الكاتب : محمد رشيد رضا
ربيع الآخر - 1333هـ
مارس - 1915م
مجلة المنار
حرب المدنية الأوربية
والمقارنة بينها وبين المدنية الإسلامية
والفتوحات العربية

لقد أرتنا هذه الحرب من ضروب العبر ، ما لم يكن يخطر قبلها على قلب
بشر ، وهتكت لنا من أستار الرياء ، ما أرانا كثيرًا من حقائق الأشياء ، التي لم يكن
يلمحها إلا أفراد الحكماء ، فظهر للذكي والبليد ، والغوي والرشيد ، أن هذه المدنية
المادية ، مدنية قوة وحشية ، وشهوات بهيمية ، كانت تخدع الأبصار ، وتفتن
البصائر بما يدعيه أهلها في زمن السلم من حب الحق ، والتحلي بلباس الفضائل ،
وإقامة ميزان العدل ، وثل عروش أئمة الجور والظلم ، حبًّا في سعادة الناس ،
ورغبة في المساواة بين الأفراد والأجناس .
وقد كان من مقدمات هذه الحرب بين الدول الكبرى حربان في البلقان ،
اقترف فيهما البلقانيون من ضروب القسوة ، وفظائع العدوان ، وتقتيل الشيوخ
والوِلْدان ، وهتك الأعراض ونهب الأموال ، ما لم يعرف التاريخ أقبح منه منظرًا ،
ولا أسوأ عاقبة وأثرًا ، ولم يكن يخطر في بال أحد أن هذه الموبقات يمكن أن يقع
مثلها من دولة من الدول الكبرى ، ودول العلم ، والفنون ، والمدنية الرائعة في هذا
العصر الذي يفضلونه على جميع العصور ، ويسمونه عصر الحضارة والنور ، نعم
إن أنواره المادية يكاد شعاعها يَذْهَب بالأبصار ، ويمكن أن يفضل بها الليل على
النهار ؛ ولكن يتمثل لك في هذا الضوء عالم المدنية هيكلاً من هياكل الوثنية ، قد
نصب في محاربة تمثال القوة الحربية ، واضعًا إحدى قدميه على الحق ، والأخرى
على الفضيلة ، رافعًا بيمنى يديه راية القهر والسلطة ، وبشمالها راية الشهوة واللذة ،
والناس ما بين راكع له وساجد ، ومحرق للبخور ومُقَدِّم للذبائح .
قلما كان أحد من الناس يظن أن دول العلم والحضارة تقترف مثل ذلك الظلم
والعدوان ، وتجترح تلك السيئات التي اجترحتها شعوب البلقان ، فجاءت هذه
الحرب مكذبة لظن الخير فيها ، وأحقت من القضاء بالقسوة والفظاعة عليها شر ما
أحقت على من قبلها ، إذ كانت أقدر على التنكيل والتدمير من البلقانيين الذين هم
عالة عليها ، بقدر ما آتاها العلم من أسبابها وآلاتها ، فقد جعلت العلم الجدير بأن
يكون مصدر العدل والرحمة والسعادة مصدرًا للظلم والقسوة والشقاوة ، فهذه دولة
ألمانيا الممتازة بسعة العلوم ، واتقان الفنون ، قد امتازت بما اخترعته من آلات
التخريب ، وأسباب المنون ، وينقل لنا عنها محاربوها ما تقشعر منه الجلود ،
ويتصدع من هوله الحجر الجلمود ، من مدافع تدرك الحصون والمعاقل ،
وغواصات تنسف البوارج والبواخر ، وغازات سامة يتكون منها دخان أخضر ،
يقتفي آثاره الموت الأحمر ، فهو مصداق قول الله تعالى : فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي
السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُّبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ ( الدخان : 10-11 ) .
وضعوا للحرب قوانين لتخفيف نكباتها ومصائبها مستمدة محاسنها من الشريعة
الإسلامية شريعة العدل والرحمة ؛ ولكن ثبت أنهم ما رعوها حق رعايتها ، وإنما
يعملون بها في بعض الأمور الظاهرة المشتركة بين كل من المتقاتلين كمعاملة
الأسرى ، ومن أمن منهم أن يُعَاقَب بمثل عاقب به لعجز خصمه ، أو لإمكانه إخفاء
جنايته ، لم يلتزم أحكام قوانين الحرب ، وحقوق الدول ، ولا معاهداتها احترامًا لها،
أو حبًّا في الحق والعدل اللذين تُوضَع القوانين والعهود لأجلهما .
فأين حرب هذه الأمم والدول التي خدع الناس كلهم حتى المسلمون بها ،
وصاروا يباهون بفضائلها ، وارتقائها في معارج المدنية الإنسانية بعلومها وفنونها ،
ومن حرب الصحابة الذين كان أكثرهم أميين ؟ تلك الحرب التي لم يعرف التاريخ
البشري مثلها في رعاية الحق والعدل والورع ، واستعمال الرأفة والرحمة في السر
والعلن ، بل شهد فيلسوف التاريخ والاجتماع ( غوستاف لوبون ) للعرب كلهم بذلك
فقال : ما عرف التاريخ فاتحًا أعدل ولا أرحم من العرب ، فبذلك العصر النوراني
فليفاخر المفاخرون ، لا بعصر الوحشية المنظمة التي جاء بها القرن العشرون .
هل نقل ناقل أو قال قائل إن أحدًا من الصحابة - عليهم الرضوان - أو
ممن حارب معهم من التابعين انتهك عرضًا ، أو قتل شيخًا ، أو امرأة ، أو غلامًا ،
أو سلب لأحد من أعدائه مالاً ، أو هدم كنيسة أو ديرًا ، أو قتل راهبًا ، أو قسيسا ؟
أو مَثَّل بقتيل ، أو أجهز على جريح ؟ كيف وقد كان الرسول - صلى الله عليه
وسلم - يوصيهم بمثل قوله : " انطلقوا بسم الله وبالله ، ولا تقتلوا شيخًا فانيًا[1] ،
ولا طفلاً صغيرًا ، ولا امرأة ، ولا تغلوا ، وضموا غنائمكم ، وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ
يُحِبُّ المُحْسِنِينَ ( البقرة : 195 ) رواه أبو داود من حديث أنس بن مالك ،
وروى أحمد من حديث ابن عباس قال : كان رسول الله - -
إذا بعث جيوشه قال : ( اخرجوا باسم الله تعالى تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله ،
لا تغدروا ، ولا تُمَثِّلوا[2]، ولا تقتلوا الولدان ، ولا أصحاب الصوامع ) .
ومن وصايا الخليفة الأول أبي بكر الصديق - - المقتبسة من
مشكاة النبوة ما رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد أن أبا بكر بعث جيوشًا
إلى الشام فخرج يمشي مع يزيد بن أبي سفيان ، وكان يزيد أمير ربع من تلك
الأرباع فقال : إني موصيك بعشر خلال : لا تقتل امرأة ، ولا صبيًّا ، ولا كبيرًا
هرمًا ، ولا تقطع شجرًا مثمرًا ، ولا تخرب عامرًا ، ولا تعقرن شاة ولا بعيرًا إلا
لمأكله ، ولا تعقرن نخلاً ولا تحرقه ، ولا تغلل ولا تخبن [3] .
نعم قد كان يقع قليل من الشذوذ يقابل بالإنكار ، إلا إذا دفع إليه الاضطرار ،
والنادر لا حكم له ، روى الشيخان وأصحاب السنن ما عدا النسائي وغيرهم عن
ابن عمر قال : وُجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي النبي - -
فنهى رسول الله - - عن قتل النساء والصبيان .
وروى أحمد ، و أبو داود ، والنسائي و ابن ماجه ، وغيرهم عن رياح بن
ربيع : أنه خرج مع رسول الله - - في غزوة غزاها ، وعلى
مقدمته خالد بن الوليد فمر رياح وأصحاب رسول الله - -
على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة ، فوقفوا ينظرون إليها ؛ حتى لحقهم رسول
الله - - على راحلته ، فأفرجوا عنها ، فوقف عليها رسول الله
- - وقال : ( ما كانت هذه لتقاتل - وقال لأحدهم - الْحَقْ
خالدًا فقل له لا تقتلوا ذرية ولا عسيفًا ) [4] ، وروى أبو داود في مراسيله عن
عكرمة : أن النبي - - مر بامرأة مقتولة يوم حنين فقال :
( من قتل هذه ؟ ) فأخبره رجل أنه كان غنمها فلما رأت الهزيمة أهوت إلى قائم سيفه
لتقتله به ؛ فقتلها قبل أن تقتله . ولا أتذكر قتل امرأة في مغازى النبي - صلى الله
عليه وسلم - غير هاتين إلا تلك المرأة اليهودية التي أمرها زوجها أن تلقي الرحى
على بعض المسلمين في غزوة بني النضير ليقتلوها فلا تعيش بعده إذ كان موطنًا
نفسه على أن يقاتل حتى يُقْتَل ففعلت .
وقد كان رفق النبي - - بالنساء أعظم من ذلك فقد روى
ابن إسحاق أن بلالاً مر بصفية وابنة عم لها على قتلى يهود بعد سقوط حصن بني
أبي الحقيق ، فلما رأت المرأة القتلى صكت وجهها ، وصاحت ، وحثت التراب
على وجهها ، فقال النبي - - لبلال " أَنُزِعَت الرحمة من قلبك
حين تمر بالمرأتين على قتلاهما ؟ ) .
ومن ضروب العبرة في حرب المدنية الأوربية كثرة ما يتقاضونه من البلاد
التي يفتحونها من الغرامات ، وما يفرضونه عليها من الإتاوات ، وقد كان المسلمون
الأولون يكلفون أهل البلاد ضيافة ثلاثة أيام ، لضرورة الحاجة إلى القوت وعدم
تيسر أسبابه بالطرق النظامية المتبعة في هذه الأيام ، وأما الجزية والخراج اللذان
يفرضونهما على أهل البلاد فهما أقل مما تفرضه كل حكومة من حكومات الأرض
على أبناء جنسها في بلادها ، دع ما تفرضه الحكومات الأوربية في مستعمراتها ،
فهو يستغرق معظم غلات أرضها ، فلا يبقى لأكثر أهلها منها إلا ما يسد الرمق ،
ويستعين به على مداومة العمل ، وقد قرأنا في الصحف ما فرضه الألمان على أهل
بلجيكة من الغرامات ، وما حَمَّلُوها من الأثقال ، بعد ما حل بهم ما حل من الخزي
والنكال ، فإذا هو مما تعجز عن حمله الجبال لا الجمال ، ولا غرو فإن كل حظ
أهل هذه المدنية المادية من الحياة والدافع لها إلى القتال ، إنما هو الاستكثار من
جمع الأموال ، والتمتع باللذة ، والعظمة ، والسلطة ، والجاه ، ولو ظفر البلجيكيون
بالألمان ، لأنزلوا بهم الخزي والهوان ، وعاملوهم كما عاملوا أهل الكونغو منذ
أعوام ، فأين هذا من عفة المسلمين ولا سيما الصحابة الكرام .
روى البلاذري في فتوح البلدان عن سعيد بن عبد العزيز قال : بلغني أنه لما
جمع هرقل للمسلمين الجموع ، وبلغ المسلمين إقبالهم عليهم لوقعة اليرموك ردوا
على أهل حمص ما كانوا أخذوا منهم من الخراج ، وقالوا : قد شغلنا عن نصرتكم
والدفع عنكم ، فأنتم على أمركم ، فقال أهل حمص : لَولايتكم وعدلكم أحب إلينا مما
كنا فيه من الظلم والغشم ، ولندفعن جند هرقل عن المدينة مع عاملكم ، ونهض
اليهود فقالوا : والتوراة لا يدخل عامل هرقل مدينة حمص إلا أن نُغْلَب ونجهد ،
فأغلقوا الأبواب وحرسوها ، وكذلك فعل أهل المدن التي صولحت من النصارى
واليهود ، وقالوا إن ظهر الروم وأتباعهم على المسلمين صرنا إلى ما كنا عليه ،
وإلا فإنا على أمرنا ما بقي للمسلمين عدد ، فلما هزم الله الكفرة ( يعني الروم ، أي
الرومانيين ) ، وأظهر المسلمين فتحوا مدنهم ، وأخرجوا المقلسين ، وأدوا الخراج .
اهـ .
وفي رواية أحفظها ولا أتذكر موضعها الآن أن الصحابة لما ردوا ما كانوا أخذوا
من الجزية قالوا إنا كنا أخذناها جزاء حمايتكم والدفاع عنكم ، وقد عجزنا الآن عن
ذلك ، فحلف الأهالي أن أبناء دينهم ما كانوا ليرجعوا مالاً أخذوه ... إلخ .
فهل عُهِدَ من فاتح في الأولين والآخرين أن يرد الخراج إلى أهل البلاد التي
يفتحها ، بناء على أن الخراج لا يباح أخذه إلا لأجل حفظ البلاد والدفع عنها ، وأن
العجز عن ذلك وإن كان في سبيل الدفاع عن تلك البلاد يُوجِب رد الأموال إلى
أصحابها ؟ لا لا ، إن هذا العدل والورع لم يعرفه البشر إلا من الصحابة - رضي
الله عنهم - ، فإن كان من وليهم من خلفاء العرب وأمرائهم دونهم ، فهم يَفْضُلون
سائر الأمم في رفقهم وقناعتهم .
كان بنون أمية أحرص العرب على نعيم الملك وسعة العيش ، فخرجوا في
كثير من أمر السلطة والتصرف في بيت المال عن السنة المتبعة وسيرة الخلفاء
الراشدين ، وإنما استقام عليها منهم عمر بن عبد العزيز ، أما سيرتهم في الغزو ،
والقضاء بين الناس ، وإدارة البلاد فكانوا يتحرون فيها العدل والرحمة ، وكذلك
كانت سيرة العباسيين في الشرق ، والأمويين في الغرب ( أي الأندلس ) ، ومن شذ
عن ذلك لغير سبب حفظ الملك كان مذمومًا ، وعرضة للعقاب ، وقد تضاعفت ثروة
الممالك ، واستبحر عمرانها بعد أن انتزعوها من الروم والفرس ، بما كانوا
يسوسونها به من الرحمة والعدل ، ولم يفطن لهذا بعض الكتاب الذي انبرى في هذه
الأيام إلى ذم ولاة العرب بكونهم لم يكن لهم هم إلا جباية الخراج ، وقوله - في
أفراد منهم - إنهم لم يفعلوا شيئًا للبلاد ، أو لم يقل فلان المؤرخ إنهم فعلوا شيئًا ،
وهو يعلم علمًا ضروريًّا أن عدم القول لا يستلزم عدم الفعل ، وإن ما سكت عنه زيد
يجوز أن لا يسكت عنه عمرو ، ويعلم علمًا نقليًّا أن مزية الفاتحين الأولين من
العرب هي العدل والرحمة ، لا الصناعة التي امتاز بها مؤسسو الأهرام وأمثالهم ،
وكانت ولا تزال شاهدة على استبدادهم وظلمهم .
كتب بعض عمال عمر بن عبد العزيز يشكو إليه قلة دخل بيت المال بمصر
بكثرة دخول الناس في الإسلام ، ويستأذنه في ضرب جزية على المسلمين ، فكتب
إليه عمر هذه الكلمة العالية ( إن محمدًا - - بُعِثَ هاديًا ، ولم
يُبْعَث جابيًا ) .
وكتب إليه عدي بن أرطأة : أما بعد ، أصلح الله أمير المؤمنين ، فإن قِبَلي
أناسًا من العمال قد اقتطعوا من مال الله - - مالاً عظيمًا لست أرجو
استخراجه ( وفي رواية : لست أقدر على استخراجه ) من أيديهم إلا أن أمسهم
بشيء من العذاب ، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في ذلك فعل ، فأجابه بقوله:
( أما بعد فالعجب كل العجب من استئذانك إياي في عذاب بشر ، كأني لك
جُنة من عذاب الله ، وكأن رضائي عنك ينجيك من سخط الله ، فانظر من
قامت عليه بينة عدول فخذه بما قامت عليه به البينة ، ومن أقر لك بشيء فخذه بما
أقر به ، ومن أنكر فاستحلفه بالله العظيم وخل سبيله ، وايم الله لأن يلقوا الله - عز
وجل - بخياناتهم ، أحب إلي من أن ألقى الله بدمائهم . والسلام ) .
وروي عن يحيى الغساني أنه قال : لما ولاني عمر بن عبد العزيز الموصل
قَدِمْتُها فوجدتها من أكثر البلاد سرقًا ونقبًا ، فكتبت إلى عمر أعلمه حال البلد وأسأله :
آخذ الناس بالظنة ، وأضربهم على التهمة ، أم آخذهم بالبينة ، وما جرت عليه
السنة ؟ فكتب إليّ أن خذ الناس بالبينة وما جرت عليه السنة ، فإن لم يصلحهم
الحق فلا أصلحهم الله ، قال يحيى ففعلت ذلك فما خرجت من الموصل حتى كانت
من أصلح البلاد ، وأقلها سرقًا ونقبًا .
ومن ضروب العبرة في هذه الحرب ما تراه في كلام كثير من الكتاب من
بنائها على قاعدة من قواعد المدنية الحديثة قررها الألمان ، وتوسعوا في فلسفتها ،
وألفوا فيها الكتب ، ووافقهم عليها من وافقهم بالقول والفعل ودون القول - وهي
قاعدة " الحق للقوة " - وقد نشرنا في الجزء الذي قبل هذا مقالاً في شان الكتاب
الذي ألفه أحد قواد الألمان وعلمائهم ( الجنرال فون برنهاردي ) في ذلك وسماه
( المنطق والمبادئ في الحروب ) ، وفي نقد مجلة القرن التاسع عشر الإنكليزية له ،
ومنه تعلم أنهم جعلوا الأثرة وتفضيل الأقوياء على الضعفاء حتى في الحقوق المدنية
مما تقتضيه الفضيلة والحكمة ، بل زعموا أنه من أصول الديانة المسيحية وأحكامها،
وأن مساواة الشعب الغالب للشعب المغلوب لا يجوز في نظر العلم والفلسفة ولا
في حكم الدين .
ندع لعلماء اللاهوت ورجال الكنسية حكمهم فيما عزاه الجنرال الألماني في
الإيثار ( الذي يعبر عنه القوم بإنكار الذات ) ، وهو ضد الأثرة التي يدعيها هذا
الفيلسوف الألماني وغيره ، فهو ينافي طلب السلطة وانتزاع ملك الناس وملكهم
بالقوة ، لأجل التمتع بالجاه واللذة ، لأن من قواعد الإنجيل أن يعطي المؤمن ماله
لغيره ، فكيف يتفق هذا مع انتزاعه من غيره ما يملكه ؟ وأما الإسلام فهو وسط بين
هذه المدنية المادية ، وبين زهد المسيحية ، فهو دين سيادة وسلطة مدنية ، وفضيلة
أدبية روحية . فإلإيثار فيه فضيلة مندوبة ، وهو في المسيحية فريضة مطلوبة ، قال
الله تعالى في وصف المؤمنين وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ (الحشر : 9 ) ، وأما قاعدة الإسلام في الأحكام فهي العدل والمساواة في الحقوق بين
المؤمن والكافر ، والبَر والفاجر ، والقريب والبعيد والحبيب والبغيض ، قال تعالى :
وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى ( المائدة : 8 ) ،
والآيات في هذا المعنى كثيرة أوردنا طائفة منها في الرد على الكاتب الأمريكي
الذي زعم فيما - كتبه بمناسبة إلغاء الدولة العثمانية الامتيازات الأجنبية أن الشريعة
الإسلامية جاءت بعدم المساواة بين المسلم وغيره ، وبَيَّنَّا هنالك أنه لا تُعْرَف شريعة
في الأرض قررت هذه المساواة غير الشريعة الإسلامية . وقد جرى على ذلك
الخلفاء الراشدون على وجه الكمال ، وكان هو الأصل والقاعدة عند الأمويين
والعباسيين في القضاء ، وإنما وقع الشذوذ والخروج عنه في بعض الأحكام
السياسية والعسكرية .
واقعة مساواة عمر بن الخطاب بين علي صهر الرسول وابن عمه ، وبين
رجل من عامة اليهود ، وغلط عمر في تسمية اليهودي ، وتكنية عليّ ، واستياء
عليّ منه لتفضيله إياه على خصمه بالتكنية ، واعترافه هو بأن ذلك خطأ - واقعة
مشهورة معروفة ، وقد جرى لعمر بن عبد العزيز ما يقرب منها :
قال الحكم بن عمر الرعيني : شهدت مسلمة بن عبد الملك يخاصم أهل دير
إسحق عند عمر بن عبد العزيز بالناعورة ، فقال عمر لمسلمة : لا تجلس على
الوسائد ، وخصماؤك بين يدي ؛ ولكن وكل بخصومتك من شئت وإلا فجاثي[5] القوم
بين يدي ، فوكل مولى له بخصومته ، فقضى عمر عليه بالناعورة . ذكره الحافظ
ابن الجوزي في سيرته .
قلت: إن هذه الواقعة تشبه واقعة عليّ مع اليهود ، وأعني بالتشبيه المساواة في
التكريم والاحترام بين الرفيع ، وإن كان من بيت النبوة أو الملك ، وبين سائر
الناس حتى من غير المسلمين ، فعليّ كان سيد آل بيت الرسول وعمادهم ، ومسلمة
كان من بيت الملك فهو ابن عبد الملك بن مروان ، وناهيك بما كان لبني عبد الملك
من العز والسلطان .
أما المساواة في الحقوق نفسها فكانت هي الأصل الذي يجري عليه كل الحكام
إلا من شذ لأسباب عارضة ، أو لفساد في خلق الشخص ، ووقائعها في عهد عمر
بن عبد العزيز لا تحصى ، وقد كان أول مظلمة رفعت إليه يوم توليته مظلمة ذمي
من أهل حمص ادعى أن العباس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبه أرضه ، قال عمر:
يا عباس ما تقول ، قال أقطعنيها - أي الأرض - أمير المؤمنين الوليد بن عبد الملك ،
وكتب لي بها سجلاًّ ، فقال : ما تقول يا ذمي ؟ قال : يا أمير المؤمنين أسألك
كتاب الله ، فقال عمر : كتاب الله أحق أن يتبع من كتاب الوليد بن عبد
الملك ، اردُدْ عليه يا عباس ضيعته ، فردها عليه .
وقد كان أهل بيت الملك من بني أمية تأثلوا ضياعًا ، ومزارع كثيرة من بيت
المال ، وكان لبعض الناس في بعضها حق أو مقال ، فلما ولي عمر بن عبد العزيز
ردها ، وكان أول ما بدأ به رد ما كان له ولولده من ذلك .
وروي أنه استشار مولاه مزاحمًا في ذلك فقال : يا مزاحم إن هؤلاء القوم
أعطونا عطايا ، والله ما كان لهم أن يعطونا إياها ، وما كان لنا أن نقبلها ، وإن ذلك
قد صار إلي ليس عليّ فيه دون الله محاسب ، فقال له مزاحم : يا أمير المؤمنين هل
تدري كم ولدك ؟ إنهم كذا وكذا ، قال : فذرفت عيناه فجعل يستدمع ، ويقول : أَكِلُهم
إلى الله تعالى ، ثم ذهب مزاحم ، وذكر ذلك لعبد الملك بن عمر عسى أن يكف أباه
عن ذلك ، فقال له عبد الملك : بئس وزير الدين أنت يا مزاحم ، ثم وثب فانطلق
إلى بيت أبيه عمر فاستأذن عليه فقال له الآذن : إن أمير المؤمنين قد وضع رأسه
للقائلة ، قال استأذن لي ، قال : أما ترحمونه ليس له من الليل والنهار إلا هذه
الوقعة ، قال عبد الملك : استأذن لي لا أم لك ، فسمع عمر الكلام ، فقال : من هذا؟
قال هذا عبد الملك ، قال : ائذن له ، فدخل عليه ، وقد اضطجع للقائلة ، فقال :
ما حاجتك يا بني في هذه الساعة ، قال : حديث حدثنيه مزاحم ، قال : فأين وقع
رأيك من ذلك ؟ قال وقع رأيي على إنفاذه ، قال : فرفع عمر يديه ، وقال : الحمد
لله الذي جعل لي من ذريتي من يعينني على أمر ديني ، نعم يا بني ، أصلي الظهر ،
ثم أصعد المنبر فأردها علانية على رؤوس الناس ، فقال عبد الملك : ومن لك
بالظهر يا أمير المؤمنين ! ومن لك إن بقيت إلى الظهر أن تسلم لك نيتك إلى الظهر
! فقال : قد تفرق الناس ورجعوا للقائلة ، فقال عبد الملك : تأمر مناديك ينادي :
الصلاة جامعة ، فيجتمع الناس ( قال إسماعيل بن أبي حكيم الراوي لهذه الواقعة
وهو من رجال صحيح مسلم ) فنادى المنادي : الصلاة جامعة فخرجت فأتيت
المسجد فجاء عمر فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال :
أما بعد ، فإن هؤلاء القوم قد أعطونا عطايا ، والله ما كان لهم أن يعطوناها .
وما كان لنا أن نقبلها ، وإن ذلك قد صار إليّ ليس عليّ فيه دون الله محاسب ، ألا
وإني قد رددتها ، وبدأت بنفسي وأهل بيتي ، اقرأ يا مزاحم .
قال الراوي : وقد جيء بسفط قبل ذلك ، أو قال جونة فيها تلك الكتب ، فقرأ
مزاحم كتابًا منها فلما فرغ من قراءته ناوله عمر - وهو قاعد على المنبر وبيده جَلم
( أي مقص ) فجعل يقصه بالجلم ، واستأنف مزاحم كتابًا آخر ، فجعل يقرؤه فلما
فرغ منه دفعه إلى عمر فقصه ، ثم استأنف كتابًا آخر ، فما زال حتى نودي بصلاة
الظهر .
هذه هي أحكام الإسلام ، فمن خالفها كان خارجًا عن هديه ، استعملوا القوة في
إقامة العدل مع الرحمة ، وبذلك ساد من ساد من خلفائهم ودولهم ، فقاعدتهم ( القوة
للحق ) ، وقاعدة المدنية الحديثة ( الحق للقوة ) ، وأما المتأخرون منا فهم مذبذبون
بين ذلك لا إلى هؤلاء ، ولا إلى هؤلاء ، وما رأيت أصدق في وصف القوم
ووصفهم من قول شاعر بني العنبر أول شعراء الحماسة :
لو كنت من مازن لم تستبح إبلي ... بنو اللقيطة من ذهل بن شيبانا
إذًا لقام بنصري معشر خُشُن ... عند الحفيظة أن ذو لُوثَة لانا
قوم إذا الشر أبدى ناجديه لهم ... طاروا إليه زرقات ووحدانا
لا يسألون أخاهم حين يندبهم ... في النائبات على ما قال برهانا
لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد ... ليسوا من الشر في شيء وإن هانا
يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة ... ومن إساءة أهل السوء إحسانا
كأن ربك لم يخلق لخشيته ... سواهم من جميع الناس إنسانا
فليت لي بهم قومًا إذا ركبوا ... شنُّوا الإغارة فرسانا وركبانا
ومن ضروب العبرة في هذه الحرب ما نراه في أخبارها من الكذب ،
والتناقض ، والتعارض ، والتهاتر ، والتمويه ، والتدليس ، وسوء التحريف ، وفساد
التأويل يشترك في ذلك أصحاب الشركات البرقية ، والجرائد السياسية ، حتى سرى
إلى المجلات التاريخية والعلمية ، بل لم يعد أحد من الناس يثق كل الثقة بالتقارير ،
والبلاغات الرسمية ، لأنهم يرون كل خصم يُكَذِّب خصمه في أخباره الرسمية ، ولو
سئل أصحاب الجرائد في كل قطر من الأقطار عن سبب ما ينكر عليهم مما ذكر -
لأجابوا : أن سببه الأول تضييق حكوماتنا علينا ، وإلزامها إيانا عرض كل ما
نكتبه على رقبائها الذين سلبوا حرية الكتابة منا ، مع اجتهادنا في جعل ما نكتبه
موافقًا لمصلحتها ، وتجنبنا من تلقاء أنفسنا كل ما نرى أن نشره مخالف سياستها .
هذا عذر عارض ، والمشهور بين الناس أن الجرائد لا تتحرى الصدق فيما
تنشره ، لا في أيام السلم وعهد الحرية ، ولا في أيام الحرب وعهد المراقبة ، وأنها
تتعمد الكذب والتمويه إذا كان لها في ذلك منفعة ، والحق أنها تواريخ فيها الصادق
والكاذب ، والحق والباطل ، تجمع بين الدرة والبعرة ، وتأتي بالذرة وأذن الجرّة ،
وإنني لا أشهد لجريدة من الجرائد التي أعرفها في الشرق أنها تمثل حال البلاد التي
تصدر فيها والأمة التي تتكلم عنها تمثيلاً صحيحًا ، كما يعرفه المختبر للبلاد وللأمة
ولو كانت هذه الجرائد في عصر رجال الجرح والتعديل من المحدثين ، لجعلوا
أصحابها في عداد الوضَّاعين ، ولم يرتقوا بهم إلى درجة الضعفاء أو المدلسين ،
كيف وقد ضَعَّف بعضهم القاضي الواقدي ، وبعضهم قال إنه كذاب ، وإنه كان يضع
الحديث ، وهو من أكبر الحفاظ ، وأشهر المؤلفين ، كتب عنه سليمان الشاذكوني
كتابًا ، ثم أتاه فسأله عما كتبه عنه قبل أن يخرج به ، فإذا هو لم يغير حرفًا منه .
لم تُعْنَ أمة من أمم العلم بمثل ما عني به المسلمون من ضبط الرواية في
القرون الأولى ، فإن كانوا دونوا في تواريخهم كل ما قيل ، ما صح منه ، وما لم
يصح لأجل الجمع والإحصاء ، فالعمدة عندهم على الأسانيد ، فما كان محل الشبهة
منها أمكن تمحيص الرواية فيه بالبحث عن رجال سنده ، فإذا انفرد بعض الرواة
والمؤرخين بطعن في العلويين أو الأمويين أو العرب - مثلاً - يمكننا بالنظر في
السند أن نعرف هل فيه أحد المتعصبين غير الثقات من النواصب ، أو الروافض ،
أو الشعوبية ، فنتهمه بوضعه أم لا ؟ وتحرير هذه المسألة لا يمكن إلا بمقال طويل ،
وعلى الله قصد السبيل .
_
(1) المراد بالشيخ الفاني من لا يقاتل ، وقد كان الناس كلهم مقاتلة إلا هؤلاء الذين نهى الحديث
عنهم ، والقاعدة الإسلامية العامة أنه لا يُقَاتَل إلا من يُقَاتِل .
(2) الغلول: الخيانة في الغنائم ، والتمثيل: تشويه الأعضاء بنحو قلع العين ، وجدع الأنف ، وصلم الأذن ، وقد حرم الإسلام التمثيل بالقتلى فضلاً عن الأحياء ، وقد ثبت وقوع التمثيل في حرب المدنية الأوربية ، وفي الحرب البلقانية قبلها .
(3) أخبن الرجل : خبأ في خبنة ثوبه أو سراويله شيئًا ، والخبنة بالضم طية الثوب ، وثنيته ، وفي نسخ الموطأ المطبوعة وأكثر الكتب التي نقلت عنه : ولا تجبن ، بالجيم .
(4) العسيف : الأجير .
(5) أي اجلس بإزائهم جاثيًا على ركبتك مثلهم إذ لا تمييز في الخصومة بين أبناء الخلفاء والأمراء ، وبين دهماء الناس كأهل الدير وغيرهم .
(18/182