الحمد لله والصلاة والسلام على رسوله، وبعد:

فقد قال ابن فارس في مقاييس اللغة:

(دَبَرَ) الدَّالُ وَالْبَاءُ وَالرَّاءُ. أَصْلُ هَذَا الْبَابِ أَنَّ جُلَّهُ فِي قِيَاسٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ آخِرُ الشَّيْءِ وَخَلْفُهُ خِلَافُ قُبُلِهِ.

مدار الدلالة على معنيين متباينين:

1-آخر الشيء خلاف أوله
2-وخلف الشيء خلاف قبله

و تظهر حدة التباين لو أسقطنا على أصل هذا الباب استعارة الفضاء:

فنسقط "الزمانية" على المعنى الأول،
ونسقط "المكانية" على المعنى الثاني.

فيلوح معنى التتابع والتعاقب والصيرورة على المحور الزمني، ويلوح معنى التجاور والتواجه والمحاذاة على المحور المكاني.

فيدخل في الزمرة الأولى كوكبة من البنود من قبيل:

-التَّدْبِيرُ: أَنْ يُدَبِّرَ الْإِنْسَانُ أَمْرَهُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى مَا تَصِيرُ عَاقِبَتُهُ وَآخِرُهُ، وَهُوَ دُبُرُهُ.
-وَالدَّابِرُ: التَّابِعُ; يُقَالُ: دَبَرَ دُبُورًا. وَعَلَى ذَلِكَ يُفَسَّرُ قَوْلُهُ جَلَّ ثَنَاؤُهُ: وَاللَّيْلِ إِذَا دَبَرَ، يَقُولُ: تَبِعَ النَّهَارَ.(المقاييس)
ودَبَرَهُ يَدْبُرُه دُبُوراً: تَبِعَهُ مِنْ وَرَائِهِ(اللسان)
-يُقَال: جاءَ فُلانٌ دَبَرِيّاً أَي أَخيراً، وفُلانُ لَا يُصَلِّي إِلاَّ دَبَرِيًّا، بالفَتْح، أَي فِي آخِر وَقْتها. وَفِي الْمُحكم: أَي أَخيراً(التاج)
-قيل: الدَّبْرَةُ: (العَاقِبَةُ) ، وَمِنْه قَوْلُ أَبِي جهل: لابْنِ مَسْعودٍ وَهُوَ صَرِيعٌ جَريحٌ لِمَنِ الدَّبْرَةُ؟ فَقَالَ لِلّه ولرسُولِه، يَا عَدُوَّ الله.
-استدَبَرَ (الأَمْرَ: رَأَى فِي عاقِبَتِهِ مَا لَمْ يَرَ فِي صَدْرِه) . وَيُقَال: إِن فُلاناً لَو استَقْبَلَ من أَمْرِه مَا استَدْبَره لَهُدِيَ لِوِجْهَةِ أَمْرِه. أَي لَو عَلِمَ فِي بَدْءِ أَمرِه مَا علِمَه فِي آخِرِه لاسْتَرْشَدَ لأَمْره.
- الدَّبْر: (المَوْتُ)

ويدخل في الزمرة الثانية بنود من مثل:

-الدُّبْر، بالضَّمّ وبِضَمَّتَيْن: نَقِيضُ القُبُلِ. و الدُّبُر مِنْ كُلِّ شَيْءٍ: عَقبُه ومُؤَخَّرُه.
- الدّابِر: آخِرُ كُلِّ شَيْءٍ وَبِه فُسِّر قولُهُم: قَطَع اللَّهُ دابِرَهم، أَي آخِرَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُم.(التاج)

وتنتظم الزمرتان في قاسم معنوي مشترك هو مطلق الخفاء بسبب قيام حاجب:
خفاء على البصر(مكانيا) كأن تقول: دبر الشجرة أي جزؤها الخلفي الذي لا يواجه البصر؛
أوخفاء على البصيرة (زمانيا)كأن تقول :دبر الشجرة أي آخر أمرها في طرح الثمار أو طرحها هي نفسها في النار!

إذا صح منا هذا التحليل أمكن لنا أن نرسم تدبر القرآن بأنه كشف خفاء المعنى إما عن طريق تتبع لوازمه (فواضح أن التتابع في المعنى-زمنيا- ليس إلا تعاقبا للوازمه العقلية ذهنيا) وإما عن طريق إزاحته لاكتشاف معان أخرى كان يخفيها...وهذه الطريق الثانية يوضحها مصطلح سلفي آخر هو:"التثوير" فقد جاء عن ابن مسعود :"ثوروا القرآن"

قال في" التاج":
أَثارَ الأَرضَ: قَلَبَها على الحَبِّ بعد مَا فُتِحَتْ مَرَّةً..

فالتثوير- على استعارة المكان- هو إزاحة طبقة من التراب لتظهر طبقة أخرى..وبناء عليه فإن تثوير القرآن هو البحث عن معنى كامن خلف -أو تحت- المعنى المباشر..
فيتلخص مما سبق أن التدبرقد يتخذ شكلا أفقيا ينتقل فيه الفكر من معنى إلى لوازمه المتعاقبة ،كما يتخذ شكلا عموديا ينتقل فيه الفكر من معنى إلى معان أخرى مجاورة، ولا نحتاج إلى التنبيه على أن المجاورة هنا ليست سياقية بل مجاورة- أو تساكن -في المحل الواحد على معنى التراكم ،فلا يكون الانتقال خطيا وأنما عموديا من معنى إلى معنى على طريقة الإزاحة والاستبدال.

كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ [ص : 29]
لعل عطف التذكر على التدبر لتحقيق معنى الشمولية في تلقي المعنى القرآني :فكأن التدبراتجاه الذهن لما سيكون والتذكر استحضار لما كان..

أخيرا،هذان مثالان يجليان ما ذكر عن طريقتي التدبر :


1-المثال الأول وهونموذج عن التدبر "المكاني" بالإزاحة كتبته منذ زمن عن قوله تعالى :
"والله يرزق من يشاء بغير حساب"

وأعيده هنا على سبيل التمثيل..وأنبه قبل ذلك على محل الشاهد في المقام وهي كلمة "حساب" التي قد يفهم منها المتلقي أولا معنى "العد" فيمتليء الذهن بها وربما اكتفى بها فلا يكون التدبر ممكنا إلا بإزاحة هذا المعنى ليترك المجال لبروز معنى آخر هو "الحسبان" حتى إذا امتثل في الذهن أزيح بدوره ليظهر معنى ثالث هو "المحاسبة" وهكذا ...وهذا نص المقال كاملا:

[وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.

هذا الجزء من الآية قد لا تستوقف المتدبر،وقد يغتر بوضوحها في الذهن فينصرف عنها إلى غيرها.وهذا نهج غيرسليم في تدبر القرآن الكريم :فلا بد من تثوير كل آية على حدة ولابد من الاعتقاد بضرورة العودة إلى تلك الآية مرة أخرى على أمل أن ينكشف اليوم ما استعصى بالأمس،ولايقال قد فرغنا منها، فمن شأن الكلمة الطيبة أن تؤتي أكلها كل حين.وقد اخترت هذه الآية لذلك القصد......

فليس أظهر من قوله والله يرزق من يشاء بغير حساب
وليس
أوضح من كلمة حساب،لكنها تخفي- خلف ظهورها-مايخلب الألباب، مثل الشجرة التي تخفي الغابة....
أو مثل – وهذا التشبيه أبلغ من
السابق -"فص الماس يعطيك كل ضلع منه شعاعا فإذا نظرت إلى أضلاعه جملة بهرتك بألوان الطيف كلها فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع .ولعلك لو وكلت النظر فيها إلى غيرك رأى منها أكثر مما رأيت".(حسب تعبير الشيخ عبد الله دراز)

إذن،هذه عجيبة قرآنية في كلمة ألماسية!!

"
حساب" .......
جاءت
في موقع من النظم اكتسبت معه قدرة على التعدد الدلالي على نحو معجز:

-
فهي مسبوقة بفعل "يرزق" وزمن الفعل يحتمل أن يكون دالا على الدارين:في العاجل وفي الآجل.

-
وهي مسبوقة ب "من"المجملة المحتملة الدلالة على الفريقين: المؤمنين و الكفار.

-
وهي مسبوقة بالفعل والفاعل والمفعول.

-
ثم هي نفسها تحتمل أن تكون مصدرا أو مصدرا مرادابه الفاعل أو مصدرا مرادا به المفعول.

-
وهي من جهة أخرى تحتمل أن تكون بمعنى العد والإحصاء وبمعنى الظن والترقب وبمعنى المحاسبة والمؤاخذة.

-
وهي،أخيرا،من المرونة بحيث تقبل أن تنسجم مع جل الاحتمالات السابقة..... فلا تدري ماذا تأخذ عينك وماذا تدع!!

وهذه
نماذج -ليست للحصر- :

1
-والله يرزق من يشاء بغير حسابأي:عطاء الله لا يدخل تحت عد أو حصر،فهو بغيرحساب أي لا يتناهى ،كما في قوله تعالى: إِنَّهَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِن نَّفَادٍ (54) سورة ص
والأنسب هنا أن تكون "من" دالة على المؤمنين وأن يكون العطاء في الآخرة فالجنة خالدة وأهلها يرزقون فيها لا إلى نهاية.
فتكون الآية مشيرة إلى سعة ملك الله.

2
-والله يرزق من يشاء بغيرحساب.

أي:لا يحسب ما يعطي لأنه لا يخاف نفادها عنده،فيحتاج إلى حساب ما يخرج منه، لأن المعطي إنما يحاسب ليعلم مقدار ما يعطي ومايبقي،فلا يتجاوز في عطاياه إلى ما يجحف به، والله لا يحتاج إلى الحساب، لأنه عالم غني لا نهاية لمقدوراته.(الرازي)
فتكون الآية مشيرة على الغنى المطلق.

-3
والله يرزق من يشاء بغير حساب.

أي: أن بعضها ثواب وبعضها تفضيل محض، فهو بغير حساب،(أبو حيان).
فتكون الآية مشيرة إلى كرم الله :يعطي مقابل الشيء عدلا ويزيد ما لا مقابل له تفضلا .

-4
والله يرزق من يشاء بغير حساب.

أي:يرزق من يشاء ولا يحاسب نفسه على كثرة ماأعطى لأنه كريم.
أو
:
لايحاسبه أحد على فعله ولا يوجد من يحاسبه لأنه هوالعلي الأعلى لاَيُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـئَلُونَ.
فتكون الآية مشيرة إلى الربوبية المطلقة.

5
-والله يرزق من يشاء بغير حساب.

يعني أنه يعطي في الدنيا من يشاء من غير أن يكون ذلك منبئاً عن كون المعطي محقاً أو مبطلاً أو محسناً أومسيئاً وذلك متعلق بمحض المشيئة، فقد وسع الدنيا على قارون، وضيقها على أيوب عليه السلام، فلا يجوز لكم أيها الكفار أن تستدلوا بحصول متاع الدنيا لكم وعدم حصوله الفقراء المسلمين على كونكم محقين وكونهم مبطلين، بل الكافر قد يوسع عليه زيادة في الاستدراج، والمؤمن قد يضيق عليه زيادة في الابتلاء والامتحان، ولهذا قال:
وَلَوْلاَأَن يَكُونَ ٱلنَّاسُ أُمَّةً وٰحِدَةً لَّجَعَلْنَا لِمَن يَكْفُرُ بِٱلرَّحْمَـٰنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفاً مّنفِضَّةٍالزخرف: 33 (الرازي)

فتكون الآية تقريرا لقاعدة الأرزاق في الدنيا وأن نظامها لا يجري على حسب ما عند المرزوق من استحقاق بعلمه أو عمله، بل تجري وفقا لمشيئته وحكمته سبحانه في الابتلاء وفي ذلك ما فيه من التسلية لفقراء المؤمنين ومن الهضم لنفوس المغرورين من المترفين. (دراز)

6
-والله يرزق من يشاء بغير حساب.

أي :طائفة من الموحدين الذين يدخلهم الله الجنة بدون حساب وهم سبعون ألفا يدخلون الجنة بغير حساب كما في الحديث الصحيح....و ( هم الذين لا يتطيرون ولا يسترقون ولا يكتوون وعلى ربهم يتوكلون).

-7
والله يرزق من يشاء بغير حساب.

أي: من حيث لايحتسب كما يقول الرجل إذا جاءه ما لم يكن في تقديره: لم يكن هذا في حسابـي، فعلى هذاالوجه يكون معنى الآية: أن هؤلاء الكفار وإن كانوا يسخرون من الذين آمنوا لفقرهم،فالله تعالى قد يرزق من يشاء من حيث لا يحتسب، ولعله يفعل ذلك بالمؤمنين، قال القفال: وقد فعل ذلك بهم فأغناهم بما أفاء عليهم من أموال صناديد قريش ورؤساء اليهود، وبما فتح على رسوله بعد وفاته على أيدي أصحابه حتى ملكوا كنوز كسرى وقيصر.(الرازي)

وقِيلَ : بِغَيْرِأَن حَسِبَ المُعْطَى أَنْ يُعْطِيَهُ أَعطاهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِب فَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ : مِنْ حَيْثُ لاَ يُقَدِّرُهُ وَلاَيَظُنُّهُ كَائِناً مِنْ حَسِبْتُ أَحْسَبُ أَيْ ظَنَنْتُ وجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَأْخُوذاً مِنْ حَسَبْتُ اَحْسُبُ أَرَادَ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْسُبْهُ لِنَفْسِهِ ..((تاج العروس)

ولو
اعتبرت هذه الدلالات بعضها إلى بعض لاقتبست منها تجليات باهرة لمعاني ستة من الأسماء الحسنى على الأقل :الغني والكريم والعزيز واللطيف والحليم والرحيم.

-
الغني: إذ أن خزائنه لا تنفذ ولا يفنيها العد والحساب

-
الكريم:إذ أن منه العطاء الجزيل الذي لا يحصى ولا يحسب.

-
العزيز:إذ أنه يفعل في ملكه ما يشاء ولا يوجد من يحاسبه على عطاء أو منع.

-
اللطيف:إذأنه يرزق من يشاء في خفاء حتى أن المرزوق يفجؤه الرزق من غير توقع ومن طريق لم يكن له في الحسبان .

-
الحليم :إذ أنه يرزق الكافر في الدنيا ولا يحاسبه على كفر أوعصيان.

-
الرحيم:إذ أنه يرزق بعض عباده المؤمنين الجنة بلا مؤاخذة ولاحساب.

(للاستزادة يرجع إلى تفسير الرازي "مفاتيح الغيب" وتفسير أبي حيان "البحرالمحيط" وهامش صفحة 117 من كتاب" النبأ العظيم "للدكتور عبد الله دراز)].


2-المثال الثاني وهونموذج عن التدبر "الزماني" بتتبع اللوازم:

تأمل هذا الدعاء الرقيق للمؤمنين في الأسحار:

وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَاخَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ

أي تناسب بين خلق السموات والأرض وطلب الوقاية من النار؟
لابد من مد جسر ليتسق الأول والثاني...وهذا من شأن التدبر و التفكر ..
أوليست الآية جاءت تنويها بصفة التفكر عند المؤمنين
!
لوتتبعنا خط التفكير لانتهينا إلى ما انتهى إليه المتفكرون :"فَقِنَا عَذَابَ النَّار"
قالوا
:
"
رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً.."
فتفكيرهم إذن يدورحول "الغائية"
"
سُبْحَانَكَ"
وفي ضوء المبدأ ذاته ينزهون ربهم عن اللعبوالعبث..

الرب حكيم وما خلق الكون إلا لحكمة...فماهي؟

لن
يتعثر الفكركثيرا فالجواب جلي وسريع:
السموات والأرض خلقت للإنسان...
وهذا لا ينازع فيه مؤمن
ولاكافر..فالكافر وإن أنكر وجود الله أو أنكر حكمته فلا يستطيع أن ينكر أن الكون ملائم لسد حاجاته ...
فهذه التفاحة التي يقضمها ما وصلت إليه إلا بعد عمل طويل مشترك
ساهمت فيه الارض والشمس والنجوم!!
قال ساغان-العالم الفلكي الكافر المشهور-:لكي تصنع فطيرة عليك أن تخترع العالم كله!!
فالرجل ينظر من موقع العالم ويبحث عن الأصول...فمقادير الفطيرة عند الطابخات لا تعدو شيئا من الطحين وبضع بيضات وسكر....لكن تتبع مصادر هذه المقادير يفضي حتما إلى مقولة ساغان..فلا قمح بدون نجوم!
الآن أدركنا جليا أن العالم كله خلق من أجل الإنسان..
لكن
يجب للغائية أن تطرد!
فينقل
السؤال إلى الإنسان..
ماالغاية من وجوده...
كل هذا مسخر له
،نعم. ولكن هو مسخر لماذا أو لمن؟
فيأتي الجواب سريعا أيضا:
غايته
أن يعبدربه..
حسنا..
وماذا لو لم يقم بهذه الوظيفة أو أساء القيام بها...؟
"
فَقِنَا عَذَابَ النَّار"
هوالترابط بين المقدمة
والنتيجة!!