وقفات مع آية الازدياد من العلم:
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد:
فهذه وقفات تأمل في آية من آيات الله ، أسأل الله أن ينفعني وإخواني بها.
يقول :"وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا"
الوقفة الأولى: في تفسيرها
يقول الطبري: يقول تعالى ذكره: وقل يا محمد: ربّ زدني علما إلى ما علمتني أمره بمسألته من فوائد العلم ما لا يعلم.
قال ابن كثير: أي: زدني منك علما.
وكان ابن مسعود إذا قرأ هذه الآية قال: اللهم رب زدني علما وإيمانا ويقينا
قال القرطبي: فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم.
قال ابن عُيَيْنَة، : ولم يزل في زيادة [من العلم] حتى توفاه الله .
الوقفة الثانية: في الآية دليل على فضل العلم وشرفه:
إن الله قد رفع قدر العلم وأعلى مكانة العلماء فأنزلهم أعظم منزلة حين استشهدهم على أعظم شهادة -بعد أن شهد بها، وأشهد بها ملائكته- فقال تعالى: "شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُوْلُوا الْعِلْمِ" [آل عمران:18].
وأخبر أنهم وحدهم هم الذين يخشونه حق خشيته فقال: "إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ" [فاطر:28] .
وحكم لصالحهم على من سواهم في قوله: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ" [الزمر:9] .
وبين أنهم وحدهم المؤهلون لعقل معاني آيات كتابه وفهما فقال: "وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلاَّ الْعَالِمُونَ" [العنكبوت:43] .
وبين-سبحانه- أنه يرفع درجاتهم في الدنيا والآخرة فقال: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ وَإِذَا قِيلَ انْشُزُوا فَانْشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ" [المجادلة:11] .
وقد جاءت الأحاديث الكثيرة تبين فضل العلم وشرف أهله وعلو منزلتهم، وسمو مكانتهم، منها: ما أخرجه البخاري عن عثمان بن عفان أن رسول الله قال: ( خيركم من تعلم القرآن وعلمه).
وما أخرجه البخاري عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي قال: ( من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين".
ومنها ما أخرجه مسلم عن أبي هريرة أن النبي قال: ( ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلاّ نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه ).
فقوله: (من) يفيد العموم، فطلب العلم ليس للشباب فقط بل لكل أحد يستطيع ذلك، وكم طلب العلم كبار، وأمراء ووزراء، رجال ونساء فصاروا علماء أجلاء.
وقوله: (سلك)، فيه أن الأجر يُنال بمجرد سلوك الطريق، وهذا فيه فضل عظيم، فالسالك لطريق العلم ينال الأجر ولو لم يبلغ درجة العلماء.

الوقفة الثالثة: التدرج في طلب العلم وعدم العجلة:
فقد جاء قبلها قولُه تعالى: "وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ"، وورد في سبب نزول الآية أن النَّبي كان إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه من شدة حرصه على حفظ القرآن، فنهاه الله عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، وأرشده في هذه الآية إلى أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرأه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه، قال تعالى: "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ"، وأخرج البخاري في صحيحه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ" قال: كان رسول الله يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه. فأنزل الله تعالى: "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ" قال: جمعه لك في صدرك، ونقرأه "فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَه" قال: فاستمع له وأنصت "ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ " ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول الله بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع. فإذا انطلق جبريل قرأه النَّبي كما قرأه".
والمعنى: لا تبادر بتلقف القرآن حين يتلوه عليك جبريل، واصبر حتى يفرغ منه، فإذا فرغ منه فاقرأه، فإن الله قد ضمن لك أن يجمعه في صدرك وأن تقرأه كما قرأه جبريل، قال تعالى: "لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ".
قال السعدي: "ولما كانت عجلته على تلقف الوحي ومبادرته إليه تدل على محبته التامة للعلم وحرصه عليه أمره الله تعالى أن يسأله زيادة العلم فإن العلم خير."
قد جاء لفظ العجلة في القرآن الكريم متصرفاً في سبعة وثلاثين موضعاً، كلها على سبيل الذم إلا موضعاً واحداً وهو قوله : "وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى" [البقرة:203].
وقد قال العلماء: "من تعجل شيئاً قبل أوانه عوقب بحرمانه".
أمثلة على ذم العجلة: 1- العجلة في الصلاة ذمها النبي -حديث المسيء صلاته في الصحيحين. -2 العجلة في الوضوء: ذمه النبي ، لما يترتب عليه من عدم حسن الوضوء وفوات المطلوب، حديث "ويل للأعقاب من النار".



الوقفة الرابعة: شكر الله والمداومة على ذلك.
على العبد أن يشكر الله ويحمده على ما فتح عليه من سبل العلم ووفقه لحضور مجالسه، وكلما تعلم العبد عليه أن لا يغفل عن هذا الأمر العظيم، وهذا من بركة العلم وسببِ حفظه وزيادته، قال تعالى: "فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7)"
وقال سبحانه: "وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ" إبراهيم(07)
قال أبو حيان الأندلسي: "وهذا القول متضمن للتواضع للّه والشكر له عند ما علم من ترتيب التعلّم، أي علمتني مآرب لطيفة في باب التعلم وأدبا جميلا ما كان عندي، فزدني علما".
قال السعدي: "وكثرة الخير مطلوبة وهي من الله والطريق إليها الاجتهاد والشوق للعلم وسؤال الله والاستعانة به والافتقار إليه في كل وقت."

الوقفة الخامسة: الزيادة في العلم تقتضي الزيادة في العمل
وذلك أن العلم الممدوح شرعا هو الذي يصحبه عمل، فإن لم يكن كذلك فهو حجة على صاحبه يوم القيامة، وقد كان النبي يجتهد في العبادة ما يعجز اللسان عنه، ويقول أفلا أكون عبدا شكورا.
وحثه ربه على ذلك في نهاية حياته-وقد جمع علما جما-فقال: " إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا(3)"
وقد ضرب السلف الصالح في ذلك أروع الأمثلة، بل نقل عنهم أنهم كانوا يجتهدون أن يكون عمل يومهم أزيد من عمل أمسهم.




الوقفة السادسة: أول العلم الاستماع والإنصات:
فقد أمر الله نبيه بالاستماع، ثم الحفظ بعد ذلك، وأخرج الخطيب في كتابه (الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع) عن الضحاك بن مزاحم قال: "أول باب من العلم الصمت والثاني استماعه والثالث العمل به والرابع نشره وتعليمه".
وأخرج أبو حاتم محمد بن حبان عن سفيان قال: "أول العلم الإنصات ثم الاستماع ثم الحفظ ثم العمل به ثم النشر".-والله أعلم-
﴿إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)﴾ [هود].
أسأل الله العظيم ربَّ العرش الكريم أن يوفِّقنا جميعًا لما يحبِّه ويرضاه، وأن يجعلنا هداةً مهتدين غير ضالِّين ولا مضلِّين، إنَّه سميعٌ مجيبٌ، وصلَّى الله على نبيِّنا محمَّدٍ وآله وصحبه وسلَّم.