بسم الله الرحمن الرحيم

فصل : أضرارٌ في جانب العقيدة والتصورات والأفهام
أ- إن معظم ما تبثه تلك القنوات يورث ضعف الإيمان بالله تعالى، ويؤدي إلى الإعراض عن عبادته، والاستعباد للشهوات.
وهذا الأمر مُشَاهَد وملموس، فإن تلك المَشَاهِد المُحَرَّمَة التي تعرضها تلك القنوات تُضْعِف الإيمان وتُباعِد بين العبد وربه، فتجعله يستغرق في ارتكاب المحرَّمات حتى يألفها ويستوحش الطاعات، ثبت عن المصطفى [1]) أنه قال: «إن العبد إذا عمل الخطيئة نُكِتَ في قلبه نكتةٌ سوداء، فإذا هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن هو زاد؛ زِيدَ في تلك النكتة السوداء، حتى يغشى قلبه الران» ثم تلا النبي قول الله تعالى:
ﭹﭺ ﭻﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮂ ﮃ ([2]).
وإذا وصل الشخص إلى هذه المرحلة؛ صار يتثاقل العبادة ويستصعبها، ولكنه يجد نشاطًا وإقبالاً على المعاصي، فيكون كما أخبر المصطفى عن الشقي في قبره أن عمله يقول له: «فوالله ما عَلِمْتُكَ إلا كنت بطيئًا عن طاعة الله، سريعًا في معصية الله»([3]).
ثم يصل به الأمر إلى أن تكون الشهوات المحرمة أحبُّ إليه من كل شيء، بل تصير بمنزلة الإله – نعوذ بالله من ذلك – كما قال ربنا سبحانه: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ ﭦﭧ ﭨ ﭩ ﭪ ([4]).
* ومن التأثير الذي تحدثه متابعةُ معظم الفضائيات:
ب- إضعاف عقيدة الولاء والبراء:
ومن المعلوم أن هذه العقيدة لها أصلها الأصيل من هذا الدين، كيف لا وقد قال نبينا : «أوثق عُرى الإيمان: الحب في الله، والبُغض في الله»([5]).
ويقول الله جلَّ شأنه: ﭑ ﭒ ﭓ ﭔ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙ ﭚ ﭛ ﭜ ﭝ ﭞ ﭟ ﭠ ﭡ ﭢ ﭣ ﭤ ﭥ([6]) الآية.
فالواجب هو محبة المسلمين، ومحبة الخير لهم، والفرح بكل ما به خيرهم، ويجب بُغض الكفار والتبرؤ منهم، والحذر من مودتهم.
كيف يضعف الولاء والبراء بسبب تلك القنوات التلفزيونية؟
لا يوجد من البرامج ما يقدمه بعض النصارى من الرجال والنساء فتجد المُتابع أو المتصل بالهاتف يبدي إعجابه وتعلقه بهم، وخاصةً إذا كانت المقدمة أو المذيعة امرأة، وأيضًا من خلال المقابلات مع الفنانين الكفرة تجد الجمهور يتابعهم ويتابع إنتاجهم ويتصل بهم ويطلب التوقيع على «الأتوغراف» ويفرح بذلك ويفاخر به، ولا شك أن هذا بدافع المحبة لهم. وقد أخبرنا الحبيب المصطفى عن هذا الشأن فقال: «لا يحبُّ رجلٌ قومًا إلا جاء معهم يوم القيامة»([7])، وقال عليه الصلاة والسلام: «المرء مع من أحب»([8]) وهذا عام في الرجال والنساء.
ومن التأثير العقدي الناجم عمَّا تبثه كثير من الفضائيات:
جـ- التشبه بالكُفَّار والانبهار بعاداتهم وتقاليدهم:
وذلك أن معظم ما تبثه كثير من الفضائيات يظهر المجتمعات الغربية الكافرة بوجهها الجميل فقط، وجه القوة والنظام والإنتاج والإبداع، ولا غرابة في ذلك، إذ أن إنتاج تلك المواد الإعلامية هو تحت نظر وسمع الغرب والمنبهرين بهم المشبهين بثقافاتهم.
لكن أين ذلك التصوير الحقيقي لحياتهم التي يعيشونها الآن، من إحساس الغرب بالخواء الروحي المرير والشقاء والحيرة والاضطراب، والتفكك الأسري، والانحلال الخُلقي، والتشتت الاجتماعي والذي يهربون منه إلى جحيم المخدرات والمغامرات الحمقاء، والشذوذ في مختلف مناحي الحياة، الشذوذ في الحركات والمظاهر واللباس والطعام، الشذوذ الأخلاقي والسُّلوكي؛ فأورث ذلك أمراضًا عصبية ونفسية لا حصر لها، جعلتهم لا يجدون في الحياة ما هو جدير بالبقاء بها.
هذه الصورة لا تعرضها القنوات التلفزيونية عن واقع الغرب، ولكن تعرض الصورة على منحى آخر، وأن ما لدى الغرب من تقليعات هو قمة التحضُّر والتقدم، ونتيجةً لذلك لا نكاد نمر في طريق إلا ونجد واحدًا من أبناء المسلمين والبنات المسلمات وقد تأثروا بشيء من تلك التقليعات.
وهذا التشبه يورث المحبة ولا شك.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : «إن المشابهة في الظاهر تُورث نوع مودة ومحبة وموالاة في الباطن، كما أن المحبة في الباطن تورث المشابهة في الظاهر، وهذا أمرٌ يشهد به الحس والتجربة، حتى إنَّ الرجلين إذا كانا من بلدٍ واحدٍ ثم اجتمعا في دار غربة، كان بينهما من المودَّة والاتئلاف أمرٌ عظيم، وإن كانا في مصرهما لم يكونا متعارفين أو كانا متهاجرين...»([9]).
د- ومن المظاهر للأضرار الناجمة عمَّا تعرضه الفضائيات في جانب العقيدة والتصورات ما يكون من التأثير في جوانب عدة من الدين.
حتى بلغ الأمر أن تَجْرُأَ بعض الممثلات في إحدى القنوات التلفزيونية إلى أن تعد عملها المُسَفَّ أخلاقيًا أمرًا لا يؤاخذ الله عليه.
لماذا؟ ...قالت: لأن الله أعظم من أن يؤاخذ عبده على مثل هذه الأعمال.
سبحان الله! ﮫ ﮬ ﮭ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕﯖ ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ﯛ ﯜﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯢ ﯣ ﯤ ([10]).
وهذا الذي قالته تلك الممثلة هو نفسه عقيدة المرجئة الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان أي معصية ولو كانت مكفِّرة.
عافانا الله وإياكم ، ورد المسلمين إلى دينهم الحق رداً جميلا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
([1]) سنن ابن ماجه برقم (4244).

([2]) سورة المطفيين، الآية: 14.

([3]) جزء من حديث صحيح مخرَّجٌ في فتح الباري شرح صحيح البخاري الحافظ ابن حجر العسقلاني (3/234-240)

([4])سورة الجاثية، الآية: 23.

([5]) مسند أبي داود الطيالسي» (ص101) رقم (747) واللفظ له.

([6]) سورة المجادلة، الآية: 22.

([7]) جزءٌ من حديث صحيح سلسلة الأحاديث الصحيحة - للشيخ العلامة الألباني رقم (1387).

([8]) رواه البخاري (6168) .

([9]) مرجع سابق - اقتضاء الصراط المستقيم – شيخ الإسلام أبن تيمية » (1/549).

([10])سورة الأعراف، الآية: 28.