الكاتب : عبد الحميد الرافعي
ربيع الآخر - 1347هـ
أكتوبر - 1928م

خطر هجوم الكماليين على الإسلام

استبدال الأحرف اللاتينية بالحروف العربية
وجوب محاربة هذا الخطر على العالم الإسلامي
أريد اليوم أن أوجه هذه الكلمة لأول مرة إلى الشباب الإسلامي في كل بقاع
الأرض وإلى شباب الأمة العربية خاصة ليتدبروا أمرهم في هذا الهجوم المكشوف
الذي يقوم به الكماليون لمحو الإسلام من الدنيا بما يخترعونه من الأساليب
الشيطانية في بلادهم ، وما يبثونه من الدعاية ضد الدين الإسلامي في الشرق
والغرب ، وأريد أن يفهم هذا الشباب المسلم أن مقاومة هجوم الكماليين هذا بات
فرضًا مقدسًا عليهم ليستطيعوا الاحتفاظ بدينهم هم وذراريهم المستقبلة ، فإن أعداء
الإسلام في أنقرة لم يجدوا أمامهم عملاً يقومون به في هذه الأيام لإتمام هذا الغرض
إلا استئجار الكتاب من أوربيين وشرقيين بأموالهم وأموال المبشرين لنشر الدعاية
ضد الإسلام ، حتى صار أعداء هذا الدين من سياسي أوربة يستخدمون المحاضرات
العلمية لإقناع الطلبة الشرقيين في أوربا باستبدال الأحرف اللاتينية بالعربية كما
فعل ذلك الأستاذ لويس ماسينيون مدير معهد الكليج فرانسز في باريس للقضاء على
القرآن بالقضاء على الأحرف العربية تأييدًا لدعاية الكماليين المأجورة .
وإلى شباب الإسلام والقراء عمومًا نبذة من مقال لأحد الكتاب الأوربيين الذين
تستأجرهم أنقرة لنشر دعايتها تبريرًا لخطتها الجديدة في محاربة الإسلام وتأييدًا
لمزاعم الكماليين في الدين الإسلامي والعرب .
قال الكاتب : م ج السويسري من مقالة نشرها بجريدة جورنال دي جنيف :
( إن أهم إصلاح يحاول مصطفى كمال أن يقوم به في بلاده هو قلب أفكار
شعبه لينفرهم من الدين الإسلامي ، وفي وسعنا أن نقول : إن الإسلام في تركيا
يختلف اختلافًا بيِّنًا عما كان عليه قبلا في زمن الخلفاء العثمانيين أو في باقي
الأقطار الإسلامية ، وإن مصطفى كمال بعمله هذا قد طهَّر عقيدة الأتراك من
خرافات هذه الديانة وأساطيرها القديمة ، واعتقاداتها العقيمة التي لا تلائم العصر
الحديث ، ثم ساق الكاتب السويسري الحديث الذي لقنه إياه الكماليون على هذا النمط
فقال :
( لقد أثبت التاريخ أن الدين الإسلامي لم يحدث فيه العلماء أي إصلاح منذ
قام محمد بدعوته أي منذ 13 قرنًا ، وبهذا كانت الشقة بعيدة بين المدنية الحديثة
وهذا الدين .
ولنضرب لذلك مثلاً : إن الشريعة الإسلامية تُحَتِّم على كل مسلم أن يصلي
خمس مرات في النهار ، وعليه أن يكون متوضئًا في كل مرة ، أي عليه أن يغسل
وجهه ويديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين ويمسح رأسه إلى آخر ما هناك من
الصعوبات الجمة كخلع الحذاء وتشمير الثياب ، وكم من فقراء سرقت ثيابهم وهم
يصلون فطلقوا هذا الدين ثلاثًا ، فهل بلغ بنا الخبل إلى أن نخلع أرديتنا ونبلل ثيابنا
ونشوه كي ( بناطليلنا ) خمس مرات في اليوم .
( ولأجل أن يبرر الصلاة على طريقة البروتستانت كما أعلنا ذلك في وقته
قال : قال أحد الأتراك الأتقياء : أما أنا فقد كنت أكره الدخول إلى المسجد بسبب
واحد وهو الرائحة الكريهة التي تنبعث من أقدام المصلين وكنت أضطر أحيانًا
لمغادرة المسجد قبل قيام الصلاة خوفًا على نفسي من الاختناق .
ثم قال : ويريد المصلحون أن تستبدل السجاجيد بالكراسي ويستعاض عن
أصوات الحفظة والمشايخ التي تكون مضحكة في أغلب الأحيان بالأنغام الموسيقية ،
وعندها تمتلئ المساجد بالمصلين الحاسري الرءوس ؛ ولقد حذا الأتراك في طريق
عبادتهم حذو الأوربيين ؟ وأصبحت الآن أنقرة الكعبة الجديدة للدين الإسلامي
الجديد [1] فهل يحذو العرب حذو الترك فيخلصوا من هذه التقاليد التي ما أنزل الله
بها من سلطان ؟
هذه كلمة اجتزأناها من مقالة الكاتب السويسري ينشرها في أوربا بأموال
الترك وعقليتهم لم يستطع المبشرون قبل الكماليين أن ينشروا مثلها في أوربا مطلقًًَا
على شدة حقدهم على الإسلام ، والذي نلفت إليه الأنظار أن هذه المقالة ليست من
بنات أفكار الكاتب الأوربي المؤجر ، بل هي إملاء الكماليين أنفسهم فإن ما يكتبه
هؤلاء المأجورون لا يخرج عما يقوله الكماليون في الإسلام سواء في بلادهم أو في
خارجها ، من الأقطار الشرقية والغربية ، حتى إن جريدة مخادنت التي تصدر في
مدينة القاهرة تكتب على ملأ من الناس أن مصدر تأخر الترك اللغة العربية أو
بالحري الإسلام .
وإذا دققت النظر فيما ينشر في أوربا ومصر تجد أن روح الكماليين لا تقف
عند القضاء على الإسلام في تركيا ، بل هي ترمي إلى محو الإسلام من جميع
الأقطار ، وقد باتت الخزانة السرية تنفق على هذه الدعاية أموالاً طائلة من أموال
المسلمين لقتل الإسلام بجرأة غريبة يردد صداها المبشرون المسيحيون مع
السياسيين الأوربيين الذين يرون أن أهم وسيلة لاستعمار البلاد الإسلامية القضاء
على الدين الذي يدعو أهله إلى إنشاء الدولة والدفاع عنها بالنفس والنفيس فيجعل
من المسلم شخصية كاملة أساسها عزة النفس بالفضائل الإسلامية ، والرأي المتفق
عليه بين المطلعين على نية الترك هو أن الغاية الأولى من هذه الحركة التي لم
يعهدها الإسلام في الحرب الصليبية هي التزلف لأوربا ، وهذا كل ما يرمي إليه
مصطفى كمال .
هذه حالة لم تمر بحياة الإسلام في دور ما من أدوار قوته وانحطاطه ، وأعظم
ما في الكارثة من سوء سكوت المسلمين عنها ، ووجود بضعة أشخاص منهم
يؤجرون ضمائرهم لإذاعتها والدفاع عنها ، حتى بلغ الانحطاط الأخلاقي والتسفل
الأدبي بهؤلاء أنهم يذيعون بين العامة في مصر و الإسكندرية أن مصطفى كمال من
أعظم المسلمين غيرة على الإسلام وأن أعماله هذه التي ظاهرها عداء شديد للإسلام
ليست إلا مظاهر ليخدع بها أوربا حتى إذا تمكن من خديعتها حملها على التخلي له
عن بلاد الإسلام التي احتلتها بغفلة الترك في الماضي ( كمصر ) ومن ثم يعيد لها
استقلالها ... فهل سمع العالم بعقلية أخطر من عقلية هؤلاء الدعاة الذين يذيعون في
هذا القطر أمثال هذا الهذيان ؟ وهل هناك أشد احتقارًا للمصريين من هذا الاحتقار .
بعد هذه المقدمة نستميح إخواننا الأتراك الذين لم تؤثر فيهم جناية الكماليين ،
والذين يألمون كما نألم من وصول الحال إلى ما وصلت إليه في تركيا وسريانها
لأفغانستان و إيران واضطراب العالم الإسلامي لها ، نستميح هؤلاء الإخوان الكرام
أن يعذرونا ؛ إذ نحن دافعنا عن القرآن والعربية اللذين يعمل الكماليون بإرشاد
البولشفيك على مطاردتهما ، والحط من شأنهما ، وإذا كانت أوربا وقفت كلها صفًّا
واحدًا بما فيها الكنائس المنظمة والشعوب القوية والحكومات المسلحة في وجه
البولشفيك دفاعًا عن الدين المسيحي فما أجدرنا أن نتحد نحن - بعد أن ساق الروس
الحمرُ التركَ الكماليين أمامهم للقضاء على الإسلام- للوقوف في وجه هذا الخطر .
يحب أن نفكر جيدًا في هذا ونقوم بالواجب له حق القيام .
هذا وإن دعاية الكماليين الحمراء تقوم على أساسين : الأول أن الدين
الإسلامي لا يصلح لحياة الترك الجديدة ، وهذه نفس دعاية المبشرين المسيحيين
والسياسيين الأوربيين ، والثاني أن اللسان العربي بما فيه أحرفه العربية آية
انحطاط العنصر التركي والعثرة الحقيقية في سبيل رقي الترك .
أما أن الإسلام لا يصلح للحياة الجديدة فنحب أن نسأل مصطفى كمال ما قيمة
هذا العنصر التركي في الوجود قبل أن يتشرف بدين الإسلام ؟ وهل كانت قيمته
الحقيقية أكثر من قبائل متوحشة تؤجر نفسها للقتال أنى كان القتال ؟ ثم إلى أين
وصل هذا العنصر بفضل هذا الدين العظيم حين استاق أمامه مئات الألوف من
الجيوش باسم الإسلام فسيطر على عمران ثلاث قارات من الكرة الأرضية ومد
سلطانه إلى شعوب وأمم من أعظم أمم الأرض ؟ هل كان ذلك في العهد الذي كان
الشعب التركي وملوكه وحكامه مسلمين أم كان وهم طورانيون يعبدون الذئب
الأغبر ؟ وهل المدنية الإسلامية العربية والعدل العربي اللذان مدَّا رواقهما على
الأندلس وعلى قسم عظيم من أوربا حتى ضرب بعصرهما الذهبي الأمثال كانا في
بداوة الجاهلية أم نور الإسلام ؟
لندع هذا البحث الذي يهزأ المبشرون المسيحيون من أنفسهم عندما يضطرون
لاتخاذه واسطة للهجوم على الإسلام قيامًا بواجب المهنة التي يحترفونها ، ونتقدم إلى
هؤلاء الكماليين نبحث معهم تحت أشعة الشمس المنيرة في مسألة الأحرف العربية
التي يزعمون أنها كانت سببًا لتأخر مدنيتهم الموهومة ثم نعطف على حديث لسعادة
الجنرال محيي الدين باشا وزير الكماليين بمصر ، وما أنكره من عطف المسلمين
على الترك وكون هذا العطف المُدَّعَى لم يكن له أثر في الوجود العملي .
أما مسألة الأحرف العربية وتأخيرها للسان التركي عن التقدم ، فنحن نستطيع
أن نصرِّح تصريحًا ربما رآه جمهور الناس غريبًا في بادئ الأمر إلا أنه الحقيقة
المجردة . وهو أنه لا يوجد إلى الآن شيء يسمى اللسان التركي ودون في الكتب
وقرأه الناس ويستطيع الشعب في تركيا وأوربا في صميم الأناضول و التركستان أن
يفهم جملة من جملة فهمًا صحيحًا ، اللهم إلا إذا كان هناك بعض علماء الآثار
والعاديات يقدرون على حل تلك الرطانة والتكلم بها في أتفه الأمور ، وهذا أعظم
برهان للتاريخ على أن المدنية التركية لا وجود لها ولو وجدت لكان لها كتب دُوِّنَت
فيها أو نقوش أثرية كنقوش المدنية المصرية .
إذا فهمت ذلك يجب أن تعلم أن اللسان الموجود الآن الذي يتكلم به الأتراك
ويعتبر أجمل الألسن الشرقية إنما هو اللسان العثماني الذي وضعه فريق من علماء
العثمانيين من الترك والشركس والألبان والعرب منذ قرن تقريبًا فجاء نصفه عربيًّا
والنصف الآخر خليط من الفارسية والتركية وبعض الكلمات الإفرنجية ، وقد تعلمنا
هذا اللسان عن أساتذته واطلعنا على كثير من مؤلفاته العلمية والأدبية فلم نر عالمًا
تجاسر على الزعم بأن هذا اللسان غير اللسان العثماني ، بل كان علماء اللغة
يقولون في صلب مؤلفاتهم : قاموس اللسان العثماني أدبيات اللسان العثماني نحو
اللسان العثماني [2] وإنني لما كنت تلميذًا وجدت في برنامج الدروس اليومية أن
الساعة 11-12 مثلاً هي حصة اللسان العثماني ، ولم تذكر حصة لشيء يسمى
اللسان التركي ، ولكن لما أعلن الدستور وصار كتاب الترك ينقلون ما يكتبه
الأوربيون بشأنهم صاروا يطلقون كلمة تركيا على البلاد العثمانية ؛ لأن الأوربيين
يطلقون كلمة تركيا عليها ، وكلمة تركيا بدلاً من العثمانية نسبة إلى العثمانيين ، وقد
احتج فريق من علماء العرب ومبعوثيهم في الآستانة على كتابة تركيا بدلا من الدولة
العثمانية ، وقالوا للأتراك : إننا شركاء في هذه المملكة بل نحن العنصر الأكبر فيها
فإطلاق هذه الكلمة افتئات على الحقيقة يستلزم ضياع شخصية الأمة العربية
والعناصر الأخرى كالكرد والشركس والألبان والروم والأرمن وغيرهم . فأجاب
الأتراك بأن هذه الكلمة ترجمة عن الإفرنجية وليست مقصودة ثم سكت العرب
فتمادى الترك .
إذا علمت هذا ، وعلمت أن اللسان التركي غير موجود اليوم وأن هذا اللسان
الذي يستبدلون أحرفه العربية باللاتينية إنما معينه بل مصدر حياته اللغة العربية
وأنه قبل أن يتكون اللسان العثماني الذي يستمد حياته وأدبياته وعلومه من اللسان
العربي لم يكن لهذه العلوم والأدبيات التي يتغنى بها الترك وجود ، بعد هذا العلم
تستطيع أن تحكم على مبلغ مكابرة الكماليين وجرأتهم على الكذب في حق العلم
والتاريخ والحقيقة كلها ، فقد زعموا أنهم يتركون هذا اللسان العثماني بقولهم عن كلمة
( كتاب ) العربية التي لا مقابل لها في التركية مثل : ( كي تاب ) فالمراد بتتريكها
إخراجها من عربيتها وتحريف لفظها برسمه هكذا (
kItab ) وهذا منتهى الحمق
والغباوة ، وقد نشرت الصحف التركية التي تصدر في اليونان مقالاً للأستاذ صاحب
السماحة صبري أفندي شيخ الإسلام السابق خاطب فيه الترك بقوله : إنكم إذا استبدلتم
الحروف العربية وجب إخراج الألفاظ العربية وإحلال محلها كلمات إفرنجية ؛ إذ لا
مقابل لها في التركية وعندها تخسرون على الأقل كلمات : الغازي والجمهورية
ومصطفى كمال أيضًا .. . لأنها كلها عربية .
وهنا لا ترى بدًّا من أن ننقل للقراء الكرام كلمة جميلة تستند إلى العلم
الصحيح دبَّجَها يراع الكاتب القدير الأستاذ عبد الله عنان في مسألة الأحرف اللاتينية
نشرت في صدر السياسة اليومية ، ومما جاء فيها قوله : ( بيد أنا لا نؤمن بما
يعلقه فخامة الغازي على هذا الانقلاب من الخير والمزايا وكل ما تدور حوله
حُجَج الغازي ومن معه من أنصار الفكرة أن الكتابة الجديدة وسيلة ناجعة لمحاربة
الأمية داخل تركيا ، ونشر اللغة التركية خارجها ؛ لأن الكتابة العربية بما تحتوي من
مصاعب الشكل والإعراب عثرة في سبيل هذه الغاية ، والكتابة اللاتينية تبسط
القراءة والإعراب بأحرف الحركة ، وربما كان في هذا القول مسحة من الوجاهة ،
ولكنها مزية شكلية ضئيلة تقابلها مصاعب شكلية أيضًا في كيفية ضبط الحركات
اللاتينية ، وتطبيقها بدقة على الحركات العربية ، وهو ما يحرج اليوم قادة الحركة
ويضطرهم في كل يوم إلى التغيير والتبديل في ما يضمونه من قواعد الهجاء ، هذا
إلى أن الكتابة العربية لا تنفرد بصعوبة الشكل والإعراب فمن بين اللغات الغربية
ما يحتوي على مثل هذه الصعوبة ، كالألمانية والروسية ، ففيهما يتخذ الشكل
صورة الإضافة والتغيير في أواخر الكلمات طبقًا لأحوال الإعراب ومع ذلك
فإن هذه الصعوبة لم تكن في وقت من الأوقات عقبة في سبيل التعليم ومحاربة
الأمية في ألمانيا و روسيا ، أما القول بأن الحروف اللاتينية مما يساعد على نشر
اللغة التركية فهي أمنية لا نؤمن بها ، فما كانت سهولة الكتابة أو القراءة وحدها
عاملاً جوهريًّا في نشر اللغات ، وإنما تنتشر اللغات بتراثها الأدبي والعلمي ,
ومكانة شعوبها من المدنية والثقافة ، وأهمية مركزها السياسي والاقتصادي،
وما كانت اللغة التركية في عصر من العصور لغة آداب أو علوم أو مدنية أو تجارة،
وما كانت سوى نوع من الرطانة لقبائل غازية يوم برزت هذه القبائل من قفارها
واتصلت بالمجتمع الإسلامي ، فاعتنقت دينه وشرائعه ، واقتبست من فيض لغته كل
ما أصبغ على هذه ( الرطانة ) ثوب اللغة وكل ما غنيت به وازدانت ، حتى
أصبحت اللغة التركية تموج بالكلمات العربية وأضحت مدينة بكل ما فيها من بيان
وتعبير إلى العربية ، بل غدت العربية روحها ولحمها ، بل لقد بهرت اللغة
العربية المجتمع التركي أيام فخاره وازدهاره بفصاحتها وجمالها ، فغدت لغة الآداب
والعلوم ، واصطفاها المفكرون من الترك على ( لهجتهم ) المجدبة ، فانطلقت بها
ألسنتهم وأقلامهم .
وإذا كان للتفكير التركي اليوم آثار جليلة فهي باللغة العربية التي وسع بيانها
هذا التفكير ، بل إن أنفس الآثار التركية سواء في الفقه أو التاريخ أو الأدب إنما
هي بالعربية ، والخلاصة أن اللغة العربية كانت بالنسبة للترك وغيرهم من الشعوب
النازحة إلى حظيرة المدنية الإسلامية لغة التفكير كما كانت اللاتينية في العصور
الوسطى بالنسبة للمجتمعات الغربية ( وكانت صولتها قوية على المجتمع التركي
أيام فتوته وازدهاره ، وأثرها أثيلاً في بيانه وتراثه الفكري ، وكان كل ما أثاب
الترك به العربية هو تحسين خطها والافتنان في تنميقه ؛ إذ كان طبيعيًّا أن تكتب
بالعربية تلك ( اللهجة ) التي غدت لغة بما اقتبست من العربية .
ما كانت التركية إذن في عصر من العصور لغة تفكير ، وما كان لها تراث
فكري أو أدبي يغري بتعلمها ولو كتب باللاتينة ، وما يعرف التاريخ للمجتمع
التركي مدنية أو ثقافة خاصة به تغري حتى الخاصة من الباحثين بتعلم لغته ، كذلك
لا نعتقد أن مركز تركيا الدولي أو الاقتصادي مما يحمل على نشر التركية ، فما هو
الخير إذن في الحروف اللاتينية .
( إن كتابة التركية بالحروف اللاتينية لن يحمل إلى التركية جديدًا في تراثها ،
ولن تخلق أذهانًا جديدة في مجتمع آثر مفكروه في أزهر أيامه أن يفكروا بالعربية
وما هي إلا حجاب كثيف يسدل على الماضي ، وقطع لصلاته ، ومحو لمعالمه
ورسومه ، وبالأخص نزع لآثاره الروحية .
فهل هذا ما يرمي إليه سادة أنقرة [3] ؟ ألا ليت لا , اهـ .
أما تعريض الترك باللغة العربية وأحرفها وكونها سبب تأخرهم فقد أبطلناه لك
من أساسه وبيَّنا لك مبلغ جهلهم في عصر النور ومقدار جرأتهم على الحقيقة في
عصر الحقائق ، فإذا أيدهم فيه دعاة النصرانية ( المبشرون ) وبعض المأجورين
من كتاب أوربا لمحاربة الإسلام وحبًّا في ذهب أنقرة ، فإن ألوفًا من علماء أوربا
نفسها الذين يعرفون الإسلام والمدنية العربية والترك وحكوماتهم التي بفضل جهلها
استولى الأوربيون على كل أملاك المسلمين فجعلوهم عبيدًا بعد أن كانوا سادة الدنيا
يهزأون بهؤلاء الكماليين كل الهزؤ ويسخرون بحركتهم من جميع وجوهها .
وقد ألف أحد إخواننا الترك الأفاضل كتابًا منذ سنتين ونيف عندما فتحت
مسألة الحروف اللاتينية في المؤتمر الذي عقد في روسيا حمل فيها على هذه الفكرة
حملة كان لها أثرها في سير الحركة التي أوقفت ، ولكن الروس أعداء الإسلام
والعربية لم يلبثوا أن استأنفوا القضاء عليها بما رأوه من استعداد الكماليين الذين
أولوا ما جهلوا من العالم الإسلامي وحقائقه ومن جهل شيئًا عاداه .
نحب أن نستأنف الرد على الجنرال محيي الدين باشا بعد أن زيفنا رأيه في
مسألة الدعاية التي ينشرها للكماليين بأمثال أحاديثه مع مكاتب وادي النيل في مقال
لبعض الجرائد .
يقول الجنرال : ( يسأل البعض : أليس اشتراك الشعب التركي مع الشعوب
العربية في استعمال الحروف القديمة مما يؤدي إلى ارتباط القلوب وتوثيق عرى
الصداقة بين الترك والعرب ؟ ونحن نجيب بالسلب ... فإن ذاك إنما هو ارتباط
صوري لا قيمة له ! ! ! ولا أدل على هذا من التاريخ الذي برهن على عدم ذلك
الارتباط !
فانظر يا رعاك الله إلى هذه المكابرة ونكران الجميل ؟ انظر إلى هذه الجرأة
على التاريخ إلى هذا الحد في بلد من أعظم عواصم الإسلام والعربية ينكر ما جناه
الترك من الفوائد العظيمة التي نجمت من ارتباط الترك بالعرب كل هذه السنين
ولولاها لما كان الترك شيئًا مذكورًا في هذا الوجود .
إني والله لأخجل من الرد على رجل يمثل دولته إذا حاولت أن أبين له ما
يعرفه صغار التلاميذ كما أني لشديد الأسف على هذا العداء الذي يجاهر به
الكماليون العرب ودين الإسلام وهم لولا الإسلام والعربية لما كانوا سوى طوائف
متوحشة وقفت نفسها على التخريب والتدمير والحروب وسفك الدماء .
فإذا جاز نكران الجميل بين الناس فلا يجوز أن ينكر الترك فضل العرب إلى
هذا الحد ، ولا سيما في بلاد العرب نفسها .
وبعد فإني أدعو جميع الغيورين من المسلمين إلى رفع برقع مجاملة الترك ،
وإلى الوقوف في وجه الكماليين للدفاع عن الإسلام قبل أن يطغى سيل إلحادهم على
بلاد المسلمين ، وقد نجمت قرونه في إيران وأفغانستان ، وأُذَكِّر إخواني المسلمين
أن الجمود إزاء هذه الحركات ليس كالجمود أمام حركات المبشرين .
ومن يستطع الجهاد وقتل هذه الروح الشريرة التي تمليها البولشفية على أنقرة
ولم يفعل فهو آثم قلبه ، والسلام .
... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... الرافعي

( تنبيه )
وقع في هذه المقالة ، وفيما بعدها كلمات يُظَنُّ أن الترك يعدونها طعنًا في
شخص رئيس جمهوريتهم مصطفى كمال باشا والأمور الشخصية غير مقصودة لنا ،
وإنما نحن ندافع عن ديننا ونغار على شعب الترك الإسلامي ، وقد استشرنا بعض
كبار علماء القانون في المقالتين بعد طبع الجزء وإعداده للتوزيع فأشار علينا بأن
نعيد طبع المقالتين ، ونغير فيهما بعض الجمل والكلم من باب الاحتياط ففعلنا ؛
ولذلك تأخر الجزء وكتبنا هذا التنبيه في الطبعة الثانية .
((يتبع بمقال تالٍ))
_
(1) المنار : من سخافة الكاتب وسخافة من يخدمهم إطلاق اسم الدين الإسلامي بعد الغلو في ذمه على ضلالة الترك الكماليين مع إطرائها وسنبين سائر سخفه وخطله بعد .
(2) المنار : أخبرني أحمد مختار باشا الغازي أنه لما كان في طور التعلم لم يكن للغتهم قاموس ولا نحو ولا صرف وأنه لما حاول مصطفى رشيد باشا تعليم بعض الترك الإفرنسية لم يمكن تعلمها إلا لطلبة العلم الديني الذين يعرفون العربية .
(3) المنار : نعم إن هذا كل ما يبغون لينسوا شعبهم هذا الدين وكل ما يذكرهم به ؛ لئلا يعودوا إليه بعد موتهم ، ونحن قد صرحنا بهذا في تفسير الجزء الثامن وفي المنار قبل وقوعه .
(29/456)
الكاتب : محمد رشيد رضا
_
حقائق في عداوة ملاحدة الترك للإسلام
وتعليق على المقالة السابقة

1 - فكرة ترك الإسلام في ملاحدة الترك :
سافرت في أواخر رمضان سنة 1327 ( أكتوبر سنة 1909 ) أي في أول
سني الدستور العثماني إلى الآستانة للسعي لأمرين : ( أحدهما ) تأسيس ( جمعية
للدعوة والإرشاد ) تستعين على عملها بإنشاء مدرسة كلية إسلامية وتوثيق الروابط
بين الدولة والمسلمين ( وثانيهما ) السعي للتأليف بين العرب والترك ؛ إذ كانت
العصبية التركية الجنسية قد نجمت قرونها وبدأت بنطاح العرب وغيرهم من
عناصر الدولة قبل أن ترتفع وتعلو ، وأقمت في الآستانة سنة كاملة كنت فيها
عزيزًا مكرمًا من رجال الدولة وزعماء جمعية الاتحاد والترقي ، وتيسر لي بذلك أن
أكشف الستار عن إلحاد هؤلاء الزعماء وعزمهم على محو الإسلام من الشعب
التركي وتأسيس دولة تركية محضة ، وجعل الولايات العربية مستعمرات لهذه
الدولة ، وتتريك سائر العناصر العثمانية ، ومن تقدر على تتريكه من العرب أيضًا .
وقد اجتمعت هنالك برئيس الجمعية التي تشتغل بما سموه تطهير اللغة
التركية من الألفاظ العربية وأعضائها وناظرتها ، فاعتذروا لي عن عملهم بأنه فني
محض لا علاقة له بالدين ولا بالسياسة ، وإنما الغرض منه تسهيل التعليم على
عوام الترك ولا سيما فلاحي الأناضول ، وقد أقمت عليهم الحجة كما شرحته في
المقالات التي نشرتها في الآستانة نفسها بالعربية والتركية وفي مقالات ( رحلة
الآستانة ) .
فمصطفى كمال باشا لم يبتكر شيئًا مما يسمونه التجديد ، وإنما سنحت له
الفرصة لتنفيذ ما قرَّره من قبله من جماعة ( جون ترك ) بتأثير ساسة الإفرنج
المستعمرين ودسائس الروس الطورانيين ، ولعلمي بهذه المقاصد صرَّحت في المنار
وفي تفسير القرآن أيضًا بأن الترك الكماليين يقصدون من ترجمة القرآن التمهيد
لمحو الإسلام من الشعب التركي ، وكان ذلك قبل إعلانهم للحرب على الإسلام .
وإنني من ذلك العام بارزت الاتحاديين العداء وأطلقت عليهم لقب
( الملاحدة ) وأنا في الآستانة ، وأطلقت لساني بانتقادهم حتى إن طلعت بك أو
باشا قال للدكتور عبد الله بك جودت وقد لامه هذا على عدم تنفيذه لمشروع
الجمعية والمدرسة : نحن ما قصرنا مع رشيد أفندي بل كرَّمناه ولكنه يطعن فينا شديدًا
وصل إلى حد الرذالة .
نعم إنه كرَّمَني بالحفاة القولية والفعلية وبالدعوة غير مرة إلى طعامه وكان
يقدمني على مائدته حتى على كبار علماء المشيخة الإسلامية كمستشارها وعلى
غيرهم ، وعرض عليَّ أن يعطيني في كل عام عشرين ألف جنيه عثماني من
الذهب للقيام بشئون المدرسة على أن لا تكون تابعة لجمعية إسلامية .. . ) بل
مشايعة لجمعية الاتحاد والترقي ، فلم أقبل ، وقد كتبت كل هذه التفصيلات في عهد
دولتهم وصولتهم ، ومع هذا يفتري عليَّ المفترون من ملحد ورافضي بأنني لم
أتحول عنهم إلا بعد سقوطهم كما زعموا مثل هذا الزعم في خصومتي للشريف
حسين وأولاده سواء .

2 - خطة الكماليين تنفيذية لا إنشائية :
إن دولة الترك الكمالية الجديدة قد وجدت من ملاحدة القواد والضباط وغيرهم
أعوانًا كثيرين على تنفيذ كل ما كانوا قرَّروه هم وإخوانهم ، وكل ما كانوا يتمنونه
بعد أن صار بيدهم قوتا الدولة العسكرية والمالية ، ولما يتم لهم ذلك كله فيما ظهر
لنا بعد ذلك فله بقية منها تغيير الصلاة باختراع صلاة جديدة هي كصلاة
البروتستانت كما قال الكاتب السويسري : ولكنهم يمهدون للشيء ثم ينفذونه على
الطريقة التي سماها مصطفى كمال باشا ( سياسية المراحل ) كما مهَّدوا لإلغاء
الخلافة بنصب خليفة روحاني لا عمل له ، وكانوا أولاً يحسبون أكبر حساب
لاحتماء الشعب التركي الذي يغلب على سواده الأعظم التدين بالإسلام وتألبه عليهم ،
فلما شرعوا في العمل رأوا أن المعارضة ضعيفة فقد كان أقواها ثورة الأكراد التي
تعبت القوى العسكرية في القضاء عليها ، وأما ما عداها من الائتمار السري
بالاغتيال وهو لم ينقطع فلا ثبات له أمام سلطان الحكومة العسكري القاهر
وجواسيسها الكثيرة ، فأوجفوا في سيرهم بقطع المراحل بسرعة البخار ، وكانت
تقدر بسير الرجلين أو سير البغل والحمار ، وهذا الذي جرَّأ ملاحدة الأفغان وإيران
على اتباع خطوات الشيطان بترك الهداية الدينية إلى الإباحة المادية ، على ما بين
شعوبهما والشعب التركي وما بين زعمائهما وحكوماتهما من الفروق ، فالشعب
التركي قد ذللته لقواده وحكومته الخدمة العسكرية العامة ، وسلطتها القاهرة ،
وأضعف شكيمته الفقر ونكبات الحرب المتوالية ، التي اشتدت وطأتها في حرب
البلقان فالحرب العامة ، والملاحدة في قواده وضباطه وأطبائه وحكامه كثيرون بما
مارسوا من التعاليم الأوربية وما تمرسوا به من مخالطة ساسة الإفرنج من زهاء
قرن ، والشعبان الإيراني والأفغاني ليسا كذلك ، والملاحدة فيهما قليلون ، وسنبين
هذا الموضوع بالتفصيل في مقال سنكتبه فيما سعينا له من صد الأفغانيين عما هم
عرضة له من الإلحاد .

3 - ما يطمع فيه مصطفى كمال بنجاحه :
كان مصطفى كمال باشا بنجاحه في تنفيذ مقاصد جماعة ( الجون ترك ) بأن
يكون مؤسس دولة تركية جديدة تنسب إليه فقال الدولة الكمالية ، كما كان يقال
الدولة العثمانية ، ولذلك بذل جهده ونفوذ سلطانه الشخصي في طرد أسرة آل عثمان
من بلادهم ومصادرة أملاكهم ، ومحو ذكر دولتهم وسلاطينهم إلا بالسوء والطعن ،
ولعمري إنها لنفس كبيرة ، وهمة بعيدة ، وإن كنا نحن المسلمين نستنكر هذه الخطة
الجديدة وكثير من العقلاء يرون أنها غير سديدة .
ثم صار يطمع بأن يكون مؤسس أمة جديدة بتأسيس لغة جديدة ودين جديد
للشعب التركي الرومي الموجود في الأناضول وبقية الرومالي وفيما انتزعوه من
قطر سورية و العراق العربيين ، واللغة والدين أقوى مقومات الشعوب ومميزاتها
ولا يبعد عليه بعد ذلك أن يستبدل لقب ( كمالي ) بلقب ( تركي ) الذي يحافظ عليه
إلى الآن ، كما حافظ على اسم الإسلام مدة قليلة من الزمان ، وهو لم يبق للترك
شيئًا من مقوماتهم ولا من تاريخهم الذي كانوا به أمة مجيدة ذات دولة عزيزة ، كما
أنه لم يبق من شريعة الإسلام شيئًا ، حتى إن داعيتهم الكاتب السويسري يصرح بما
لقَّنوه إياه من الطعن بكل ما جاء به نبي الإسلام صلوات الله وسلامه عليه حتى
الطهارة والصلاة فجعلوهما مما ذموه من خرافات الإسلام المنافية للحضارة العصرية
الأوربية ! التي يقلدهما ملاحدة الترك ويتكلفون انتحالها لزعمهم أنهم مساوون
لشعوب أوربة أو لتوهمهم أن التكحل كالكحل ، وأن لا فرق بين الطبيعة والمنتحل ،
بل افتروا في الطعن على الإسلام ما لا يخفى على عاقل جهلهم وسخفهم فيه ، حتى
مستأجرهم الكاتب السويسري على ما في كلامه من كذب وتناقض وتشويه للحقيقة .

4 - الطهارة والوضوء في الإسلام :
يقول هذا الكاتب : إن من سيئات الإسلام وجوب الوضوء للصلوات الخمس
الذي هو عبارة عن غسل الوجه واليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين
إلى الكعبين ، ثم يقول عن بعض ملاحدة الترك : إنه ترك الصلاة وفرَّ من المسجد
هربًا من الرائحة الكريهة التي تنبعث من أرجل المصلين ! فيا للفضيحة ! كيف
يعقل أن تكون رائحة المصلين الذين يغسلون أرجلهم عند إرادة الصلاة كريهة لا
تطاق عقب غسلها مع أنهم يكررون هذا الغسل خمس مرات كل يوم كما يقول ؟
وقد أجمع الأطباء والعقلاء على مدح هذه المزية من مزايا الإسلام وتفضيله بها على
غيره حتى إن بعض أطباء فرنسة الكبار أسلم في هذا العهد بسبب اطلاعه على
نصوص الطهارة في القرآن وغيرها ، مما يتعلق بحفظ الصحة ووجدانه إياه موافقًا
لأحدث ما تقرَّر في طب هذا العصر ، وقال : إنه لا يمكن أن يصل رأي رجل أمي
ولا متعلم من العرب إلى ذلك في العصر الذي جاء به محمد
ويا ليت شعري كيف يصدر من عاقل يحترم نفسه ذم النظافة وجعلها سببًا للقذارة ،
وعدّها منافية للحضارة ؟ إذن تكون الحضارة الأوربية مبنية على تفضيل النجاسة
والقذارة ، على النظافة والطهارة ، ولهذا يفضلها الترك وأنصارهم على المدنية
الإسلامية التي تعد الطهارة من أهم فرائضها ، ولعل هذا الكاتب من المسيحيين
الذين تمر السنين ولا يغتسلون استغناء عن الغسل والطهارة بالمعمودية النصرانية ،
فقد أخبرني مستر متشل أنسن الذي كان وكيلاً للمالية بمصر أن الإنكليز هم الذين
علَّموا أوربة كثرة الاستحمام بعد أن تعلموها هم في الهند وأنه لا يزال في أوربة من
تمر عليه السنة أو السنين ولا يستحم فيها .
وأما ما نوَّه به السويسري من العسر في الوضوء فنجيب عنه بأن العسر قد
يكون في غسل الرجلين لو كان حتمًا في كل وقت على من يلبس الجوارب
والخفاف والأحذية الجلدية ، وليس الأمر كذلك ، فإن من يلبس في رجليه ما
يسترهما وهما طاهرتان يجوز له أن يمسح على الساتر لهما بيده المبللة بالماء بدلاً
من غسلهما ، ومن قواعد الإسلام الأساسية رفع الحرج والعسر من جميع أحكامه
كما هو منصوص في القرآن الحكيم ، ويجوز لمن يلبس حذاء نظيفًا أن يصلي فيه ،
وقد كان أصحاب النبي يصلون بنعالهم ، ونسكت عن هذيانه
في سرقة ثياب المصلين وجعلها كأنها من لوازم الصلاة .

5- شبهة ضرر السجود على الأرض :
إن أقوى شبهات هؤلاء الملاحدة على صلاة الإسلام هي السجود على الأرض ،
وهي غير مقصورة عليهم ، بل روي أن الاستنكاف من وضع الوجه على الأرض
خضوعًا لله تعالى قد كان مانعًا لبعض مشركي العرب المتكبرين من الدخول
في الإسلام أو عذرًا اعتذر به ، ولكن لا يقع مثله من مؤمن بالله تعالى وبالدين
الذي يأمر بالسجود له ، ولمتفرنجي هذا العصر شبهة على السجود
غير استنكاف الكبرياء ، وهو أن بعض أرجل المصلين المصابين ببعض الأمراض
تؤثر في موضع وقوفهم للصلاة تأثيرًا يضر من يسجد في مواضع وطئها بما قد
ينفصل منها من ( ميكروبات ) المرض .
ذَكر لي هذا طبيب عربي فقلت له : إن هذا أمر نادر الوقوع لا يخلو كل
مجتمع يكثر فيه الناس من مثله ، ولا سيما حيث يزدحمون كمجامع الحفلات المدنية
والسياسية ومسارح التمثيل وغيرها ، ولا نرى الأطباء ينهون عنها إلا في أوقات
بعض الأوبئة ، وإن التنطع والإفراط في التوقي من جراثيم الأمراض في كل وقت
قد يكون ضرره أكبر من نفعه ، وإنكم تقولون يا معشر الأطباء : إن الأجسام
تتعرض لميكروبات الأمراض القليلة في الأحوال العادية تكتسب مناعة يقل فيها
تأثيرها بعد تعودها حتى إنها قد تكون واقية له من الإصابة بها في الحالة الوبائية
كما يستفيد الذي تلقحونه بقليل من مصل الجدري وغيره مناعة يأمن بها أن يصاب
بالثقيل منه ، وتقولون : إنه لو فرض أن رجلا نشأ في قلة جبل حيث الهواء النقي
الخالي من جميع ميكروبات الأمراض وأشعة الشمس الدائمة المانعة من التعفنات
والماء الزلال الجاري الذي لا تشوبه شائبة ثم ترك هذا المكان وخالط الناس في
المدن التي تكثر فيها الأمراض فإنه يكون أشد استعدادًا للعدوى من جميع من نشأ في
تلك المدينة .
قامت لي الحجة على هذا الطبيب لبنائها على أصول علمه فاعترف بها ،
وأقول مع هذه : إنه يمكن أن تجعل صفوف المصلين في المساجد منظمة بحيث
يكون موطئ الرجلين في الوقوف غير موضع الوجه للسجود ، وقد رأيت بلاط
بعض مساجد الهند صفوفًا مقسمة بالرخام الملون في كل صف منها ما يشبه سجادة
الصلاة لكل فرد من المصلين .

6- الزي الإفرنجي والصلاة :
وأما جعله لبس السراويلات الإفرنجية مما يصدُّ عن الصلاة فقد رأيت في
مصر من يعتذر عن ترك الصلاة بمثل ما ذكره الكاتب من اتقاء تجعيد كي سراويله
وهذا لا يقع من مسلم يدين بالإسلام ، وإنما هذه أعذار من نسميهم المسلمين
الجغرافيين ، وقد قال الدكتور سنوك الهولندي المستشرق الشهير إن أكثر الذين
يلبسون هذه الملابس الإفرنجية من المسلمين يتركون الصلاة أي وترك الصلاة
مقدمة لترك الإسلام ، بل هو منه عند بعض الأئمة كأحمد بن حنبل تعالى ،
وأخبرني بعض نظار المدارس الأميرية أنه كان يأمر التلاميذ بالصلاة فامتنع
بعض أولاد الباشوات معتذرًا بأمر أبيه له بعدم الصلاة ؛ لئلا يتجعد أسخف سراويله
( بنطلونه ) فما هذا الوالد الزنديق الذي يحب أن يجعل ولده المخنث كأنه في زيه
الجميل مصبوب من قالب لا يتغير ولا يتبدل كأنه من شحنة مدرسة البوليس
المصري في الزي الذي اخترعه لهم الإنكليز ؛ لئلا يصلي أحد منهم .

7- محاسن الصلاة الإسلامية ومزاياها :
ألا إن الصلاة الإسلامية نفسها لأكمل عبادة شرعها الله لعباده المؤمنين على
ألسنة رسله ، فهي جامعة لأعلى المناجاة الروحية لله تعالى ذكرًا ودعاءً
وخشوعًا وأدبًا ولأنفع الرياضة الجسدية بتحريك جميع الأعضاء في القيام والركوع
والسجود ولا سيما التورك في التشهد الأخير والسجود على رءوس الأصابع ،
وصلاة الجماعة مقتضية أفضل وسائل المساواة الاجتماعية بين الغني والفقير
والمأمور والأمير والرئيس والمرءوس بوقوفهم في صف واحد .
وقد نقل إلينا عن بعض علماء الإفرنج المستقلين الإعجاب بهذه الصلاة حتى
خصوم الإسلام منهم فقد قال الفليسوف رينان الفرنسي : إنني ما رأيت المسلمين في
مسجد يصلون جماعة إلا وتمنيت لو كنت مسلمًا أو قال : احتقرت نفسي لأنني غير
مسلم ، ولما طعن في الإسلام في خطاب له في السربون ذكره الفليسوف المنصف
غوستاف لوبون بقوله هذا فاعترف به .
وقد افتتح الكونت ( هنري دي كاستري ) كتابه ( الإسلام : خواطر وسوانح )
بمقدمة ذكر فيها ما رآه في سياحته في الشرق من صلاة المسلمين صلاة الجماعة
ووصف من إعجابه بها وتأثيرها في نفسه أنه احتقر نفسه تجاه جماعة من الفرسان
كان استخدمهم للسير في خدمته في صحاري حوران وكان يراهم في غاية الخضوع
والإجلال له وكانوا ثلاثين فارسًا من العرب يتقدمهم حَادٍ ينشدهم أناشيد أكثرها في
مدحه قال ما ترجمته بقلم المرحوم أحمد فتحي باشا زغلول :
( وبينما نحن سائرون على هذه الحالة ؛ إذ سكت الشاعر والتفت قائلاً
بصوت خشن : سيدي الآن وقت العصر ، هنالك ترجلت الفرسان واصطفوا لصلاة
العصر مع الجماعة ، وصلاة الجماعة مفضلة عند الله في اعتقاد المسلمين كما هي
كذلك عند المسيحيين ، أما أنا فقد ابتعدت عنهم ، وكنت أود أن لو انشقت الأرض
فابتلعتني ، وجعلت أشاهد البرانس العريضة تنثني وتنفرج بحركات المصلين
وأسمعهم يكررون بصوت مرتفع ( الله أكبر ، الله أكبر ) فكان هذا الاسم الإلهي
يأخذ من ذهني مأخذًا لم يوجده فيه درس الموحدين ، ومطالعة كتب المتكلمين ،
وكنت أشعر بحرج لست أجد لفظًا يعبر عنه سببه الحياء والانفعال ، أحس بأن
أولئك الفرسان الذين كانوا يتدانون أمامي قبل هذه اللحظة يشعرون في صلاتهم
بأنهم أرفع مني مقامًا وأعز نفسًا ، ولو أني أطعت نفسي لصحت فيهم ( أنا أيضًا
أعتقد بالله وأعرف الصلاة وكيف أعبد ) فما أجمل منظر أولئك القوم في نظامهم
لصلاتهم بملابسهم وجيادهم بجانبهم أرسأنها على الأرض وهي هادئة كأنها خاشعة
للصلاة ، تلك هي الخيل التي كان يحبها النبي حبًّا ذهب به
إلي أنه كان يمسح خياشيمها بطرف إزاره عملاً بوصية جبريل ، وكنت
أرى نفسي وحيدًا في عرض هذه الصحراء على ما أنا به من اللباس العسكري
الضيق الذي يبرم فيه الجسم الإنساني بغير احتشام تلوح عَلَيَّ سمات عدم الإيمان
في مكان هو مسقط رأس الديانات كأنني من الحجر أو من الكلاب أمام أولئك القوم
الذين يكررون إلى ربهم صلوات خاشعة تصدر عن قلوب ملئت صدقًا وإيمانًا .
( وبينما أنا كذلك إذ جال بخاطري ، ما رود في التوراة من أن الله يسكن
خيمة سام ويكثر من أولاد يافث ، وقد كان الفريقان مجتمعين في ذلك المكان ،
أولئك المصلون الذين هم من ولد سام معجبون بدينهم وعبادة ربهم ورب آبائهم الله
الذي دخل خيمة إبراهيم ، وأنا ابن يافث الذي يمتد ذكره بالحرب والفتوح ، ولما
انتهى بنا الطريق ورجعت إلى مكان راحتي جعلت أكتب ما علق بذهني من الأفكار
فأحسست أني منجذب بحلاوة الإسلام كأنها أول مرة شاهدت في الصحراء قومًا
يعبدون خالق الأكوان ، وذكرت خيام النصارى لا متعبد فيها غير النساء وأخذني
الغضب من كفر أبناء المغرب وقلة إيمانهم ) اهـ .
وقد رأيت جميع المصريين يسخرون من تقليد الترك الكماليين لصلاة
البروتستانت حتى ملاحدتهم وطلاب التجديد الذين يعبرون عنهم بالمصلين ، ولم أر
أحدًا استحسن ذلك منهم إلا إبراهيم بك الهلباوي المحامي المشهور وود أن يتبعهم فيه
جميع المسلمين ، وقال لي : إنه قد أفتى هو والأستاذ الشيخ عبد العزيز جاويش
خوجه كمال الدين الهندي الذي يدعو إلى الإسلام في إنكلترة بأن يقبل من نساء
الإنكليز المسلمات أن يتركن السجود على الأرض في صلاتهن ؛ لأن زيهن المحزق
( الضيق ) يضايقهن فيه فاكتفى منهم بما دون ذلك وسأسأل الأستاذ جاويش عن
حقيقة هذه المسألة .

8- رأي كُتَّاب الغرب والشرق في الانقلاب التركي :
نحن نوافق صديقنا الرافعي في أن أعداء الإسلام من ساسة أوربة
كالمستعمرين والمبشرين يشايعون الترك الكماليين ، ويحمدون عملهم ويسمونه
إصلاحًا ويرغبون فيه ، ولا غرو فإننا نرى ملاحدة المسلمين وزنادقتهم يفعلون
وينوهون به في الصحف ويسمون مصطفى كمال باشا المصلح المجدد ، فما بالك
بكُتَّاب النصارى من الملاحدة ومن المتعصبين لملتهم في الباطن ، فهؤلاء أشد نصرًا
للكماليين ونشرًا لمفاسدهم وترغيبًا لسائر المسلمين في اتباعهم حتى في لبس
البرانيط .
وأما أحرار أوربة وفلاسفتها فقد سخروا ولا يزالون يسخرون من إكراه
مصطفى كمال باشا للترك على لبس البرنيطة ، ومن محبي الترك أو دولتهم في
ألمانية من رثى لهم وحزن عليهم ، وصرَّح بأن القلبق التركي يفوق البرنيطة
الإفرنجية جمالاً ومهابة .
وانتقدوا تقليدهم لأوربة في قوانينها بترجمتها لتنفيذها في الشعب التركي
المباين للشعوب الأوربية في تاريخه وتربيته وعقائده وتقاليده وأخلاقه وعاداته ،
وهي الأسس التي تبنى عليها القوانين وتجب مراعاتها في وضعها ، ولا يرون لها
فائدة بدون ذلك ، ويسخرون ممن يظن أن القوانين تغير الشعب وتنشئه خلقًا جديدًا
سريعًا كما يحاول مصطفى كمال باشا .
وقد نشرنا من قبل ما قاله لورد كتشنر للسيد عبد الحميد الزهراوي في مصر
على مشهد ومسمع منا ، ونشرناه في حال حياتهما ونقلته عن المنار إحدى الصحف
الأوربية متعجبة من حرية اللورد كتشنر أو مستنكرة لقوله ، قال له : إن الغرض
من القوانين العدل وهي لا تفيد في الأمم إلا إذا كانت موافقة لأخلاقها وتقاليدها
وعندكم الشريعة الإسلامية شريعة عادلة وهي الموافقة لحال أمتكم فما بالكم تتركونها
وتحاولون العمل بقوانيننا التي لم تكن موافقة لحال أمتنا إلا بعد تنقيح عدة قرون .

9- حقيقة حال الشعب التركي :
يزعم الترك الكماليون تبعًا لزعيمهم أن الشعب التركي شعب عظيم راق لم
تعد تصلح له شريعة عتيقة كالشريعة الإسلامية ، ويتجرأ الوقحون المجاهرون
بالإلحاد منهم على ذم هذه الشريعة وذم الرسول الأعظم الذي
جاء بها وذم قومه العرب في مقام الترفع عن صلاحيتها للشعب التركي العظيم ،
وقد نقل إلي وأنا في الآستانة أن أحد باشاواتهم قال : لو أعلم أن شعرة في جسمي
تؤمن بهذا العربي ( يعني خاتم النبيين وإمام المرسلين صلوات الله وسلامه عليه
وعلى آله ) لقلعتها مع ما حولها من جلد ولحم وألقيتها .
أنا لا أعرض هنا للرد على هؤلاء المغرورين ببيان فضل الشريعة الإسلامية
على البشر عامة وعلى الترك خاصة ، ولا بتحقير العرب بالمفاضلة بينهم وبين
الترك وذكر شهادة فلاسفة أوربة على ذلك ، بل أقول كلمة حق وجيزة في حقيقة
حال الشعب التركي ربما أعود إلى بسطها في مقال آخر ؛ إذ قد طال هذا المقال ،
وربما صار مملولاً بضمه إلى ما قبله في موضوعه العام ، وإن كان في الحقيقة عدة
مقالات مختلفة الموضوع .
الترك جيل حربي بالطبع ، موصوف بعزة النفس ، وشدة البأس ، وحب
الغلب والسيادة ، وهي صفات تعد أهلها لأن يكونوا من أرقى الشعوب لولا الموانع ،
وقد كان همجيًّا في حروبه قاسيًا في معاملاته ، مخربًا للعمران الذي يستولي عليه ،
فهذَّبه الإسلام بقدر استعداده للتهذيب فكان له بالإسلام دولة عزيزة ، ولكن الحرب
التي هي أقوى ملكاته لم تدع له وقتًا يصرفه إلى العلوم والفنون التي هي من لوازم
قوة الدولة وسعة سلطانها ، وكان من أعظم أسباب حرمانه من الحضارة العلمية
الفنية أن لغته كانت لغة همجية ضيقة لا مجال للعلوم والفنون فيها ، ولغرور الدولة
العثمانية بتركيتها لم تقتبس لغة الإسلام مع عقيدته وشريعته فتجعلها لغة الدولة
والعلم والفن بل حصرتها في المدارس الدينية والمشيخة الإسلامية بقدر الحاجة إليها
في فهم الشريعة على مذهب الحنفية التي اختارت تقليده .
وقد اقتبس الإفرنج من الحضارة الإسلامية علومها وفنونها بمخالطة العرب
في الأندلس وكذا في الشرق بسبب الحروب الصليبية ما لم يقتبس مثله الشعب
التركي لضعف استعداده وضيق لغته ، فولدت الحضارة الأوربية الحاضرة مما
اقتبسه أهلها من المدنية العربية الغابرة كما اعترف بذلك المستقلون من فلاسفتهم
ومؤرخيهم ، تلك المدنية العربية الزاهرة التي قضى عليها الترك بما مهَّد لهم بنو
عمهم التتار من التخريب والتدمير ، فكانوا مصداقًا لقول رسول الله صلى الله عليه
وسلم فيما يعد من دلائل نبوته : ( اتركوا الترك ما تركوكم فإن أول من يسلب أمتي
ملكهم وما خولهم الله بنو قنطوراء ) .
الترك هم الذين وقفوا حضارة العرب ومدنيتهم وحالوا دون استمرارها بل
أماتوها بسلب ملكهم ولم يستطيعوا هم أن يحلوا محلهم فيها ولا أن ينشئوا حضارة
جديدة ، وإنما استطاع ذلك الإفرنج ، فكانوا كلما تقدموا في العلوم والفنون إلى الأمام
يرجع الترك إلى الوراء ، حتى فقدوا تفوقهم العسكري في أوربة بجهلهم للفنون
العسكرية والصناعات الحربية التي استحدثها الإفرنج وعجزوا عن مضاهاتهم فيها
وعن اقتباسها منهم بل صاروا عيالاً عليهم ولا يزالون يبتاعون منهم الأسلحة
والبوارج الحربية فالطيارات الحديثة إلى اليوم ، ولولا تنازع دول أوربة الكبرى
على ممالكهم ولا سيما مركز القسطنطينية لزالت سلطنتهم منذ قرون أو قرنين ،
على أنهم ما زالوا ينقصونها من أطرافها حتى زالت بالحرب العالمية الأخيرة ولم
يبق لهم منها إلا عقرها في الأناضول وبعض الرومللي .
إن هذا الشعب على جهله الذي أضاع منه أعظم سلطنة ( إمبراطورية ) في
قلب العالم تولى أمرها بضعة قرون ولم يستطع أن يستخرج شيئًا من كنوز أرضها
الثمينة ، ولا أن يجني منها ثروة تُذْكَر ، ولا أن يترك فيها أثرًا عمرانيًّا يحمد ، لم
يفقد بهذا الخسران المبين والجهل الفاضح شيئًا من كبريائه وعنجهيته ودعوى
زعمائه أنه أرقى شعوب الأرض فلا يليق به الخضوع لأعدل الشرائع وأكمل
الأديان ( الإسلام ) ولا أن ينسب إلى الشرق المنحط ؛ لأنه مساو لأعظم دول
الغرب ، وإنما الواجب عليه أن يقلدها في أزيائها وسائر لبوسها وشر عادتها كإباحة
المسكر ورقص النساء والرجال وإباحة الكفر والفواحش ، ثم في قوانينها حتى
الشخصية منها ، بل زاد في عهد الكماليين كبرًا وخنزوانة بما أتيح له من الانتصار
على اليونان ، وما اليونان ؟ وما قيمة الانتصار عليهم ؟ لولا ما أتيح له من وراء
ذلك وهو اعتراف أوربة في معاهدة لوزان باستقلاله المطلق فيما بَقِيَ له من بلاده ،
وإنما كان سبب هذا الاعتراف تنازع دول الحلفاء في سياسة الشرق الأدنى بعد
الحرب ، حتى إن إيطالية وفرنسة ساعدتا الترك على حرب اليونان ، وقام الشعب
الإنكليزي ينكر على دولته التي كانت تساعد اليونان سياستها هذه لملله وسآمته من
رزايا الحرب ورغبته في الاستراحة من عقابيلها ، فأسقط وزارة جورج لويد
المعادي للترك المساعد لليونان وأكره خلفه على خلاف سياسته هذه .
هذا ما غر هؤلاء الترك الكماليين فحملهم على هذه الدعاوي العريضة وعلى
ما قاموا به مما يسمونه ويسميه الملاحدة المتفرنجون منا بالإصلاح والتجديد ، فأما ما
كان منها في الأزياء والعادات وإباحة الكفر والفسوق فكله إفساد للأرواح والأخلاق
والآداب التي لا يحيا شعب بدون حياتها وصلاحها ، وأما ما كان منها في ترقية
الزراعة والصناعة والنظام العسكري فإننا نعترف بأنه إصلاح لا بد منه ، والدين
الإسلامي يوجبه ويحث عليه .
وأما القوانين المنتزعة من دول أوربة فهي في جملتها مُفسدة للشعب التركي
غير مُصلحة ولا مُعينة على الإصلاح لما أشرنا إليه من آراء علمائها في سبب ذلك ،
وتقليد الترك لأوربة في قوانينها قديم ليس من مبتكرات مصطفى كمال باشا ، فهم
قد توجهوا إلى ذلك من عهد السلطان محمود الذي ولي السلطنة سنة 1222 وبدءوا
بالتنظيم العسكري والزي الأوربي ما عدا البرنيطة ، ثم جددوا ذلك بإعلان
التنظيمات الخيرية في أول عهد السلطان عبد المجيد الذي ولي سنة 1255 مما
قامت ثورة المتفرنجين في آخر مدة السلطان عبد العزيز الذي استعصى عليهم
بشجاعته وقوة إرادته ... ثم أعلنوا القانون الأساسي عقب تولية السلطان عبد الحميد
سنة 1293 أي منذ نصف قرن ، وهو على توقيفه له قد نشر باسمه عدة قوانين
مقتبسة من قوانين أوربة ( كما انتشرت المدارس الأوربية للمبشرين بالنصرانية
الأميرية المتفرنجة ) ولم تزدد العدالة بتلك القوانين والمدارس إلا ضعفًا ومرضًا ،
وما ذلك إلا لأنها تقليد صوري لأوربة سببه توهم المغرورين من الترك أنهم
يساوونها به وإن لم يكن أكثره موافقًا لحال شعبهم ، على أنهم لم ينفذوا شيئًا منه كما
يجب ، كما أنهم لم ينفذوا الشريعة ، بل كان مدار أحكامهم ومحاكمهم على الرشوة
التي تحاول حكومتهم استئصالها ؟ وأول ما فعلته في ذلك محاكمة وزير بحريتها
السابق وبعض كبراء رجالها على رشوة عظيمة في وزارة البحرية .
وجملة القول أن الترك قد دخلوا الآن في فتنة تجربة جديدة واسعة النطاق
شديدة الخطر يظن زعماؤهم من القواد الحربيين أنها منهم على طرف التمام ؛ لأن
العقيدة الغريزية فيهم أن القوة العسكرية تعمل كل شيء ، فلننتظر عاقبة هذه
التجربة بعد فشلهم في جميع التجارب الماضية ، فإنما العلم بها عند الله تعالى وإنما
نعرف نحن بعض أسباب الأمل والفشل .
فأما أسباب الأمل فهي محصورة في قوة إرادة الزعماء مع ضعف الشعب ،
وفي كثرة أعوانهم المتفقين معهم على خطتهم كما تقدم ، وفي تمكنهم من إبعاد القواد
والضباط ورجال الإدارة والقضاء المخالفين لها عن المعسكرات ودواوين الحكومة
بالقوة القاهرة ، وفي بناء كثير من أعمالهم العسكرية والاقتصادية على قواعد الفنون
العصرية .

وأما أسباب الفشل فالمعروف عندنا منها :
( 1 ) أن السواد الأعظم من الشعب الذي يدين الله تعالى بالإسلام تقليدًا
ووجدانًا لا يقبل الجدال ساخط على هذه الحكومة لشعوره بأنها تهدم دينه الذي هو
مناط أمله في سعادة الآخرة ، وكذا الدنيا ، فإن ما ناله من الملك والعظمة لم يكن إلا
بالإسلام .
( 2 ) ما أصيب به الشعب من الفقر والعوز وعجزه عن أداء ضرائب
الحكومة الكثيرة التي زادت سخطه عليها .
( 3 ) عجز الحكومة عن القيام بما تصدت له من الأعمال النافعة المنتجة
كسكك الحديد وغيرها بكثرة نفقاتها على التأسيسات العسكرية ومظاهر العظمة
المدنية على ما ذكرنا من فقر شعبها وإرهاقها إياه بما فوق طاقته ، وإحتكارها لأهم
ينابيع ثروته .
( 4 ) تربص كثير من كبار رجال العسكرية والإدارة بها الدوائر لإسقاطها
وإرضاء الشعب بحكومة ترضيه في دينه ودنياه .
( 5 ) غرور زعماء هذه الحكومة بقوتهم واستعجالهم في هدم دين هذا
الشعب العظيم وتقاليده ومجد سلفه ، وقد يكون مع المستعجل الزلل .
_
(29/464)