الأضرار والمخاطر التربوية والأخلاقية والاجتماعية

أ- من أبرز الأضرار التربوية والأخلاقية والاجتماعية لما تبثه كثير من القنوات التلفزيونية حصول الانحراف السلوكي لدى الأطفال والشباب والفتيات وحتى الكبار من الرجال والنساء.
وذلك أن المشاهد المعروضة عبر تلك الشاشات تُظْهِر العلاقات المحرمة بين الرجل والمرأة بأنه سبيل لابد أن يسلكه كل رجل وامرأة، وكل شاب وفتاة، ومن العجيب حقًا تلك المشاهد تجد الاستنكار ومحاولة التغيير من قبَل كثير من العقلاء في بلاد الغرب، في حين أن بعض القنوات العربية تعزز هذا المنهج في قنواتها التلفزيونية، وتجد الاستجابة لدى كثير من متابعها.
ولنتوقف قليلاً عند التصورات الذهنية التي تُخَلِّفَها كثير من المَشَاهَد التي تبثها معظم القنوات التلفزيونية في تكوين العلاقة بين الرجل والمرأة.
سنجد: التساهل في تكوين العلاقة المحرمة بين الرجل والمرأة واعتباره أمرًا طبيعيًا.
وسنجد: استساغة حمل المراهقات سفاحًا، واعتياد ذلك وشرح كيفية التخلص منه.
وسنجد: عدم الاستهجان أو الاستغراب لمواعدة الرجل المرأة الأجنبية لأمر مُحَرَّم، مع شرح الكيفية والوسيلة لتحقيق ذلك والتحايل لأجله، وهكذا الخلوة بينهما، والقيام بحركات مثيرة، من لمس، ونحو ذلك.
بل إنَّ كثيرًا من الناس لم يعودوا يستغربون أن تعرض بعض القنوات مشهد رجل وامرأة يضطجعان على سرير واحد.
ماذا ستكون النتيجة لهذه المشاهد المتكررة والمتلاحقة تلاحق الساعات والدقائق؟
سيكون من النتائج:
ب- فشو الفواحش على اختلاف أنواعها مع ما يلحقها من الاختلال الاجتماعي في نواحٍ عدة.
وَلْنُشِر إلى بعض من ذلك:
* إن عرض تلك المناظر لابد وأن يؤثر في الشباب والفتيات وخاصة من لم يتزوج منهم، ذلك أن تلك المناظر تؤجج الشهوات وتجعل الشخص ذكرًا أو أنثى مهيئًا للوقوع في الرذيلة متى فُتِحَ له بابها. بل إنه ليعمد إلى كسر كل باب يمنعه من مشتهياته المحرمة.
ومن العجيب حقًا أنه يوجد تصور لدى كثير من الناس رجالاً ونساءً، آباءَ وأمهات، شبابًا وفتيات، مفادُ هذا التصور أن النظرة البريئة، والحديث الطليق، والاختلاط الميسور، والدعابة المرحة بين الجنسين، والإطلاع على مواضع الفتنة المخبوءة، أن ذلك تنفيس وترويح، وإطلاق للرغبات الحبيسة ووقاية من الكبت ومن العقد النفسية، وتخفيف من الضغط الجنسي.
والواقع أن هذا التصور خطأٌ جملةً وتفصيلاً.
وإلا وبربكم ماذا أَوْرَثَ هذا المسلك في البلاد التي يتوفر فيها ذلك وزيادة؟!
أليست بلاد الحرية البهيمية في أوروبا وأمريكا لا تجعل قيدًا ولا شرطًا لمن أراد العُري والاختلاط، على تلك الشاكلة، فهل كفاهم ذلك؟
كلا وربي، بل إنه زادهم شرهًا وفحشًا لا نهاية له، فشبَّ على ذلك الصغير وشاب الكبير، حتى تطلبوا إرواء غرائزهم بأنواع من الشذوذ كزواج الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة.

* ومن نتائج ذلك وثمراته المُرَّة:
الوقوع على الحرام.. نعوذ بالله من ذلك.
وبأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام ما كان أشد رحمته بأمَّته يوم حذَّرها من شطحات الأمم الضالة، فقال: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبرًا بشبر، وذراعًا بذراع، حتى لو دخلوا جحر ضبٍّ لتبعتموهم» قال الصحابة: يا رسول الله! اليهود والنصارى؟ قال: «فمن؟!» رواه البخاري ومسلم ([1]).
وفي رواية الترمذي والحاكم ([2])، قال : «حتى لو كان فيهم من يأتي أمه علانية لكان في أمتي من يفعل ذلك».
* وفي الجانب التربوي والأخلاقي – أيضًا – وما يتبعهما من التداعيات الاجتماعية.
أن مشاهد مناظر الحب والغرام المحرم والجنس تؤدي إلى ضعف الغيرة وانعدامها، وإلا فبأي شيء يفسر أن تبدي المرأة إعجابها بالفنان أو الممثل الفلاني، وأنه جميل قسيم وسيم، تصرح بذلك وتتلفظ به أمام زوجها، ولا تتحرك لذلك مشاعره، وكأنها تتحدث من فراغ. وبعض الناس يغفل عن أنه بتساهله بنظر زوجته إلى المشاهد المحرمة وخاصة مناظر الفاحشة ومقدِّمَاتها وجلبه للأفلام والمجلات الهابطة الداعية للفحش والغرام – أنه بفعل ذلك – يكون قد مهَّد الطريق لإفساد بيته، وهذا ما يعبِّر عنه أصحاب الدراسات المتخصصة المعاصرة بالخيانة الزوجية، وهذا ما أكَّدته دراسة أكاديمية في رسالة علمية حول: «الانحرافات السرية وظاهرة الخيانة الزوجية»، وقد ذكرت الباحثة جملةً من الأسباب منها: خروج المرأة للعمل واختلاطها «بزملائها» الرجال وتحادثها معهم بخصوصياتها، ومن ذلك: الاطّلاع على الكتب والأفلام الجنسية والتي يحضرها الزوج أو لا يمانع من تعاطي زوجته لها .
وهكذا المرأة التي تشاهد زوجها وقد كادت عيناه أن تخرجا من الحدقتين يقلبهما في وجه الممثلة أو المغنية وهي لا تعير لذلك اهتمامًا، فالغيرة بين الزوجين على بعضهما مطلوبة، الزوج يغار على زوجته فيحفظها ويصونها ويحرص على أن تقصر طرفها عليه، كما هو وصف نساء الجنة ﰁ ﰂ ([3]) والمرأة تغار على زوجها أن يمتد نظره إلى غيرها.
ومن التداعيات الاجتماعية في هذا الجانب:
الاستظهار بالمنكرات وعدم الاكتراث بنظر وعلم الآخرين، وهذه القضية نجدها في تزايدٍ يومًا بعد آخر، ومن له اطلاع على مجتمعات الشباب من الفتيان والفتيات يلمس ذلك الأمر عن كثب، حيث تبدو آثار ذلك جليةً في جوانب مختلفة:
فعند الشباب: تجد أحدهم منذ صغره يعتاد شرب الدخان، ثم إنك واجدٌ تلك المسالك والتصرفات المنحرفة التي تظهر في التعامل واللباس وغير ذلك.
وستجد لديهم أيضًا: الميل لتكوين العلاقات المحرمة، فتجده يَنْصب شَرَكَه لاصطياد من يستطيع اصطياده؛ ليمارس من خلاله الفاحشة التي تكرَّس مفهومها لديه عبر مئات المناظر والمشاهد التي جعلت منه إنسانًا مهيِّجًا جامحًا لارتكاب الفاحشة بأي سبيل ممكن.
وبعض الشباب تُحْدِث له مناظر القنوات التلفزيونية المغرية انتكاسًا في فطرته وسقوطًا في رجولته، حيث يعمد إلى المسلك الأنثوي، فهو ينافس البنات في ميوعته ونعومته؛ لتشبه بالنساء في الكلام والحركات واللباس.
وعند الفتيات المتابعات للقنوات التلفزيونية : ستلحظ جنوحًا مقيتًا نحو أنواع من الارتكاسات الأخلاقية بما تظهر معه نذر الخطر على أخلاقيات المجتمع بأسْرِهِ.
فكل فتاة، وكل امرأة، لديها استعداد فطري – ككل الرجال – للتفاعل مع الغرائز التي وظَّقَتها الشريعة توظيفًا حسنًا ووَجَّهتها إلى ما فيه صلاح الأُمَّة وعِمارة الأرض.
لكن الفتيات والنساء المتأثرات ببرامج وتمثيليات التَّفَلُّت الأخلاقي يظهر عليهن التبرج والسفور المحرم، بل إنهن ليسعين لمجاراة سقط المجتمعات من الممثلات والمغنيات، فيقلدنهن في اللباس العاري وتقليعات الموضة المتهتكة! وقد نزعن جلباب الحياء، فأقحمن أنفسهن فيما به هلاكهن.
وأنت واجدٌ من هذا الصنف من الفتيات والنساء جنوحًا نحو إقامة العلاقات المحرمة، حيث تتلقفها الكلاب المسعورة لقمة سائغة، ليعبثوا بها كيفما شاؤوا، ثم يرمون بها زهرة ذابلة قد أفسد رحيقها.
فللنظر إلى هذه النهايات والنتائج المؤسفة التي تؤول إليها الفتيات والنساء في مستنقعات مأفونة، بعد أن كانت الآمال المعلقة عليها عريضة عرض ما بين المشرق والمغرب، «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة»([4]).
ماذا ينتظَر من فتيات تفتحت أعينهن ومداركهن يوم تفتحت على مناظر الإسفاف والتهتك من تقبيل وضم وأجساد عارية وكلام في الجنس وعلاقاته ومقدماته.
فهل ينتظر منهن بعد ذلك إلا ثمارٌ من جنس تلك المشاهد؟!
وفي كثير من المجتمعات الإسلامية المحافظة والتي غُزِيت بثقافة الفن الرخيص تتابعت الانتكاسات في الأفهام لدى كثير من الناس، ورحن يتبارين في استحداث كل غريب.
ففي مجال الألبسة وطُرق التجميل: جعلن من أنفسهن ألاعيب لمصممي الأزياء في شرق الدنيا وغربها، فهذا زي – موضة – ألوان حمار الوحشي، وهذه موضة قرد «الشمبازي»، وهذه موضة حيوان الكنغر، وهذه موضة الجرذان الهندية... الخ.
في اللباس... وتسريحات الشعر... والمكياج... و ... و ... الخ.
فتأتي تلك المسلمة.. العفيفة.. الساذجة لتتلقف هذه الأضحوكات تحت مسمى الموضة والتمدن الذي تأخذه عبر القنوات وبرامج الموضة، وتقليعة سقط المجتمعات الشرقية والغربية، ثم يتتابع هؤلاء النسوة في تقليد بعضهن للخروج عن المألوف، حتى ولو جعلها ذلك في عداد السفيهات..

جـ- العزوف عن الزواج، والاكتفاء بالمناظر المحرَّمة:
لدى دراسة توجهات عدد من الشباب الذين تأثروا بمناظر العُري والفاحشة التي هي المادة الرئيسية في معظم القنوات التلفزيونية، ظهر من توجهاتهم عزوف عن الزواج ورغبة عنه، لِمَ؟ يجيبك هذا الشاب:
- الزواج مسؤولية وتكاليف.
- لن نجد من النساء الجميلات من يشابه الممثلة فلانة أو فلانة لنتزوج بها.
- المرأة لا تستحق من يتعب من أجلها، هي للمتعة فقط، مثل ما يرى في المسلسلات والأفلام.
إلى غير ذلك من التعللات الساذجة.
إن إدامة نظر الشباب إلى مناظر الفضائيات المحرمة أحدثت عندهم خمولاً نحو ما أحلَّه الله، وشرها نحو الفواحش المحرمة يأخذ صورًا متعددة.
ولدى عزوف هؤلاء الشباب عن الزواج، تنشأ مشكلة أخرى لدى الفتيات اللاتي لم يتقدم لهنَّ أحد، مما يزيد من عدد العانسات وفي ذلك من الأضرار ما لا يخفى.

د- ممارسة العلاقة الزوجية على وجه محرم.
يقول الله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ([5]).
وقد بيَّن أهل العلم في ضوء هذه الآية ما جاء في معناها من أحاديث المصطفى أن محل الوقاع هو محل الولد. وجاءت النصوص المحرمة لإتيان المرأة في دبرها. ومن ذلك قوله : «ملعونٌ من أتى امرأةً في دبرها»([6])، وقوله : «من أتى حائضًا أو امرأةً في دبرها أو كاهنًا فصدَّقه فقد كفر بما أُنزل على محمدٍ »([7]).
وحيث إن أكثر القنوات التلفزيونية والقائمين عليها لا يَعتَدُّون بشرعة ولا فضيلة، وإنما الأمر عندهم شهوات مسعورة، فهم يعرضون كل ما من شأنه تهييج الشهوات لاجتذاب من يستطيعون من الناس، وللوصول إلى غاياتهم، كلٌّ وما خطط له، وأصحاب الإعلانات التجارية من ورائهم يهيمون في كل وادٍ طمعًا في مزيد من الكسب المالي.

هـ- ظهور الشذوذ الجنسي والانتكاس الفطري، حيث يكتفي الذكور بالذكور، والإناث بالإناث، وخصوصًا لمن لم يحصن بالزواج.

و- الإخلال بهوية المجتمعات الإسلامية، والقضاء على البقية الباقية مما لديها من تراثها وأخلاقياتها.
ومن مَحَّصَ ما تعرضه القنوات التلفزيونية المنحرفة، بما فيها القنوات العربية فإنه يلحظ أنها تقدم النموذج الغربي المتحلل من الأخلاق على أنه هو محل التقليد والإعجاب، مع تنحيتها للأخلاق والآداب الإسلامية.
وبذلك دخل المجتمع المسلم في نفق التبعية والتقليد لما فيه هلاكه.
ومن الأمثلة على ذلك:
أن القنوات التلفزيونية المنحرفة تعرض العلاقة بين الرجل والمرأة على أنها علاقة جنسية، يتحتم على كل منهما أن يقتحم الأعراف الشرعية لأجلها، فيتعرف كلٌ منهما على الآخر ويختلي ويختلط به، ويمارس معه ما تشاء نفسه، ليس لأحد عليه أمرٌ ولا نهي كائنًا من كان، حتى ولو كانت تلك العلاقة علاقة سِفَاح وخدن!
ومن الأمثلة: تصوير تعاطي الخمور بأنه لا حرج فيه وأنه شيء اعتيادي يشبه شربه شرب العصير والماء!
ومن الأمثلة: الدعاية للتقليعات الغربية في اللباس وتطويل الشعر وحلقه وتسريحه، وغير ذلك من المسالك المثيرة للاشمئزاز.
ز- تقديمها لنماذج منحرفة باعتبارها قدوة مقتفاة:
فقد دَرَجَت معظم القنوات التلفزيونية على إعداد اللقاءات بنماذج سيئة من المنتسبين والمنتسبات إلى ما يسمى الفن، وهذه النماذج عندها من السقوط الأخلاقي والتخلف الثقافي ما جعلها لا تجد غضاضة في المجاهرة بسوئها وفحشها.
هكذا يجاهرون بالفاحشة وينتقصن شريعة الإسلام، وهكذا تصبح هذه النماذج العفنة وما ماثلها قدوة لكل من أراد السقوط في أوحال العُهر والفواحش.. هروب من المنزل.. مخادنة وسفاح.. وتنقص لشريعة الله واعتراض على أحكامها.
وتالله إن هؤلاء قد وضعوا أقدامهم على طريق الكبت الحقيقي الذي لا يفيقون منه إلا إلى أعظم منه، يوم يوافون ربهم بذلك العمل الذي يسوِّد صحائفهم ووجوههم. ﯹ ﯺ ﯻ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ ﰈ ﰉ ﰊ ﰋ ﰌ ﰍ ﰎ ([8]).
وإن في حال الغرب الذين أطلقوا لأنفسهم العنان فركبوا كل ما اشتهته أنفسهم من الشهوات المحرمة، لهم فيهم أعظم معتبر.
فإن ذلك لم يزدهم إلا حسرة وضيقًا ونكدًا، فكثر اكتآبهم وتتابعت عندهم الأزمات النفسية، وزادت نسب الانتحار.
* ومهما اعتذر معتذر فإنه ما دام مخالفًا لشريعة الله متبعًا لشهوات نفسه، فإنما يختار حتف نفسه، ويسلك سبيل شقائه.
أَلاَ فليتق الله، وليرجع إلى ربه ما دام في الزمن مهلة، وما بقي في الأجل فُسحة.

([1]) «صحيح البخاري» برقم (3456) و (7320 )

([2]) «جامع الترمذي» برقم (2643).

([3]) سورة الصافات، الآية: 48.

([4]) «صحيح مسلم» (1467).

([5]) سورة البقرة، الآية: 223.

([6]) رواه أبو داود (2162).

([7]) رواه الترمذي (135) .

([8]) سورة الأحقاف، الآية: 20.