث: أنه في علم الله أنه سيكون لهؤلاء ذرية يؤمنون بالله ويستغفرونه.
- الرابع: لو استغفروا ، أي أسلموا واستغفروالم يعذبوا ، فالآية استدعاء وترغيب في الإسلام.
ولو نظرتَ في كتب التفسير -وقد بحثتُ في أكثر من ثلاثين تفسيرا- لن تجد عالما وقف عند تأويل واحد من هذه التآويل بل ستجد منهم من اختار اثنين، ومنهم من ذكر ثلاثة، ومنهم ذكر الأربعة جميعا.
ثانيا: التفاوت اللفظي بين شطري الآية:
جدير بنا قبل أن نخوض في تفسير الآية أن نتأمل تكوينها وتركيباتها اللفظية ، إذ أن اللفظ هو أداة التعبير عن المعنى ، وهو الوعاء الذي يحمله ، فإن نحن أهملنا النظر والبحث في تكوينه وتركيبه فقد يشط بنا الفهم ، فالآية وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ عبارة عن مقطعين متساويين في عدد الألفاظ والحروف أو يكادا ، وبالنظر في ألفاظ الآية نجد ما يلي:
1- في الشطر الأول اجتمع مع الكون المنفي [ما كان ] لام الجحود المؤكدة للنفي.
2- وقع خبر كان في الشطر الأول [ ليعذبهم ] جملة فعلية فعلها مضارع.
3- وقع خبر كان في الشطر الثاني [ معذبهم ] مفردا (اسم فاعل).
4- جملة الحال في الشطر الأول [ وأنت فيهم ] الخبر فيها شبه جملة.
5- جملة الحال في الشطر الثاني [ وهم يستغفرون ] الخبر فيها جملة فعلية فعلها مضارع.
إن هذا التفاوت لم يقع عبثا ، فلابد من حكمة وأسباب اقتضت هذا التفاوت، وسنحاول أن نقف على هذه الحكمة وتلك الأسباب.
لا يمكننا أن نتناول الآية منعزلة عما قبلها أو عما بعدها، فكل آيات القرآن تترابط ترابطا وثيقا فيما بينها ، فكل آية تتعلق بما قبلها، وتؤدي بك لما بعدها، فلا تنفصم عما قبلها ، ولا تخاصم ما بعدها.
والآية التي بين أيدينا جواب ورد لما جاء في الآية السابقة لها ، إذ سأل المشركون الله استهزاء واستبعادا : قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ فرد عليهم الله : وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ. فإن سنة الله التي لا تتبدل أنه لا ينزل على المشركين عذابه وبينهم رسوله ، كما أن رحمة الله العظيمة تدفع عذابه إن كان مستحقو العذاب بينهم من يستغفر الله.
ثالثا: أسباب التفاوت اللفظي:
السبب الأول: اجتماع لام الجحود والكون المنفي [ ما كان ]:
الغرض البلاغي من هذا الجمع هو تأكيد النفي، وقد نوه إلى هذا الغرض الألوسي [3]، والبيضاوي [4]، والنيسابوري [5]، وأبو السعود [6]، والقاسمي [7]، وكان للزمخشري [8] بيان لطيف لذلك قال: اللام لتأكيد النفي، والدلالة على أنّ تعذيبهم وأنت بين أظهرهم غير مستقيم في الحكمة، لأن عادة الله وقضية حكمته أن لا يعذب قوما عذاب استئصال ما دام نبيهم بين أظهرهم وفيه إشعار بأنهم مرصدون بالعذاب إذا هاجر عنهم.
السبب الثاني: التعبير بالمضارع [ليعذبهم] ، وباسم الفاعل [معذبهم]:
من المعلوم أن الفعل يدل على الحدوث والتجدد ، أما الاسم فيدل على الثبوت أضف إليه الاستمرار إن كان الاسم المشتق اسم فاعل ، وكان للسامرائي [9] بيان شاف لهذه الاختلاف، قال: " فقد جاء في صدر الآية بالفعل: [ليعذبهم] وجاء بعده بالاسم: [معذبهم" وذلك أنه جعل الاستغفار مانعًا ثابتًا من العذاب بخلاف بقاء الرسول بينهم فإنه -أي العذاب- موقوت ببقائه بينهم. فذكر الحالة الثابتة بالصيغة الاسمية والحالة الموقوتة بالصيغة الفعلية"
ثالثا: الاختلاف في جملتي الحال [وأنت فيهم ] ، [وهم يستغفرون]
1- لعلنا نلاحظ أن جملتي الحال كل منها في موضعها قامتا مقام الشرط: وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ ، وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ، فالنفي أول الجملتين قائم معمول به طالما أن الحال قائم معمول به ، فإن تغير الحال ذهب النفي ، وصار العذاب محل وقوع.
2- حرف الجر [في] في خبر شبه الجملة [فيهم] يدل على الظرفية وهذا أنسب كون أن وجود النبي موقوت ،
3- أما الخبر في جملة الحال الثانية فقد وقع جملة فعلية فعلها مضارع [يستغفرون] والفعل هنا يدل على الحدوث والتجدد ، ولا يدل على الثبوت ؛ ذلك لأن استغفارهم متغير ما بين القوة والضعف لكنه قائم متجدد وإن قل أو ضعف، ولعل حال الأمة منذ عهد النبوة دليل يثبت ويؤكد هذا المعنى ، لذلك كان الفعل المضارع هنا أولى من الاسم. والله أعلم
.................................................. ...........
المراجع:
[1] الشعراوي، خواطر الشعراوي، ج8، ص4687، مطابع أخبار اليوم، مصر
[2] ابن عاشور، التحرير والتنوير، ج9، ص334، الدار التونسية للنشر، تونس
[3] الألوسي، روح المعاني، تحقيق: علي عبد الباري عطية، ج5، ص187، ط1، دار الكتب العلمية، بيروت.
[4] البيضاوي، أنوار التنزيل، تحقيق: محمد عبد الرحمن المرعشلي، ج3، ص58، ط1، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[5] النيسابوري، غرائب القرآن ورغائب الفرقان، تحقيق: الشيخ زكريا عميرات، ص3، ج395، ط1، دار الكتب العلميه، بيروت.
[6] أبو السعود، إرشاد العقل السليم، ج4، ص19، دار إحياء التراث العربي، بيروت.
[7] محمد جمال الدين القاسمي، محاسن التأويل، ج5، ص285، تحقيق: محمد باسل عيون، ط1، دار الكتب العلميه، بيروت.
[8] الزمخشري، الكشاف، ج2، ص217، ط3، دار الكتاب العربي، بيروت.
[9] صالح السامرائي، التعبير القرآني، ص26، دار عمار، ط4، عَمَّان.