الجودة في القرآن الكريم
بقلم : جمال ياسين
ظهر اليوم في العالم ما يسمى بمفهوم الجودة والذي يقصد منه جودة وإتقان الأداء في كل مناحي الحياة ، وتسعى اليوم الشركات والهيئات والمؤسسات إلى تطبيق هذا النظام في كل أعمالها . بل وتم تخصيص يوم للتوعية بأهمية ذلك وسمي هذا اليوم باليوم العالمي للجودة . وإننا إذا عدنا إلى منبع عزتنا وحضارتنا إلى كتاب الله - القرآن الكريم - نجد أن مفهوم الجودة مفهوم أصيل فيه ، منبثق من منظومته وأهدافه ؛ التي يمثل الإتقان والدقة والإحسان فيها مكانة عالية .
إن مفهوم الجودة حاضر في كل تعاليم القرآن الكريم بمضامينه كلها ، ويمثل قيمة إسلامية مشرقة ، فإن القرآن الكريم قد حث على الجودة الشاملة في جميع الأعمال التي ينبغي أن يؤديها الإنسان ، ويظهر ذلك جليا من خلال قوله تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر ... الآية ) . [ البقرة : 177 ] قال سيد قطب: ( في هذه الآية يضع الله قواعد التصور الإيماني الصحيح ، وقواعد السلوك الإيماني الصحيح ، ويحدد صفة الصادقين المتقين، فالبر تصور وشعور وأعمال وسلوك ، ينشئ أثرها في حياة الفرد والجماعة ).([1])
ويحذر الله الناس من التساهل وعدم الإتقان في أعمالهم فقال : ( ولتسألن عما كنتم تعملون ) [ النحل : 93 ] ، في هذه الآية يؤكد الله تعالى على وجوب الأخذ بمبدأ الجودة والإتقان الشامل ؛ فكل إنسان سيسأل عن عمله لا محالة.
وقد ارتبط مصطلح الجودة في القرآن الكريم بمفردات ومفاهيم كثيرة ، ذات علاقة منها الإحسان ، والإتقان ، والإحكام ، والإصلاح... وغيرها .وحسبنا أن نكتفي هنا بالحديث عن مفهوم واحد وهو مفهوم الإحسان :
الإحسان في اللغة : هو فعل ما هو حسن ، وأَحْسَن الشيء أجاد صُنْعه ، ومنه قوله تعالى : ( وصوركم فأحسن صوركم ) [التغابن : 3 ] وَالإحسان بمعنى النصح في العبادة، وبذل الجهد في تحْسينها، وإتمامها، وإكمالها . ([2])
وإذا كانت الجودة مظهراً من مظاهر الإحسان ، ونتيجة من نتائجه ، فإن القرآن الكريم دعوة مطلقة إلى الإحسان قال تعالى : ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة ونحن له عابدون ) [ البقرة : 138 ]
وقد بين الله -- أنه لن يضيع أجر من عمل وأجاد وأتقن ، قال تعالى : ( إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا ) [ الكهف :30 ] ، وقال مخاطباً الجماعة : ( وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ) [ البقرة : 195] .
وفي قوله تعالى : ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً ) [ هود : 7 ] إشارة جلية واضحة إلى أن الجزاء يتعلق بكيفية الأداء كائناً ما كان هذا الأداء . ومثله قوله تعالى : ( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملاً ) [ الكهف : 7 ].
وقال تعالى وهو يحض الإنسان على الجودة والإحسان والإبداع : ( ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن ) :[ النساء : 125 ] ، ويقول : ( للذين أحسنوا الحسنى وزيادة ) [ يونس : 26 ] . والإحسان في العمل على قسمين، الأول : التوجه بالعمل لله ، والثاني : استعمال أعلى درجات المهارة والإتقان فيه. ([3])
نجد مما سبق أن الإحسان يتضمن معنى الكمال والإجادة والإتقان والإخلاص ، وبهذا تكون الجودة مظهراً من مظاهر الإحسان ، وثمرة من ثماره .
وقد سبق القرآن الكريم إلى ذكر أبرز مبادئ الجودة في قوله تعالى : ( لمن شاء منكم أن يتقدم أو يتأخر ) [المدثر: 37]. في هذه الآية إقرار لأبرز مبادئ الجودة ، وهو وجوب الاستمرار في التحسين والتطوير . قال ابن القيم : ( فالعبد لا يزال في تقدم أو تأخر، ولا وقوف في الطريق البتة، فإن لم يكن في تقدم ، فهو في تأخر ولا بد ) . ([4])فلا ينبغي لأي مؤسسة أو شركة أو هيئة عُليا أن تتوقف عن استمرارية التطوير والتحسين بحجة أنها قد بلغت المنتهى في الإتقان والجودة ، ونالت الشهادات العالمية في ذلك ؛ لأنها إذا توقفت عن التطوير فإنها بالضرورة تتأخر، فالكون أبداً لا يعرف الوقوف ، فمن لا يتقدم حتماً يتأخر . ([5])من خلال ما تحدثنا عنه سابقاً يتبين لنا أن القرآن الكريم منهج للجودة والإتقان في عموميات الحياة وفروعها وتفاصيلها . قال تعالى : ( ما فرطنا في الكتاب من شيء ) [ الأنعام : 38 ] .

([1]) في ظلال القرآن : قطب : 1 / 130 . ( بتصرف يسير ) .

([2]) معجم اللغة العربية المعاصرة : مختار : 51 .

([3]) ينظر: مفهوم الجودة : مدكور : 75 .

([4]) الفوائد : ابن القيم : 280 .

([5]) ينظر : مبادئ إدارة الجودة الشاملة : الشريف : 1/ 134 .